اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
وفيما هو بلندن ورد عليه كتاب آخر بتكرار دعوته فلبى الطلب وذهب إلى الأستانة سنة 1892، وكانت هذه المرة الثانية لوروده هذه المدينة، والمرة الأولى كانت في عهد السلطان عبد العزيز كما تقدم بيانه، حيث دعاه السلطان عبد الحميد الثاني إلى جواره، وأغلب الظن أنه أراد أن يكون عونا له في الجامعة الإسلامية باستضافته فيلسوف الإسلام ، وقد لبى جمال الدين دعوته، آملاً أن يرشده إلى إصلاح الدولة العثمانية، لأن مقصده السياسي هو انهاض دولة إسلامية أياً كانت إلى مصاف الدول العزيزة القوية، فسار إلى الأستانه لتحقيق هذا المقصد، وحفه عبد الحميد الثاني بالرعاية والإكرام وانزله منزلاً كريماً في قصر بحي (نشان طاش)، من أفخم أحياء الأستانة، وأجرى عليه راتباً وافراً، قيل أنه خمس وسبعون ليرة عثمانية في الشهر، ومضت مدة وجمال الدين له عند السلطان منزلة عالية ؛ ثم ما لبث أن تنكر له، وأساء به الظن، واستمع إلى الوشايات والدسائس، وكان الشيخ أبو الهدى الصيادي الذي نال الحظوة الكبرى عند مولاة يكره أن يظفر أحد بثقته فوشى بالأفغاني عند السلطان وأوغر عليه صدره فاحيط الأفغاني بالجواسيس يحصون عليه غدواته وروحاته، ويرقبون حركاته وسكناته.
ذكر الأمير شكيب أرسلان في هذا الصدد في كتاب (حاضر العالم الإسلامي) أن الأفغاني كان وعبد الله النديم الكاتب والخطيب المشهور في متنزه (الكاغدخانة)، فصادفا الخديوي عباس حلمي وسلم بعضهم على بعض، وتحادثوا نحو ربع ساعة تحت شجرة هناك، فقيل أن الشيخ أبا الهدى قدم تقريرا للسلطان بأن جمال الدين وعبد الله النديم تواعدا مع الخديوي على الاجتماع في (الكاغدخانة)، وهناك عند الاجتماع بايعاه (للخديوي عباس) تحت الشجرة، ويقول الأمير شكيب أن السلطان بحسب قول جمال الدين لم يحفل بهذه الوشاية، ولكنا نميل إلى الاعتقاد أنها تركت أثرا في نفسه، وغيرت قلبه على الأفغاني، وذكر أن الذي أدى إلى وحشة السلطان منه استمراره في مجالسه على القدح في شاه العجم ناصر الدين، مما حمل سفير إيران على الشكوى منه إلى السلطان، فاستدعاه، وطلب إليه الكف عن مهاجمة الشاه فقبل، ولكن حدث أن قتل الشاه سنة 1896، فاشتدت الريبة في جمال الدين، واتجهت إليه شبهة التحريض على قتله، فأمر السلطان بتشديد الرقابة عليه، ومنع أي أحد من الاختلاط به إلا بإرادة سلطانية، فأصبح محبوساً في قصره.