English  

كتب العصر العثماني

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

العصّر العُثماني (معلومة)


الحُكم العثماني المُبكر وسلالة رضوان

كانت مدينة غزة حتى سنة 1516 بلدة صغيرة مع مَنفذ بحري غير نَشط ومَباني مُدمّرة وحَركة تِجارية ضّعيفة، وبذلك الوقت دُمجت غزة مع الدولة العثمانية. قام الجيش العثماني بسَحق ثورة شعبية صغيرة بسرعة وفاعلية، أمّا باقي السُكان المحَليين فرحبوا بالعُثمانيين كونهم مسلمين سنة. بعد فترة وجيزة من تَقدم العثمانيين السريع إلى فلسطين، تم تَقسيم فلسطين إلى 6 أقسام إحداها سنجق غزة، التي امتدت من يافا في الشمال إلى بيت جبرين في الشرق ورفح في الجنوب. وكان السنجق جزءً من ولاية دمشق.

كان أول حاكم سُنجق لِغزة هو كارا شاهين مصطفى باشا، وقد كان إنكشاري سابق وهو تَرَقى ليُصبح ضابط في النخبة العسّكرية ووزير دولة وأخيراً كان في رُتبة الوزراء، ومُساعد موثوق بِهِ للسُلطان سليمان القانوني. عُرِف بين بدو بلاد الشام بلَقب "أبي شاهين" لكُثرة حَملِه هذا الطائر على يَدِه عِند الصيّد. حَصَل على منصب حاكِم غزة، وعلى ما يبدو أن ذلك كان مؤقتاً قبل تعّيينِه والياً لمصر سنة 1560، رُغم أنه أُطيح بِهِ بَعد 3 سنوات من قِبل السُلطان سليم الثاني. توفي مصطفى باشا بعد فترة قصيرة، وتم تعيين إبنُه رضوان باشا أمين صندوق مال اليمن، وكان حاكِم لغزة لفترة قصيرة قبل وفاة والده. حيث أن سُلالة رضوان التي حَكمت غزة أكثر من قرن، تستمد إسمُها من رضوان باشا. لاحقاً عُيّنَ حاكم على اليمن، لكن أطيح به بعد سنتين، ثم عاد حاكم لغزة. وكان ذلك بعد أن كان حاكماً على أثيوبيا، والبصرة، وديار بكر في الحكم العثماني، وقادَ بنَجاح فرقة عُثمانية ضد الدولة الصفوية في بلاد فارس سنة 1579. ومُنح السلطان على الأناضول ليفارق الحياة بعدها سنة 1585.

كان أمير سُنجق غزة في فلسطين آنذاك، أعلى مرتبة من جميع حُكام السَناجِق فيها. وقد تجاوز وارد اقطاعته نصف مليون آقجة سنوياً. وكان يَحق لأمثالِه أن يَصِلوا إلى منصب أمير الأمراء (البيلر بي). ومن المَهام الأساسية التي كانت مُلقاة على عاتِق أمير سُنجق غزة علاوة على المهام المسندة إلى كل والي، حماية الطريق بين مصر والشام، وتأمين البريد، وتوفير محطاتِه وحِراسة الطريق الغزاوية المَار بها قافلة الحج الشامي، ثم مُراقبة تَحرُكات الأعراب وقطع هَجماتهم على القوافل. بل يَبدو أن أمير هذا السنجق كان يراقب حركات الأمراء المحليين في سناجق فلسطين الأخرى كنابلس واللجون والقدس. وكان رضوان وابنه أحمد من بعده جادين في رصد حركات الأعراب، ولا سيما بني عطا وبني عطية. فكان أحمد بن رضوان يخبر السلطة العثمانية بكل تعديات البدو على طول طريق القاهرة – دمشق، وبكل تمردات شيوخ المنطقة حتى نابلس.

إختارت عائلة رضوان غزة مكاناً لإنشاء كيانهم الخاص، دون وجود تفسير واضح لذلك. أحمد باشا ابن رضوان باشا خَلف والِده في حُكُم غزة لِمدة 30 سنة مُتوالية، بالإضافة إلى سَناجِق نابلس والقدس أحياناً. وأصبح حاكم ولاية دمشق في 1601، بعد أن قام بِرشوة العَديد من الوزراء والبيروقراطيين في اسطنبول، وتوفي في سَنة 1607. تَبِعه حسن باشا بن أحمد الذي أصبح يُعرف بـ(حسن البدوي)؛ لأنه تم تَعيينُه من قِبل رضوان باشا لمُراقبة ومَعرفة البدو. قاد حسن باشا بنجاح قواته البدوية المؤيّدة للدولة العُثمانية ضد جيش المُتمردين بقيادة فخر الدين المعني الثاني في سلسلة من المعارك. وعُيّن لاحقاً مُحافظ طرابلس بلبنان لكن أُطيح بِهِ في سنة 1644. كان لحسن البدوي العديد من الزوجات والجواري و85 طفلاً. وكان قد قاد بنجاح العَديد من الحَمّلات العسّكَرية، ولكن كانت سُلالته مُثقلة بالديون.

حسين باشا آل رضوان وهو ابن حسن البدوي، نُصِّبَ حاكم على نابلس والقدس، ثم ورِّثَ الحُكُم على غزة بَعد وفاة والده. وكان على عِلاقة جيدة مع فرنسا، حيثُ أقرضها مَبلغ كبير بدون فائدة، وذلك من أجل تلبية الضرائب الثقيلة المفروضة على المدينة من قِبل حسن آغا حاكم ولاية صيدا التي كانت تتبع لها غزة. كانت فترة حُكم حسين باشا مُستقرة ومزدهرة، واكتسبت المدينة سُمعة جيدة بسبب تَقلّص الصراع بين البدو المجاوريين وسُكان المدينة. عَيَّن إبنه إبراهيم ليكون حاكماً على مناطق غزة والقدس، ولكن عِندما قُتِل إبراهيم خلال إحدى الحَمّلات العسّكرية ضِد الدروز في جبل لبنان سنة 1660. ليَعود حسين باشا ويُسيطر على غزة. شَهِدت غزة إنتعاشاً سريعاً في ذلك الوقت، وتم ترمييم الجامع الكَبير وتشييد 6 مَساجد أُخرى، في حِين تكاثرت الحمّامات التُركية وأكشاك التسوق. وكَشَّفَت العرائض مَجهولة المَصدر المُرسلة لاسطنبول فَشَل حسين باشا بحِماية قوافل الحج، ومَزاعِم تأييدِه للمسيحية، حيثُ كان عَطوفاً على آباء الأرض المُقدسة من الرُهبان الكاثوليك في فلسطين. ذلك كان عُذر للدولة العُثمانية لتنحِيَته. ثم سُجن في منطقة قريبة من دمشق، وتم مُصادَرة مُمتلكاته من قِبل السُلطات المحليّة. أُرسِل إلى سِجن آخر بإسطنبول وقُتل داخله سنة 1663.

إنتَقل حُكم غزة إلى موسى باشا شَقيق حسين باشا سنة 1670، وكان مُعارض للفرنسيين والمسيحيين حتى لا يَقع بما وقع بِهِ أخوه ولإسترضاء السُلطات العُثمانية. بعد عِدة سنوات تم عزله عن الحُكم، وتعيين مسؤوليين عثمانيين على الحُكم. وتُعتبر فترة حُكم سلالة رضوان آخر فترة ذهبية في تاريخ غزة خلال الحُكم العثماني، ثم بدأت المدينة تدريجياً بالتراجع بعد أن تم عزل موسى باشا عن الحُكم.

في سنة 1723 عَيّنَ العُثمانيون صالح باشا طوقان من عائلة طوقان (مقرها نابلس) على حُكم سنجق غزة بالإضافة إلى اثنين من السناجق الأخرى حتى وفاتِه سنة 1742. تَعرضت إحدى القوافِل المكّية للنهب من قِبل قبائل البدو المحلية سنة 1750، تتألف من 13,000 رأس إبل محملة بالسِلَّع، إنتشرت بأسواق غزة، وزادت ثروة المدينة. وكان الهُجوم على القافِلة انتقاماً من العُثمانيين اللذين قاموا مؤخراً بتغيير والي دمشق. وفي سنة 1763 نَضَّمت غزة ثورة ضد الأتراك. أرسل السلطان المملوكي في مصر علي بك الكبير قوات إلى غزة لمساعدة ظاهر العمر في الجليل بإعادة سَيطرة العثمانيين على بلاد الشام. إحتُلت غزة من الجيش الفرنسي بقيادة نابليون بونبارت سنة 1799، والذي أشار إلى أنها "البؤرة الإستيطانية من إفريقيا، وباب آسيا". فَرَّ مُعظم سُكانُها نَتيجةً لذلك، ودمّرَت قوات نابليون ما تَبقى من أسوار المَدينة التي دُمرت بشكل جزئي من قِبل صلاح الدين الأيوبي ولم يُعاد بِنائها. لكن تَخلّت القوات الفرنسية عن غزة بعد فشل حِصارها على عكا في العام نَفسِه. وكانت مدة النفّوذ الفرنسي في غزة قصيرة جداً، لِذلك لم يَكُن لها تأثير واضِح على المدينة.

الحُكم المصري والنهضة العُثمانيّة

تأثرت غزة ثقافياً بجارتها مصر منذ أوائل القرن التاسع عشر؛ حيث سَيطر محمد علي باشا عليها وعلى مُعظم فلسطين سنة 1832. وفي سنة 1833 أمر محمد علي باشا إبنُه إبراهيم باشا عدم شِراء محصول القطن من غزة (كان إنتاج القطن المصدر الرئيسي للثروة لعلي باشا، وكان إنتاج القطن في مصر منخفض ذلك العام). وسَمَحَ لسُكان غزة بالتصرُف بِهِ كيفما شائوا.

زار العالِم الأمريكي إدوارد روبنسون غزة سنة 1838، ووصَفَها بأنها مدينة كثيفة السُكان وأكبر من القدس، وأن المدينة القديمة موجودة أعلى قِمة تلّ وكانت ضواحيها تنتشِر في السُهول القريبة. كما وصف أرض غزة بالخصّبة ووفيرة العطاء، وكانت تنتشر بساتين المشمش والتوت التي وصَفَها باللذيذة. وعلى الرغم من أن ميناء غزة في ذلك الوقت غير نَشط، إستفادت من التبادل التِجاري بسبب موقعها على طريق القوافل بين مصر وسوريا. فضلاً عن إنتاج الصابون والقطن للتجارة مع البدو. وكان حاكم غزة في ذلك الوقت الشيخ سعيد. وقد أشار روبنسون على أن جميع آثار غزة من العصور القديمة قد اختفت بسبب الصراع المستمر والاحتلال.

إنتشر مرض طاعون دبلي مجدداً سنة 1839 وأُصيبت المدينة بالركود، كما أنها كانت تَفتقر للإستقرار السياسي والاقتصادي. وفي سنة 1840 إشتبكت القوات المصرية مع العُثمانية خارج غزة؛ وأدت لانتصار القوات العُثمانية منهياً بذلك الحُكم المصّري على فلسطين. جلَبت المَعارك المزيد من الموت والدمار للمدينة، وهي بالكاد كانت تتعافى من الطاعون. تم تجدِيد كنيسة القديس برفيريوس سنة 1856. وفي سنة 1874 زارَ المُستشرق الفرنسي شارل كليرمون غزة، وقام بجمع وفهرسة مجموعة لا بأس بها من النقوش البيزنطية، ووصَف جامع غزة الكبير في المدينة بالتفصيل. ثم أعاد السُلطان عبد الحميد الثاني آبار غزة سنة 1893.

على الرُغم من أن أول مجلس بلدي في غزة تم إنشائه سنة 1893 برئاسة علي خليل الشوا، إلا أنه تم إنشاء بلَدية جديدة من قِبل السُلطات العُثمانية سنة 1906 برئاسة سعيد الشوا ابن علي الشوا. وكباقي المُدن الفلسطينية الأخرى في ذلك الوقت سيطرت بعض العشائر القوية على الاقتصاد والسياسة، وخاصة من عائلات الشوا والحسيني والصوراني. كما حَدَث زلزالان مدمران في غزة سنتي 1903 و1914. خلال الحرب العالمية الأولى التي اندَلعت سنة 1917 هُزمت القوات البريطانية من قِبل الجيش العثماني في معركتي غزة الأولى والثانية. وأخيراً غزت قوات الحلفاء بقيادة إدموند ألنبي مدينة غزة، وكان ذلك في معركة غزة الثالثة.

المصدر: wikipedia.org