اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
مات مُجَّاعة بن سعر بِمكران بعد سنةٍ من توليته ثغر الهند، فاستعمل الحجَّاج مُحمَّد بن هٰرون بن ذراع النمريّ على المنطقة، وأعطاه كامل الاختيار في الأوامر والنواهي، وأوصاه حول جباية أموال الديوان وإخضاع العلافيين الذين خرجوا على المُسلمين وانضموا إلى ملك السند كما أُسلف، لا سيَّما بعدما قُتل الوالي سعيد بن أسلم بن زُرعة الكلابي على أيديهم لِثأرٍ قبليّ. استمرَّت ولاية مُحمَّد بن هٰرون خمس سنوات تمكَّن خلالها من إخضاع مكران فعليًّا، وتتبع العلافيين وقاتلهم وبعث بِرؤوس من قتلهم إلى الحجَّاج في العراق، وفتح عدَّة فُتُوحات في البرِّ والبحر. كما عمل مُحمَّد بن هٰرون على تطوير العلاقات مع مُلُوك الهند والدُول المُجاورة لِولايته باسم الخليفة في دمشق، فكانت بين الدولة الأُمويَّة وبين المُلُوك الهُنُود علاقات وديَّة وروابط تجاريَّة، وكان من أهم هؤلاء المُلُوك ملك «جزيرة الياقوت»، التي يغلب الظن أنها جزيرة سرنديب (سريلانكا المُعاصرة). وبِحسب المصادر العربيَّة والإسلاميَّة، فإنَّ ملك سرنديب المذكور، أرسل إلى الحجَّاج سفينةً مُحمَّلةً بِالتُحف والهدايا من الدُّرِّ والياقوت والجواهر الثمينة والغلمان والعبيد الأحباش، كما أرسل لِدار الخِلافة - إضافةً إلى ذلك - تُحفًا وطرائف مكنونة لا نظير لها، وتوجَّهت نساءٌ مُسلمات مع الهدايا لِزيارة البيت الحرام ولِيُشاهدن دار الخِلافة الإسلاميَّة. ويقول البلاذري أنَّ أولئك النسوة كُنَّ بنات تُجَّار مُسلمين أقاموا في سرنديب وتزوَّجوا وأنجبوا بها، ثُمَّ وافتهم المنيَّة، فأراد ملك الجزيرة التقرُّب من المُسلمين من خِلال تلك البنات اليتيمات، فأرسلهنَّ إلى بلاد المُسلمين، كما يُحتمل أن يكون بعض أيتام التُجَّار هُم من أرادوا العودة إلى بلاد آبائهم، فطلبوا ذلك بِأنفسهم. ويُقال أيضًا أنَّ ملك سرنديب أرسل خطابًا وديًّا إلى الخليفة الأُمويّ في دمشق وإلى واليه على العراق، الحجَّاج بن يُوسُف الثقفيّ، مع بعض التُجَّار المُسلمين العائدين إلى ديار الإسلام، ومعهم أرامل ويتامى من كانوا قد تُوفوا في بلاده من المُسلمين. تُجمعُ المصادر العربيَّة والإسلاميَّة أنَّ السُفن السرنديبيَّة لمَّا وصلت ساحل بلاد كازرون هبَّت رياحٌ هوجاء وقذفتها إلى سواحل الديبُل، فهاجمها جمعٌ من القراصنة يُقالُ لهم «نكامره» وقتلوا بعض رُكَّابها وبحَّارتها وأخذوا الباقين من النساء والرجال والأطفال أسرى وعبيدًا، كما صادروا جميع الموجودات من التُحف والجواهر والأموال، ولم ينجُ من تلك الغارة إلَّا فئة قليلة، سارعت بِالتوجُّه إلى العراق حاملةً الخبر إلى الحجَّاج بن يُوسُف. ويُقال إنَّ امرأةً من بين الجمع صاحت بِأعلى صوتها: «يا حجَّاج يا حجَّاج أغثني أغثني»، وبحسب البلاذري كانت تلك المرأة من بني يربوع، ولمَّا وصلت هذه الحادثة إلى مسامع الحجَّاج عن طريق الذين فرُّوا من السفينة، وعن طريق تُجَّار الديبُل، وعلِم باستغاثة المرأة به، نهض وقال: «يا لبَّيكِ». إضافةً إلى هذه الرواية هُناك روايةٌ أُخرى، تُفيد أنَّ الخليفة عبد الملك بن مروان كان قد بعث لهُ وُكلاء إلى بلاد الهند لِيشتروا لهُ غلمانًا وجواري، وفي أثناء رحلة العودة هاجمتهم سُفن القراصنة بِالقُرب من الديبُل، فقُتل عددٌ من المُسلمين وأُخذ الباقون أسرى، ولم ينجُ إلَّا من نقل خبر تلك الكارثة. ورواية تقول بِأنَّ أولئك القراصنة هاجموا سُفن بحَّارة المُسلمين وهي تحملُ حُجَّاجًا قادمين من جزيرتيّ محلديب وسرنديب. وفي جميع الأحوال فإنَّ الحجَّاج كتب إلى الراجا داهر يطلب منهُ تخلية النسوة، فقال: «إِنَّمَا أَخَذَهُم لُصُوصٌ لَا أَقدِرُ عَلَيهِم». فأرسل الحجَّاج عُبيد الله بن نبهان لِيغزو الديبُل، فقُتل أثناء حصارها. وكتب الحجَّاج إلى بُديل بن طهفة البجليّ، وهو عاملهُ على عُمان، يأمرهُ أن يسير إلى الديبُل، فلمَّا لقي العدوّ هُناك، نفر به فرسه، فطوَّقهُ العدوّ وقتله. هُناك تبدَّى لِلحجَّاج مدى الإهانة التي تلحق بِهيبة المُسلمين وخُطُورتها إن هو سكت على هذا الأمر، فما زال بِالخليفة حتَّى أذن لهُ بِتسيير الجُند لِفتح السند.
يستبعدُ المُؤرِّخ الهندي مُمتاز حُسين پاثان قصَّة سطو القراصنة على سُفُن المُسلمين، وقال بأنها رواية مُصطنعة اختلقها المُؤرِّخون المُسلمون لِتبرير حملتهم العسكريَّة على بلاد السند. والسبب الحقيقي عند پاثان مسألة ذات شقين: الشق الأوَّل هو ما يتعلَّق بِتمرُّد العلافيين واحتمائهم بِملك السند الذي آواهم وأكرمهم، فما كان أمام الخليفة وواليه على العراق إلَّا إرسال حملة لِغزو الراجا داهر لِعقابه ومن في دياره من عُصاة المُسلمين. أمَّا الشق الثاني حسب رأي پاثان فهو السياسة التوسُّعيَّة التي انتهجها الحجَّاج. ردًا على هذه الرواية، قال بعض المُؤرخين المُسلمين المُعاصرين أنَّ أسباب فتح السند فتحًا مُستدامًا تتلخَّصُ في: