اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
كتاب الرياضيات هو التعبير الرقمي بالمعادلات الرياضية عن كتاب الله المنشور، وهو وحده يمكن مقارنته بكتاب الله المسطور (القرآن)، فكلاهما من عند الله. صحيحٌ أنَّ الإنسان هو من توصل لحل المعادلات الرياضية! لكنه اكتشفها ولم يخترعها، الله هو من وضع نظاماً للوجود يمكن اكتشافه والتعبير عنه بمعادلات رياضية رقمية، لأنه سبحانه خالق الوجود وخالق نظامه، وكل العلوم التي يمكن شرحها بالمعادلات الرياضية مثل الفيزياء تقترب في دقتها من دقة الرياضيات نفسها، ويمكنها أن تترجم لنا بمعادلاتها وقوانينها كتاب الله المسطور، وبدونها لا يكون للرياضيات قيمة.
أما محاولات الإنسان في الفقه والتشريع، وفي الفلسفة وعلم الكلام، وفي الدراسات الإنسانية (الاجتماع والتربية والنفس)، وكل المجالات المعرفية المشابهة مثل التفسير وأصول الفقه والدين، وعلوم النحو والصرف والبلاغة، والتاريخ، والأخلاق، والفن.. الخ، هذه كلها لا معادلات تحكمها، ولذلك فإنها تخضع لتقدير الباحث الشخصي ومستوى درايته وعمق فهمه ونسبة ذكاءه وتأثير البيئة الثقافية التي هو جزء منها، فيصير نقد ما توصل إليه الباحثون السابقون حقٌ مفتوح لكل من جاء بعدهم من الباحثين. في حين لا يمكن نقد العلوم المؤسسة على المعادلات والقوانين الرياضية إلا في نطاق هذه المعادلات والقوانين، ولا مكان فيها للعوامل الشخصية. وكتب الحديث التي قورنت بكتاب الله المسطور فقيل عن بعضها أنها الأصح بعد كتاب الله! مع أنها الحلقة الأضعف في الحقل المعرفي الإسلامي، من أهم ما يجب إخضاعه للنقد وإعادة النظر.
ولا سبيل لتخليص الموروث الثقافي الاجتهادي من كل نقاط ضعفه وعوامل التغشية التي طرأت عليه، إلا برفع الحرج عن إعادة النظر في كل القواعد والقيود والحواجز التي وضعت لمنع تجاوز الموروث والتقدم عليه، مثل تقديم فهم السلف والإلزام به، ورفض الاجتهاد الجديد إذا خالف مقولات السلف! ومثل تقييد الاجتهاد الجديد بأصول المذهب أو الطائفة التي ينشأ فيها الباحث! والثبات على ما زُعم حصول الإجماع عليه في زمن من الأزمان.
رؤية السلف ومذاهبهم التاريخية هي محض اجتهادهم، وفهمهم للواقع والنص على حدٍ سواء، وحلول لمشاكلهم، وإجابة على أسئلة زمانهم، واستجابة لحاجاتهم، وتكَّيفٌ مع بيئتهم وتكييفٌ لها بما يتناسب مع القيم التي ارتضوها لأنفسهم، وليس كل ما ناسب زمانهم وأحوالهم يناسب زماننا وأحوالنا، ولضرورة أن يبقى التشريع حياً ومواكباً للمتغيرات، ومن أجل رفع مستوى الحياة بل من أجل الخروج من درك الانحطاط وتدارك مصير الفناء لا بديل عن إعادة التأسيس للاجتهاد والاهتداء لطرق التفكير المنتجة، بعد تحرير العقول من قيود المذهبية والطائفية التي وجدت في ظروف تاريخية خاصة، ولن يكون هذا إلا باسترداد حقنا في الاجتهاد وإعادة التأسيس، وهو الحق الذي استعمله السلف، وانتزع منا بحجة الإلزام بفهم السلف.
وإذا كان في هذا انحياز ضد المنهج السلفي فهو ليس انحيازاً شخصيا ولا مذهبياً ولا طائفياً ضد مدرسة من مدارس الفكر الإسلامي لصالح غيرها، فالمدرسة السلفية لا بد وأنها مثل أي جهد بشري أصابت في مسائل وأخطأت في أخرى إذا جردناها عن العامل السياسي ودرسناها دراسة موضوعية، فإذا أضفنا لدراستها العامل السياسي، فهي مدرسة فرخت الكثير من علماء السلاطين الذين تقربوا من الحاكم بالرأي والفتوى التي ترضيه. والاعتراض على نهجها آت من أنك إذا قلت ينبغي لنا أخذ الدين بفهم السلف حرمت نفسك من الحق الذي منحتهم إياه، وجمَّدت العقل والتفكير عند مراحل تاريخية انقضى زمانها، وحرمت أهل الزمن الحاضر من الاجتهاد في الإجابة على أسئلة زمانهم، واستنباط المعالجات والحلول لمشاكل مجتمعاتهم، وتلبية احتياجاتهم، وقيدتهم بنقل نماذج من الحلول الجاهزة التي ناسبت زمانها ثم عفا عليها الزمن، وإن كان من درس نأخذه من السلف ونهتدي به فهو اعتبارهم للمصلحة والمتغيرات في اجتهاداتهم لما قالوا: حيثما تكون المصلحة فثمَّ شرع الله، ولا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان!