اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
في أواخر كانون الثاني –يناير –1994 تسلمّ اللواء اليامين زروال رسميّا رئاسة الدولة الجزائرية، وبذلك تكون المؤسسة العسكرية قد وضعت يدها وبشكل مباشر على مقاليد الحكم بعدما كانت تقوم بتوجيه الدولة من خلف الكواليس وبشخصيات مدنية في أغلب الأحيان . و كانت المؤسسة العسكرية قد أخذت على عاتقها مسألة تعيين الرئيس فكان الجنرال المتقاعد اليامين زروال وأخذت على عاتقها وضع خطة لتفادي الانزلاق إلى الهاوية، فكان منهج الحوار والنار تحت سقف واحد، ولمزيد من التفصيل لابدّ من التعرّف على الوضع العام في الجزائر عشيّة استلام اليامين زروال مهامه كرئيس للدولة الجزائرية .
الجنرال اليامين زروال العائد إلى السلطة بعد طول تقاعد فقد أحتار من أين يبدأ، فهو يلوّح تارة بالنار وتارة بالحوار، وكان ينتظر أن ينتهي رئيس حكومته رضا مالك من التفاوض مع صندوق النقد الدولي ليقوم بتنحيته، وبالفعل تمّت تنحية رضا مالك ليقال أنّ اليامين زروال مع الحوار والمصالحة الوطنية . وكان التحدّي الأول الذي واجه اليامين زروال هو في كيفية القضاء على مراكز القوة وتوحيد الخطاب السياسي، خصوصا في ظلّ تصعيد حكومة رضا مالك من لهجة خطابها ضدّ التيارات الإسلامية، وأستمرّ في توفير الغطاء السياسي لأمثال الدكتور سعيد سعدي زعيم التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية الذي كان يطالب بتسليح منطقة القبائل لمواجهة الجماعات الإسلامية المسلحة . كما أنّ وزير الداخلية في حكومة رضا مالك العقيد سليم سعدي كان يدعو إلى استدعاء احتياطي الجيش الجزائري لمواجهة الحركات الأصولية المسلحة، وفوق هذا وذاك فانّ هناك من أوعز إلى الصحافة الفرانكفونية بشنّ حرب على زروال، وأشاع حلفاء رضا مالك بأنّ زروال مجرّد بيدق في اللعبة الجزائرية، وأنّه لا يملك فعل أي شيء تجاه الصقور الذين وضعوه أمام الأمر الواقع، وفوق هذا وذاك فانّ الجمعيات النسوية التابعة لتحالف البربر واليسار والفرانكفونية خرجت في تظاهرة إلى الشوارع في الجزائر العاصمة وأخذت ترددّ شعارات من قبيل : زروال لا تخلع السروال . أي ايّاك أن تتخلى عن رجولتك وتتحاور مع الأصوليين . ويبدو أنّ اللواء اليامين زروال كان يتعامل مع هذه المناورات بكثير من الصمت، ومعروف عن زروال أنّه كثيرا ما كان يتخذ قراراته بعيدا عن الضجيج الإعلامي، وقبل توجهه للعاصمة التونسية للمشاركة في أعمال القمة المغاربية، اتصلّ بمقداد سيفي وزير التجهيز في حكومة رضا مالك وأمره بالتهيؤ لاستلام رئاسة الحكومة خلفا لرضا مالك الذي كان يتوقّع أن يدعمه الصقور إلى النهاية أو أقلا ريثما ينتهي من تنفيذ شروط صندوق النقد الدولي، الاّ أنّ الازمة الجزائرية مثلما أزهقت أرواح عشرات الألاف من الجزائريين، فقد أجهزت على العديد من كباش المحرقة والفداء، وهذه من قواعد السياسة خصوصا في عالمنا العربي.
عندما استلم اللواء اليامين زروال مهام رئاسة الدولة الجزائرية، كانت الجزائر تعيش وضعا اقتصاديا خانقا للغاية، فهي لم تعد قادرة لا على تسديد ديونها ولا على توفير الحنطة للشعب الجزائري، وكانت خزينة الدولة خالية من العملة الصعبة باعتراف كبار المسؤولين، كما أنّ المؤسسات التي كانت تابعة للقطاع العام كان قد انتابها الشلل بشكل كامل . فالدولة الجزائرية التي أنهكتها الاختلاسات – تجدر الإشارة إلى أنّ رئيس الوزراء الأسبق عبد الحميد الإبراهيمي كان قد فجرّ قنبلة اختلاس الرسميين من عسكريين ومسؤولين سياسيين مبلغ 26 مليار دولار أمريكي – وسوء التخطيط والمديونية والتذبذب بين اقتصاد السوق والاقتصاد الموجّه، وجدت نفسها في بداية 1994 على حافة الهاوية والإفلاس . وبعد انخفاض أسعار النفط حلّت الكارثة بالاقتصاد الجزائري، و قد أستغلّ صندوق النقد الدولي الفرصة وراح يزيد في طرح شروطه والتي زادت كلها في تأزيم الوضع الاجتماعي، على اعتبار أنّ صندوق النقد الدولي لا تعنيه أوضاع الناس الاجتماعية كثيرا والذي يهمّه مصالح الكبار الذين يديرون هذا الصندوق من وراء الستار، ومن الشروط التي طرحها صندوق النقد الدولي على الجزائر تخفيض قيمة الدينار بنسبة 50 بالمائة وتحرير الأسعار ورفع الدعم عن المواد الاستهلاكية الضرورية والمدعومة من قبل الحكومة والشروع في خصخصة القطاع العام، علما أنّ هذا الشرط الأخير عرضّ عشرات الألاف من العمال للبطالة والذين انتحر الكثير منهم بسبب الأزمة المعيشية . وقد ترافق هذا الانهيار الاقتصادي مع تصعيد أمني خطير والذي شمل كافة المناطق و في كل ولايات القطر الجزائري .
في بداية 1994 كان الجيش الإسلامي للإنقاذ الذراع العسكرية للجبهة الإسلامية للإنقاذ وبقية الجماعات الإسلامية المسلحة وتحديدا الجماعة الإسلامية المسلحة قد أنهت سنتين من صراعها العسكري مع القوات النظامية، وقد ألحقت هذه الجماعات أضرارا فظيعة بمقدرّات الجزائر، كما تمكنّت من اقامة شبكات عسكرية في كل ولايات القطر الجزائري، وأصبح لكل منطقة قائد عسكري إلى درجة أنّ الجزائر في ذلك الوقت كان يحكمها صباحا القوات النظامية وليلا عناصر الجماعات الإسلامية المسلحة .
ولم تفلح القوات الخاصة التي عرفت باسم –النينجا- والتي كان يشرف عليها الجنرال محمد العماري في وضع حدّ لفوضى القتل والعنف الأعمى، وغالبا ما تحولّت هذه القوات إلى قوات انتقامية وتصفية حسابات . وفشل سياسة الحلول الأمنية جعلت الجنرال اليامين زروال يعلن أنّ الحل الأمني وصل إلى طريق مسدود ولابدّ من اللجوء إلى الحوار، وكان بنفسه قد التقى زعماء الجبهة الإسلامية للإنقاذ عندما كان على رأس وزارة الدفاع، وأفضت هذه الاتصالات في وقت لاحق إلى اطلاق سراح اثنين من قادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ هما علي جدي وعبد القادر بوخمخم . و عندما بدأ الرئيس اليامين زروال يتحدث عن الحوار في خطاباته السياسية، اتهمه بعض السياسيين بأنّه يناور ليس الاّ , والهدف من وراء ذلك هو اعادة الروح للدولة الجزائرية التي ألمّت بها سكرات الموت، وفي الوقت الذي كانت فيه الرئاسة تتحدث عن الحوار، كانت الأجهزة الأمنية تضرب بيد من حديد وتتحرك من منطلق الاستئصال الأمر الذي أوجد تشويشا لدى الشارع الجزائري الذي لم يستسغ فكرة الجمع بين منطق النار ومنطق الحوار . وقد تعجبّ الناس اتباع رئيسهم لهذه المسلكية السياسية وهو المعروف عنه بالصرامة وعدم الالتواء .
من الأشخاص البارزين الذين كان يعتمد عليهم الجنرال اليامين زروال الجنرال محمد بتشين الذي كان مستشارا للرئيس زروال وكان يعتبر العقل المدبر ورجل النظام القوي منذ تولّي الرئيس اليامين، وأصبح بتشين أقرب معاوني زروال وموضع ثقته الكاملة . تلقى محمد بتشين المولود في مدينة قسنطينة والمناضل السابق في جبهة التحرير الوطني وصفوف جيش التحرير الوطني علومه العسكرية في الاتحاد السوفياتي السابق , وكان عضوا في اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني, واستقال بعدها من حزب جبهة التحرير الوطني كما فعل معظم العسكريين , وتولىّ بين عامي 1982 – 1984 قيادة القطاع العسكري في منطقة تندوف في الجنوب الجزائري على مقربة من الحدود مع المغرب , ورقيّ بتشين إلى رتبة عقيد عام 1984 ليصبح قائدا للناحية العسكرية الرابعة التي مقرّها مدينة ورقلة الصحراوية , واعتبارا من 1978 تولى قيادة الناحية العسكرية الثالثة التي مقرها ولاية بشّار , و دعيّ بعدها لرئاسة الأمن العسكري حيث أصبح يشرف على معظم الأجهزة الأمنية ورقيّ إلى رتبة جنرال , وقد قدم استقالته في أيلول –سبتمبر- 1990 . وأنصرف بعدها إلى مشاريعه التجارية إلى أن طلبه اليامين زروال ليكون مستشارا له وأحد أقرب المقربين اليه . وتتهم مراكز القوة في الجزائر محمد بتشين بأنّه كان يتطلع للرئاسة وأنّ زروال كان يمهّد له الطريق ليكون خلفا له , وكان على رأس المعارضين للجنرال محمد بتشين الجنرال محمد العماري وحلفاؤه في المؤسسة العسكرية . ولأنّ الصقور كانوا يلجأون إلى الصحافة الفرانكفونية لتصفية حساباتهم فقد شنّت هذه الأخيرة حملة على اللواء محمد بتشين وفتحت العديد من ملفاته المالية وحتى الأمنية , وجاء هذا الصراع الخفي بين مراكز القوة قبل فترة وجيزة من انتهاء ولاية الرئيس اليامين زروال , حيث كان الرئيس الجزائري قد فاجأ الجميع في 11 أيول –سبتمبر –1998 بأنّه سيختصر ولايته الرئاسية التي كان يفترض أن تنتهي في سنة 2000 , وأعلن أيضا أنّه سيجري انتخابات رئاسية مبكرة . ووسط الاستعداد للاستحقاق المقبل فتح ملف محمد بتشين الذي نجح في بسط نفوذه على التجمع الوطني الديمقراطي ونجح في فتح قناة تفاوض مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ , وكانت الصحف الفرانكفونية تسميه الإسلامي المتحفّظ , وحتى لا يستغلّ قدراته الأمنية وعلاقته القوية بزروال ليكون الرئيس المقبل , بادر الأخرون في المعسكر الفرنكوفوني إلى تحريك لعبتهم والتي سرعان ما نجحت وقدمّ محمد بتشين استقالته , حيث بقيّ اليامين زروال وحيدا رغم أنّه عمل المستحيل حتى يبقيه جانبه ولما لم يتمكّن من مواجهة المعسكر الأخر قبل استقالة مستشاره على مضض ونسب إلى زروال قوله لمحمد بتشين : يا محمد جئنا سويّة ونذهب سويّة .. و كانت العاصفة الكبرى التي أطاحت بمحمد بتشين وأجبرت زروال على قبول استقالته هي شهادات قدمها ضابط المخابرات السابق هشام عبّود الذي كان مدير مكتب محمد بتشين عندما كان هذا الأخير مديرا للمخابرات العسكرية , ويقيم عبّود حاليّا في العاصمة الفرنسية باريس وقد نشرت شهادته جريدة الوطن الفرانكفونية وجريدة الخبر الناطقة باللغة العربية وجاء في الشهادة أنّ بتشين قام شخصيّا بتعذيب سياسيين جزائريين في ثكنة سيدي فرج بالاشتراك مع المدعو قدور لحول صهر الرئيس الشاذلي بن جديد ووالي ولاية مدينة تيبازة في ذلك الوقت , وجاء في الشهادة أنّ بتشين جمع ثروات هائلة وحصل على فيلات فخمة مملوكة للدولة الجزائرية , والأخطر من ذلك فانّ هذا الضابط اعترف أنّ رجالات من السلطة قاموا بتصفية خصومهم واتهام إسلاميين مسلحين بقتلهم .
غادر الرئيس اليامين زروال قصر المرادية وهو يبلغ من العمر 58 سنة , ولم يتمكن من انهاء الفتنة الجزائرية العمياء التي أرقتّه كما أرقّت سابقيه , ولم يتحدث زروال عن صراع مراكز القوة والخلافات الحادة التي كانت تعصف بين أركان الحكم وجعلته يضحّي بأقرب الناس اليه , والقاعدة الجزائرية التي يحفظها الرسميون في الجزائر عن ظهر قلب تنص على عدم الحديث عما يسمونه أسرار الدولة لا تصريحا ولا تلميحا والخروج عن هذا المبدأ معناه القتل تماما كما هي قاعدة المافيا التي أجهزت على محمد بوضياف وهو لم يحكم سوى 166يوما . وقد حاول زروال الدفاع عن عهده بقوله أنّه استطاع أن يمهّد لانتخابات رئاسية شفافة ونزيهة ويكرّس مبدأ التداول على السلطة , لكنّ منتقدي زروال أعتبروا أنّه كان طرفا في تنفيذ سيناريو ايصال عبد العزيز بوتفليقة إلى قصر المرادية ليصبح بذلك سابع رئيس للدولة الجزائرية والذي ظلّ خارج اللعبة السياسية منذ وفاة هواري بومدين وتشاء الظروف أن يعود إلى الواجهة من خلال انتخابات رئاسية كان فيها المرشح الوحيد بعد انسحاب منافسيه الستة الذين أكدوّا أنّ بوتفليقة هو رجل العسكر بلا منازع.