اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
إلى جانب النزعة العسكرية في أشعار القمندان التي يمكن ملاحظتها بسهولة من خلال تصفح قصائده، فهناك أيضاً نوع من الشعر السياسي الاجتماعي الذي يستسقيه الشاعر من قضايا الشعب والرأي العام، ويوجد بصورة أقل وبحاجة إلى التدقيق لملاحظته. ويتمثل ذلك بنقد تصرفات المسؤولين والحكام في السلطة العبدلية وإهمالهم في الاهتمام بقضايا شعبية يجدها الشاعر مهمة، ومحاولة لفت اهتمامهم إلى تلك القضايا ودعوتهم للتخفيف من معانات المواطنين. إضافة إلى اشتمال عدد لا بأس به من قصائده على أبيات عن المصاعب التي يواجهها عامّة الشعب، وتصوير للعادات والتقاليد في المجتمع اللحجي، وحالة الفلاحين العاملين في الحقول وغيرها من المظاهر الشعبية في منطقة لحج. ومن الأمثلة عن ذلك القصيدة التي أطلقها في رجب من العام 1344 ما يوافق عام 1926 بسبب ارتفاع أسعار الأسماك وانعدامه في الأسواق، وأعطى للقصيدة العنوان "عندما عُدِمَ الصيد"، وكانت الأسماك وخاصة أسماك (العَيد) أحد الأطباق الرئيسية في المائدة اللحجية، حيث يستفسر في القصيدة عن تلك الأزمة، ويتسائل ساخراً ما إذا جفّ البحر أو أن الجراد هجم على الأسماك هناك. وله أيضاً قصيدة أخرى وضع لها العنوان "في قضية المواتر"، ألّفها في عام 1928 وأرسلها إلى عبد الكريم حسن العجمي الذي كان مقرّباً من أخيه السلطان عبد الكريم فضل، ينتقد في القصيدة إهمال الحكومة في الاهتمام بوسائل المواصلات ويلومهم على الطرق المدمرة والغير مسفلته ويشجب أيضاً الضجيج الناتج عن هذه المركبات وينتقد بشكل لاذع عدم توحيد أجرة المواصلات بين العاملين في هذا المجال وتعرض السيارات للأعطاب بصورة متواصلة، وكان لهذه القصيدة قطعة شعرية مكمّلة لها ألّفها بعد مُضي عام واحد بالضبط من إنشاء القصيدة الأولى يتحدث فيها عن نفس القضايا وأعطى لها العنوان "تابع قضية المواتر"، وجاءت هاتان القصيدتان بعد أن ألغت الحكومة الترام الذي كان يصل بين مدينتي الحوطة والمعلا ويحمل الركّاب والبضائع بين المدينتين، واستبدلته بالسيارات وعلى الرغم من أنها تعتبر وسيلة أفضل وأكثر تطوراً من الترام القديم المهترئ، إلا أن سوء حالة الطرق الرملية الوعرة سبب الكثير من المعاناة للمواطنين، فأطلق القصيدتين يطالب فيها أخيه السلطان الذي كان وقتها يقضي إجازة في البصرة بإصلاح الطرق والاهتمام بالمواصلات.
وبشكل عام فإن روابط الشاعر بالمجتمع وعلاقته ومدى تورطه في السياسة والعسكرة في محل خلاف شديد بين الكتاب والباحثين اليمنيين المهتمين بالأغنية اللحجية، بلغ هذه الخلاف ذروته في عهد جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية وخفّ بصورة ملحوظة بعد تحقيق الوحدة اليمنية. وانقسم النقاد الذين عاينوا أشعار القمندان إلى مجموعتان الأولى يقودها الناقد والكاتب اليمني عمر عبد الله الجاوي ذي الخلفية اليسارية الماركسية الذي كان يرى أن القمندان لم يكن مركزه في السلطة المَلَكية العبدلية، وأنه سخَّر أشعاره لخدمة مصالح الشعب ووصفه بأنه أمير لا يمارس الأَمْيَرة ولكنه فضل إمارة من نوع آخر، وهي تربعه على عرش الطرب والغناء في لحج. وكان ينظر إليه على أنه شاعر بسيط يعشق الأرض والحقل. ويشاركه في هذا الرأي كتاب آخرون كان من ضمنهم فضل عوض عوزر الذي عرف القمندان شخصياً، وعيَّاش الشاطري الذي يعتقد بأن القمندان كان يعد نفسه كغيره من المواطنين ويعاني نفس معاناتهم ويعتبر القصائد التي ينتقد فيها ويطالب المسؤلين الحكوميين بتلبية مطالب الشعب دليلاً دامغاً على انفصاله من تلك الطبقة وعلى عدم امتلاكه سلطة فعلية مؤثرة. وفي الجانب الآخر هناك من يعارض الجاوي الرأي، وكان الدكتور أبو بكر السقاف قد خاض نقاشاً مع عمر الجاوي حول هذه المسألة فبينما هو يتفق معه حول شاعرية القمندان فهو لا يراه متحرراً من الهيمنة الاستعمارية البريطانية ويصفه بالرجعية ويقول بأنه كان منظراً في بلاط السلطنة العبدلية فيكتب «القمندان كان في مركزه، حياة مجتمعه السياسية، وإذا كان بلا شك مُجَدِّداً كبيراً في الشعر غير الفصيح وموسيقى الأغنية اللحجية، فإنه محافظ رجعي مرتبط بالسياسة البريطانية مثل أخيه الذي ينشط موسمياً كلما أرادت بريطانيا كما حدث في مفاوضات 1934 م التي جرت بين ممثلي بريطانيا والإمام يحيى». ويتحدث الشاعر اليمني عبد الله البردوني في كتابه "الثقافة والثورة في اليمن" عن القمندان، فيذكر أنه بعشقه للغناء والطرب كان متمرداً على أعراف الأسرة الحاكمة، حيث كان الغناء في ذلك المجتمع معيباً لفرد من تلك الطبقة، ويعقد مقارنة من حيث تمرّده على السلطة بينه وبين الأمير الشاعر علي يحيى حميد الدين الذي وقف بدون تردد أمام حكم أبيه الإمام المستبد في المملكة المتوكلية، وإنْ ذكر أيضاً بأن القمندان لم يتخذ موقفاً واضحاً من تجاوزات أسرته ولكنه يحسِبُ له معاشرته لعامة الشعب ومعاناته مما يعانون منه من مشاق الحياة اليوميّة، ولكنه يلاحظ أيضاً أنَّ القمندان كانت له اهتماماته السياسية إلى جانب اهتمامه الأكبر بالغناء والموسيقى.