اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.
اضطراب الشخصيّة الحدّي (ملاحظة 1) هو نوع من أنواع اضطراب الشخصيّة من المجموعة B، والذي من أبرز أعراضه وملامحه وجود اندفاعية مميّزة وعدم اتّزان في التعبير عن المشاعر وفي العلاقات مع الأشخاص وفي صورة الذات. إنّ هذا المرض مصنّف ضمن الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية.
يكون هذا الاضطراب موجوداً في مراحل المراهقة، ويمكن أن يظهر عرضةً حسب الموقف. من الأعراض الأخرى لهذا الاضطراب الخوف من الهجران والتهميش، وحدوث نوبات شديدة من الغضب والتهيّجيّة، الأمر الذي يكون من الصعب فهمه بالنسبة للآخرين. غالباً ما يبدي الأشخاص المصابون باضطراب الشخصيّة الحدّي رأيهم في الأشخاص المحيطين بحالة إقصائية، إمّا بجعلهم مثاليّين أو أنهم غير متحلّين بالقيم، وذلك بشكل متفاوت بين التقدير العالي الإيجابي أو خيبة الأمل السلبية. بالإضافة إلى ذلك، فإنّه من الممكن أن يصل الأمر إلى إيذاء النفس أو حتى الانتحار.
بما أنّ هذا الاضطراب يتميّز بطول الأمد وبقابليته للانتشار وللتغلغل، فإنّه غالباً ما يوجد ممانعة من قبل المصابين بهذا الاضطراب لتشخيص النفسيّة، وخاصّة في المراحل الأولى من المراهقة أو البلوغ المبكر. ومن الممكن أن تزداد أعراض هذا الاضطراب سوءاً في حال عدم حدوث علاج مبكّر لها.
وُصفت معايشة أشخاص ذوي أنماط مزاج عنيفة ومتباينة منذ زمن الإغريق مروراً بالحضارات المختلفة، حتّى أتى الطبيب السويسري ثيوفيل بونيه Théophile Bonet سنة 1684 والذي أعاد استخدام كلمة ميلانخوليا، والذي هو التوصيف القديم للاكتئاب، وذلك بالمصطلح folie maniaco-mélancolique، والذي وصف فيه ظاهرة المزاج غير المستقر، والذي ينحو منحىً غير قابل للتنبّؤ. ومع مرور الوقت، بدأ التمايز في توصيف الأمراض النفسيّة، فعلى سبيل المثال، في سنة 1884 استخدم الطبيب النفسي الأمريكي C. Hughes مصطلح الجنون الحدّي لتوصيف هذا الاضطراب. في سنة 1921، حدّد إميل كريبيلن وجود شخصيّة قابلة للإثارة وهي مقاربة جداً لميّزات الشخصيّة التي تعاني من الاضطراب الحدّي.
ورد أوّل استخدام واضح لمصطلح "الحدّي" في تقرير تحليل نفسي كتبه أدولف شتيرن Adolf Stern سنة 1938، والذي وصف فيه مجموعة من المرضى يعانون ممّا ظنّ أنّه شكل خفيف من الفصام، وذلك على "الحد" بين العصاب والذهان. شهدت ستينات وسبعينات القرن العشرين حدوث انزياح في التوجه في توصيف الحالة من كونها حالة فصام حدّي إلى كونها اضطراب حدّي في المزاج، وذلك على غرار الاضطراب ذو الاتجاهين ودَورَويّة المزاج والاكتئاب الجزئي، وقد بان هذا الأمر في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسيّة في نسخته الثانية سنة 1968، حيث جرى التأكيد على أهمية توصيف اضطرابات المزاج.
مع تطوّر كيفيّة وضع الشروط القياسيّة لتشخيص اضطراب الشخصيّة الحدّي، وذلك من أجل تمييز هذا الاضطراب عن اضطرابات المزاج وعن اضطرابات المحور الأول الأخرى، أصبح تشخيص اضطراب الشخصيّة الحدّي يندرج تحت اضطراب الشخصيّة، وذلك في الإصدار الثالث من الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسيّة DSM-III سنة 1980. بذلك الأمر، جرى تمييز اضطراب الشخصيّة الحدّي عن اضطراب الشخصيّة الفصامي. وفي الإصدار الرابع من الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية جرى تحديد الاسم باضطراب الشخصية الحدي، على الرغم من مصطلح "الحدّي" وصفه البعض أنه غير مناسب لتوصيف الأعراض المميّزة لهذا الاضطراب.
تتضمّن أعراض اضطراب الشخصيّة الحدّي:
ومن أكثر أعراض اضطراب الشخصيّة الحدّي تميّزاً هي الحساسيّة تجاه الرفض الاجتماعي، والأفكار والمخاوف أن يُلفظ ذاك الشخص من المجتمع. ويمكن أن يتعدّى الأمر إلى حدوث اضطراب في مفهوم الهويّة والقيم الذاتيّة، بحيث يمكن أن ترد أفكار جنون الارتياب عندما يشعر بالتوتّر، بالإضافة إلى شعور بالتفارق.
يشعر الأشخاص المصابون باضطراب الشخصية الحدّي بالمشاعر النفسيّة بشكل أسهل وأعمق ولمدة أطول من الآخرين. يمكن للمشاعر أن تظهر على السطح بشكل متكرّر، وأن تستمرّ لفترة طويلة. بالتالي، فإنّ المصابين بذلك الاضطراب يتطلّبون وقتاً أطول من الناس العاديّين كي يعودوا إلى حالة من التوازن العاطفي الطبيعي بعد خضوعهم لتجارب عاطفيّة شديدة التأثير.
حسب الأخصائية في علم النفس مارشا لاينهان Marsha Linehan، فإنّ حساسية وشدّة ومدّة الإحساس بالمشاعر لدى الناس المصابين بالاضطراب يترك آثاراً إيجابيّة وسلبيّة في نفس الوقت، فهم غالباً ما يكونون مثاليّين ومفعمين بالسعادة والحب في حالة المشاعر الإيجابيّة، ولكنّهم بالمقابل يشعرون بطغيان المشاعر السلبيّة عند الأسى، فهم يشعرون بالفجع الشديد بدل الحزن، وبالخزي والإذلال بدل الحرج، وبالغضب بدل الانزعاج، وبالفزع بدل القلق. غالباً ما يكون المصابون بهذا الاضطراب حساسين تجاه المشاعر المرافقة للرفض أو العزلة أو الفشل. في حال عدم وجود بوادر للتأقلم، فإنّ محاولات هؤلاء الأشخاص للتحكّم أو الهرب من المشاعر السلبيّة قد تودي بهم في نهاية المطاف إلى إيذاء الذات أو الانتحار. غالباً ما يكون الأشخاص المصابين باضطراب الشخصيّة الحدّي مدركين لشدة تأثير ردود أفعالهم على المشاعر السلبيّة، وبما أنهم لا يستطيعون التحكّم بها، فإنّهم يلجؤون إلى تعطيل تلك المشاعر بالكامل، وهذا يمكن أن يكون مضرّاً بهؤلاء الأشخاص، حيث أنّ مهمّة المشاعر السلبيّة تنبيه البشر إلى وجود ظرف إشكالي، ويقودهم إلى مجابهته في الحالة الطبيعيّة.
يكون الأشخاص المصابين باضطراب الشخصيّة الحدّي عُرضة بشكل خاص لحالة الانزعاج، أو للشعور بحالة من المعاناة الذهنيّة والعاطفيّة. قامت مجموعة بحث زاناريني Zanarini بتمييز أربعة أصناف من حالة الانزعاج، والتي تكون نمطيّة ومرافقة لمرضى اضطراب الشخصية الحدي؛ وهي: المشاعر الجامحة، التدمير أوالتدمير الذاتي، والشعور بالتجزئة أو بنقص الهوية، والشعور بالتضحية. ضمن هذه التصنيفات، يترافق تشخيص الحالة بشكل كبير مع مزيج من ثلاث حالات محدّدة: وهي الشعور بالخيانة، والشعور بالأذى النفسي، والشعور بالوجود في حالة خارجة عن السيطرة. بما أنّ هناك تنوّعاً كبيراً في أنماط حالات الانزعاج المصادفة لدى مرضى هذا الاضطراب، فإنّ مقدار المعاناة يعدّ مؤشّراً مهمّاً على وجود اضطراب الشخصيّة الحدّي.
بالإضافة إلى المشاعر الجامحة، قد يعاني المصابون بهذا الاضطراب من التقلقل (أو عدم الثبات الانفعالي)، أو بتقلّب المشاعر؛ حيث أنّ مزاج الناس المصابين باضطراب الشخصيّة الحدّي يتأرجح في العادة بين الغضب والقلق، وأحياناً بين الاكتئاب والقلق.
يشيع السلوك الاندفاعي عند مرضى اضطراب الشخصيّة الحدّي، بما في ذلك تعاطي مواد الإدمان أو معاقرة الكحول أو اضطرابات الأكل أو التهوّر في القيادة أو تبذير النقود. كما يمكن أن يصدر عن المصاب باضطراب الشخصيّة الحدّي سلوكاً اندفاعياً يتمثّل بهجر العمل أو العلاقات أو بالهرب.
يتصرّف المصابون بهذا الاضطراب باندفاعيّة، لأنّها تمنحهم شعوراً بالارتياح الفوري من آلامهم الانفعاليّة، وذلك دون التفكير بالعواقب على المدى الطويل، والتي ستزيد من معاناتهم بالشعور بالخزي والندم جرّاء تلك الأفعال. يصبح الأمر في النهاية حلقة مفرغة تبدأ بشعور مرضى هذا الاضطراب بألم انفعالي، ينتج عنه سلوك اندفاعي للتخلّص من ذلك الألم، ثمّ الشعور بالندم على ذلك السلوك، ممّا ينجم عنه رغبة أقوى من ذي قبل بالتخلّص من ذلك الألم الانفعالي، وهكذا دواليك. مع مرور الوقت، يصبح السلوك الاندفاعي ردّ فعل آلي تجاه الألم الانفعالي.
يكون إيذاء النفس أو السلوك المؤدي للانتحار أحد شروط التشخيص الرئيسيّة لاضطراب الشخصيّة الحدّي في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية DSM-IV-TR. يكون كل من إيذاء النفس والإقدام على الانتحار عبارة عن ردود أفعال للإحساس بمشاعر سلبيّة. إنّ إدارة وعلاج هذا السلوك معقّد وليس بالأمر الهيّن. تتراوح نسبة المخاطرة في الانتحار عند المصابين بهذا الاضطراب بين 3% إلى 10%، وتشير دراسة إلى أنّ الانتحار تكون نسبته عند الرجال المصابين باضطراب الشخصيّة الحدّي حوالي الضعف مقارنةً مع النساء المصابات بذات الاضطراب. وتشير دراسة أخرى إلى إمكانيّة وجود نسبة معتبرة من الرجال الذين أقدموا على الانتحار، ولديهم أعراض غير مشخّصة من اضطراب الشخصية الحدي.
إنّ إيذاء النفس عند المصابين باضطراب الشخصيّة الحدّي أمر شائع، ويمكن أن يحدث مع أو بدون نيّة للانتحار، حيث أنّ الأسباب المؤدية لإيذاء النفس تختلف عن الأسباب المؤدية لمحاولات الانتحار. تتضمّن الأسباب المؤدية لإيذاء النفس دون الانتحار إظهار مشاعر الغضب، ومعاقبة النفس بالألم الجسدي لمحاولة حيودها عن الألم الانفعالي أو الظروف الصعبة. بالمقابل، فإنّ محاولات الانتحار تعكس غالباً إيماناً بأنّ الآخرين سيكونون بحال أفضل بعد الانتحار. وجدت دراسة أن الانتهاك الجنسي يمكن أن يكون عاملاً مؤثّراً ومؤدياً للانتحار عند المراهقين الذين لديهم ميل لاضطراب الشخصيّة الحدّي.
يمكن للأشخاص المصابين باضطراب الشخصيّة الحدّي أن يكونوا حسّاسين جدّاً لكيفية تعامل الآخرين معهم، حيث يشعرون بفرحة غامرة وبامتنان عند فهم التعبيرات اللطيفة من الأشخاص المحيطين، في حين أنّهم يشعرون بحزن شديد أو بغضب عند فهم تعابير الانتقاد أو الإيذاء. إنّ مشاعر المصابين بأعراض اضطراب الشخصيّة الحدّي تجاه الآخرين يمكن أن تنزاح من الإيجابيّة إلى السلبيّة بعد حدوث أمر ما مخيّب لأمل المريض، أو عند فهم قضيّة ما على أنّها تهديد بفقدان شخص ما، أو عند إحساسهم بأنّهم قد سقطوا من عين من يقدّرون. تتضمّن هذه الظاهرة، والتي تدعى أحياناً باسم الانفصام أو أسلوب التفكير أبيض-أسود، حدوث انزياح في التوجّه من جعل الآخرين مثاليّين (مشاعر الإعجاب والود تجاههم) إلى جعلهم خالين من القيم (مشاعر الغضب أو الكره). بالتشارك مع معكّرات مزاج أخرى، يمكن لهذا التأرجح في المشاعر أن يحدث في علاقات المصابين بهذا الاضطراب مع ذويهم وعائلاتهم وأصدقائهم وزملائهم في العمل.
على الرغم من الرغبة الداخليّة للمصابين بهذه الحالة في إنشاء علاقات حميمة، إلا أنّهم يخشون في المقابل من التعلّق بشخص في العلاقة معه، ويقومون بعلاقات عابرة مع الأشخاص، وغالباً ما يظهرون العالم الخارجي على أنه مليء بالشرّ والحقد. يرافق اضطراب الشخصيّة الحدّي وجود مستويات متزايدة من الكروب المزمنة والخلافات في العلاقات الرومانسيّة، كما يكون هناك عدم رضى من شريك تلك العلاقة.
إنّ وجود التلاعب للحصول على الرعاية من الآخرين هو خاصية مميّزة لاضطراب الشخصيّة الحدّي. على الرغم من أنّ مفهوم التلاعب ينبغي أن لا يعطى أكبر من حجمه عند تشخيص المرض، لأنّ ذلك قد يودي إلى سوء فهم للحالة، خاصّة للمعالجين ضمن نظام الرعاية الصحيّة.
يعاني المصابون باضطراب الشخصيّة الحدّي من مشاكل في تكوين صورة واضحة عن شخصيتهم وهويّتهم، فهم يميلون على وجه الخصوص إلى مواجهة مشاكل مع أنفسهم لمعرفة ما الشيء الذي يقيّمونه أو الذي يؤمنون به أو يفضلونه أو يستمتعون به، كما يكونون غير واثقين من أهدافهم بعيدة الأمد، وذلك فيما يتعلّق بالعلاقات والعمل. هذه الصعوبة التي تواجه هؤلاء المرضى بمعرفة ذواتهم وقيمتهم يمكن أن تسبب لهم شعوراً بالفراغ أو الضياع.
بسبب المشاعر الجامحة التي تنتاب مرضى اضطراب الشخصيّة الحدّي فإنّه يكون من الصعب عليهم أن يحافظوا على تركيز انتباههم. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ المصابين بهذا الاضطراب يميلون إلى التفارق، والذي يمكن أن يفهم بكونه حالة متطرّفة للخروج من الصورة الضيّقة إلى الصورة الشاملة. يمكن للتفارق أيضاً أن يحدث كردّ فعل على تجربة حدث مؤلم (أو المرور بتجربة أمر ما يمكن أن يولّد ذكرى حدث مؤلم)، بحيث أنّ الذهن يصرف انتباهه تلقائياً عن ذلك الحدث، كوسيلة دفاع من أجل تجنّب الوقوع في الإحساس بمشاعر جامحة، وبالتالي من الاندفاعات السلوكيّة التي تولّدها مثل تلك المشاعر. على الرغم من أنّ عادة الذهن القيام بحجب المشاعر شديدة الألم يمكن له أن يزوّد بشعور مؤقّت بالراحة، إلاّ أنّه في الوقت نفسه يمكن أن يكون لذلك أثر جانبي بحجب أو كسر حد تجارب المشاعر العاديّة، ممّا يقلّل من إمكانيّة وصول مرضى تلك الحالة إلى المعلومات المحتواة في هذه المشاعر، والتي تفيد في توجيه صناعة القرار في الحياة اليوميّة. في بعض الأحيان يكون من الممكن لشخص آخر أن يستنبط متى يكون الأشخاص المصابون باضطراب الشخصيّة الحدّي في حالة تفارق، وذلك لأن تعابير وجوههم وأصواتهم يمكن لها أن تصبح حينها بدون حيويّة أو خالية من التعبير؛ لكن في حالات أخرى، يكون من الصعب التعرّف على دخولهم حالة التفارق تلك.
كما هو الحال في العديد من الاضطرابات النفسيّة فإنّ أسباب اضطراب الشخصيّة الحدي معقّدة، ولا يوجد اتّفاق كلّي عليها. تشير الدلائل إلى وجود اشتراك بين اضطراب الشخصيّة الحدّي (BPD) واضطراب الكرب التالي للصدمة (PTSD) إلى حدّ ما. يجمع معظم الباحثين على أنّ وجود صدمة نفسية في تاريخ طفولة المصاب يمكن أن يكون عاملاً مساهماً في ذلك، وذلك دون إغفال التحقيق في الأسباب الأخرى مثل وجود حالات تشوّه في وظائف الدماغ المعرفيّة وانتقال الاضطراب وراثيّاً في الجينات، ومن تأثير عوامل عصبيّة حيويّة، ومن تأثيرات البيئة المحيطة. تتضمّن العوامل الاجتماعيّة كيفيّة تصرّف الشخص في مراحل نموّه الأولى مع عائلته وأصدقائه ومع الأطفال الآخرين. أمّا العوامل النفسيّة فتشمل الشخصيّة الفرديّة والمزاج وتأثير البيئة المحيطة في ذلك، بالإضافة إلى كيفيّة تعلّم مهارات التأقلم مع الكروب. بالتالي فإنّ هناك عوامل متعدّدة تؤدّي إلى حدوث اضطراب الشخصيّة الحديّ، يمكن أن تأتي مجتمعة أو منفردة.
إن وروثية اضطراب الشخصيّة الحدّي تقدّر بحوالي 65%. هذا يعني، أنّ 65 بالمئة من التغيّر الإحصائي في المسؤولية، المتضمّنة حدوث اضطراب الشخصيّة الحدّي في العيّنة الإحصائيّة، يمكن أن تفسّر نتيجة اختلافات وراثيّة. يمكن للدراسات التوأميّة أن تفرط في تقدير أثر المورّثات على التنوّع والاختلاف في اضطرابات الشخصيّة، وذلك إلى العوامل المعقّدة نتيجة وجود بيئة عائلية مشتركة. على الرغم من ذلك، فإنّ الدراسات العائليّة على التوائم والأخوة تشير إلى حدوث وروثية جزئيّة بشأن العدوان الاندفاعي، ولكنّ دراسات أخرى على المورّثات المتعلقّة بالناقل العصبي سيروتونين تشير إلى وجود تأثيرات طفيفة على السلوك. خلصت دراسة أجريت على مجموعة من التوائم في هولندا وعلى والديهم إلى وجود صلة ما بين المادة الوراثيّة على الصبغي رقم 9 وملامح اضطراب الشخصيّة الحدّي، وأن 42% من التغيرات في ملامح هذا الاضطراب يمكن عزوها إلى تأثيرات وراثيّة، و58% يمكن عزوها إلى تأثيرات بيئيّة.
أظهرت دراسات التصوير العصبي لمرضى اضطراب الشخصيّة الحدّي وجود انحسارات في مناطق في الدماغ المسؤولة عن الضبط والتحكم بردود الأفعال تجاه الكرب والعواطف، والتي تكون في منطقة الحصين والقشرة الجبهيّة الحجاجيّة واللوزة الدماغيّة بالإضافة إلى مناطق أخرى. في عدد محدود من الدراسات جرى استخدام تقنيّة مطيافيّة الرنين المغناطيسي النووي من أجل دراسة التغيّرات في تراكيز المستقلبات العصبيّة في مناطق محدّدة في الدماغ لدى المصابين باضطراب الشخصيّة الحدّي، وخاصّة مركّبات مثل ن-أسيتيل الأسباراتات، والكرياتين، والمركّبات المتعلّقة بالغلوتامات والمركّبات الحاوية على الكولين.
يكون الحصين ذو حجم أصغر عند الناس المصابين باضطراب الشخصيّة الحدّي مقارنة مع الأشخاص الذين لديهم اضطراب الكرب التالي للصدمة؛ ولكن بالمقابل، فإنّ مرضى BPD على العكس من PTSD تكون لديهم اللوزة الدماغية لديهم أيضاً ذات حجم أصغر.
تكون اللوزة الدماغيّة عند المصابين باضطراب الشخصيّة الحدّي صغيرة وذات فعاليّة أكبر. كما وجدت ظاهرة صغر حجم اللوزة الدماغية عند الأشخاص الذين لديهم اضطراب وسواسي قهري. في دراسة أخرى، أظهرت الأبحاث وجود نشاط قوي غير طبيعي في اللوزة اليسرى عند المصابين باضطراب الشخصيّة الحدّي عندما يمرّون بتجربة تؤدي إلى إظهار مشاعر سلبيّة. بما أنّ للوزات الدماغيّة دوراً في العديد من المشاعر (من ضمنها السلبيّة)، فإنّ النشاط غير الطبيعي يمكن أن يفسّر مدى قوة واستمرارية الشعور بالخوف والغضب والخزي عند المصابين باضطراب الشخصيّة الحدّي، بالإضافة إلى حساسيّتهم العالية لإظهار تلك المشاعر عند آخرين.
إنّ القشرة أمام الجبهيّة تميل لأن تكون أقلّ فاعليّة عند المصابين باضطراب الشخصيّة الحدّي، خاصّة عند استرجاع ذكريات الهجران. تحدث ظاهرة عدم الفعاليّة النسبيّة هذه في القشرة الحزاميّة الأماميّة اليمينيّة (في باحات برودمان 24 و 32). بما أن للقشرة أمام الجبهيّة دوراً في ضبط الهيجان العاطفي، فإنّ عدم فعاليّتها النسبيّة يمكن أن يشرح الصعوبات التي يعانيها المصابون باضطراب الشخصيّة الحدّي في ضبط مشاعرهم وردود أفعالهم تجاه الكروب.
يقوم المحور الوطائي-النخامي-الكظري (HPA axis) بتنظيم الكورتيزول، والذي ينتج كردّ فعل لوجود الكرب. لوحظ ارتفاع إنتاج الكورتيزول عند المصابين باضطراب الشخصيّة الحدّي، ممّا يعني نشاطاً في محور HPA عند هؤلاء الأفراد. هذا الأمر يسبّب لهم معايشة رد فعل حيوي أكبر، بالتالي يفسّر تعرّضهم بشكل أكبر إلى التهيّجيّة. إنّ زيادة نسبة الكورتيزول مرتبط أيضاً بارتفاع نسبة خطورة حدوث سلوك انتحاري.
وجد أن اختلافات فردية في دورات الإستروجين يمكن أن ترتبط بإظهار أعراض اضطراب الشخصيّة الحدّي عند النسوة المصابات في هذا المرض. أظهرت دراسة سنة 2003 أنّ أعراض اضطراب الشخصيّة الحدّي عند النساء يمكن لها أن ترتبط بتغيّرات في مستويات الإستروجين في الدورة الشهرية، وهو أثر بقي مهمّاً عند التحقّق من النتائج عند وجود زيادة في الوجدان السلبي.
هناك ارتباط وثيق بين حدوث تجارب سيّئة في مرحلة الطفولة، وخاصّة إن كان هناك تحرّش جنسي، مع تطوّر أعراض اضطراب الشخصيّة الحدّي. صرّح العديد من الأفراد المصابين باضطراب الشخصيّة الحدّي بأنّهم كان لديهم تاريخ سيّء أثناء طفولتهم من حيث الانتهاك والإهمال، كما بيّن بعضهم أنّهم تعرّضوا لسفاح القربى وفقدان للرعاية أثناء مرحلة الطفولة المبكّرة. كما أظهرت دراسات على المصابين باضطراب الشخصيّة الحدّي أنّ والديهم، من كلا الجنسين، كانا قد انسحبا عاطفياً من حياة الطفل، وأنّه قد تمّ معاملتهم بشكل متفاوت ومتضارب. على العموم، فإنّه على الأغلب أنّ الأطفال الذين يعانون من معاملة سيّئة في مرحلة مبكّرة من الطفولة، وكانت لديهم صعوبة في التعلّق، فإنّهم على الأغلب ستتطوّر لديهم أعراض اضطراب الشخصيّة الحدّي.
إنّ شدّة وتفاعل العواطف والمشاعر السلبيّة عند الأشخاص وميلهم للشعور بالمشاعر السلبيّة يمكن أن يؤدي مستقبلاً إلى ظهور أعراض اضطراب الشخصيّة الحدّي بشكل أكبر من تأثير الانتهاك الجنسي عند الأطفال. إنّ العوامل المذكورة من التشوّهات الدماغيّة أعلاه، وحقيقة أنّ بعض المصابين باضطراب الشخصيّة الحدّي لم تكن لديهم تجارب سيّئة أثناء الطفولة، تشير إلى أنّ اضطراب الشخصيّة الحدّي مختلف تماماً عن اضطراب الكرب التالي للصدمة، والذي غالباً ما يكون مرافقاً له.
في حين أن حساسية الرفض الاجتماعي تكون مترافقة مع أعراض أقوى من اضطراب الشخصيّة الحدّي، فإن الوظائف التنفيذيّة يبدو أنها تقوم بدور وسيط في العلاقة بين حساسيّة الرفض الاجتماعي وأعراض اضطراب الشخصيّة الحدّي. أي أنّ زمرة من العمليات المعرفيّة، والتي تتضمّن التخطيط وذاكرة العمل والانتباه وحلّ المشاكل، يمكن أن تكون الآلية التي من خلالها أن يؤثّر الرفض الاجنماعي على أعراض اضطراب الشخصيّة الحدّي. أظهرت دراسة أجريت سنة 2008 أنّ العلاقة بين حساسيّة الرفض الاجتماعي لشخص وأعراض هذا الاضطراب تكون أقوى عندما تكون الوظائف التنفيذيّة أكثر انخفاضاً، بالمقابل تكون تلك العلاقة أضعف عندما تكون الوظائف التنفيذية أكثر ارتفاعاً. ممّا يدلّ على أنّ الوظائف التنفيذيّة المرتفعة يمكن أن تساعد في حماية الأشخاص الذين لديهم حساسيّة رفض عالية من أعراض اضطراب الشخصيّة الحدّي. كما وجدت دراسة أخرى أنّ المشاكل في الذاكرة العمليّة يمكن أن تساهم في حدوث اندفاعيّة أكبر عند الأشخاص المصابين باضطراب الشخصيّة الحدّي.
إن البيئة العائليّة تقوم بدور وساطة في مدى تأثير الانتهاك الجنسي للأطفال على تطور أعراض اضطراب الشخصيّة الحدّي. إنّ البيئة العائليّة غير المستقرّة تهيّئ لتطوّر هذا الاضطراب، في حين أنّ البيئة العائليّة المستقرّة تكون فيها مخاطر حدوث ذلك الأمر أقلّ، لأنّ البيئة المستقرّة تحجب تطوّر أعراض الاضطراب.
إنّ أثر دور التعقيد الذاتي من حيث صورة الذات المهتزّة وغير المستقرّة يعتمد عند المصابين باضطراب الشخصيّة الحدّي على السؤال فيما إن كان الأفراد ينظرون إلى أنفسهم على ضوء الميّزات أو الخصائص التي يتمنّون أن تكون لديهم، أو على ضوء الميّزات أو الخصائص التي ينبغي أن تكون لديهم.
أظهرت دراسة أجريت سنة 2005 أنّ قمع التفكير يقوم بدور وسيط في العلاقة بين المشاعر السيّئة وبين أعراض اضطراب الشخصيّة الحدّي، وبشكل خاص العلاقة بين البيئة غير المساعدة على التفكير وأعراض اضطراب الشخصيّة الحدّي.
يجب أن يعتمد تشخيص اضطراب الشخصيّة الحدّي على فحص نفسي من قبل أخصائي مؤهّل. من أحسن الطرق التي يعتمدها الأخصائي في التشخيص هي بتقديم شروط حدوث الاضطراب للمرضى وسؤالهم إن كانوا يشعرون أن تلك الخصائص تصف حالتهم بدقة. إنّ عملية تضمين المصابين باضطراب الشخصيّة الحدّي بشكل فعّال في تحديد تشخيص حالتهم يمكن أن يساعدهم في أن يكونوا أكثر رغبة في تقبل ذلك الأمر. على الرغم من أن بعض الأخصائيّين يفضّلون أن لا يخبروا مرضاهم المصابين بذلك الاضطراب بنتيجة التشخيص، وذلك من باب الحرص والقلق من قضية الوصمة المتعلّقة بهذه الحالة، أو لأن اضطراب الشخصيّة الحدّي كان يعتبر غير قابل للشفاء. في النهاية فإنّه عادةً ما يكون أمراً مساعداً للمصابين بهذا الاضطراب أن يعرفوا تشخيص حالتهم، حيث أنّ ذلك يساعدهم في معرفة أنّ آخرين قد عانوا مشاكل مشابهة وأنّهم قد شفوا من ذلك، ممّا يساعد على حدوث جلسات معالجة فعّآلة.
على العموم، فإنّ التقييم النفسي يتضمّن سؤال المريض عن مدى وشدّة الأعراض، بالإضافة إلى أسئلة أخرى عن مدى تأثير الأعراض على نوعيّة حياة المريض. من الأمور التي ينبغي الانتباه لها بشكل خاص هي الحالات التي يرد فيها ذكر تبنّي أفكار انتحارية، أو الإشارة إلى تجارب في إيذاء النفس، أو التفكير في إيذاء الآخرين. يكون التشخيص معتمداً على تقرير المريض عن حالته النفسيّة وعن الأعراض المصاحبة، وعلى ملاحظات المعالج النفسي الخاصة. يمكن أن تجرى فحوص إضافيّة تتضمّن فحوصات جسمانية ومخبريّة، من أجل معرفة مسبّبات إضافيّة ممكنة للأعراض، وذلك بفحص الغدة الدرقيّة، أو معرفة إن كان المريض من المدمنين.
إن الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسيّة في طبعته الخامسة (DSM-5) كان قد أزال النظام متعدّد المحاور، ممّا يعني، أنّ كل الاضطرابات، بما فيها اضطرابات الشخصيّة، هي موجودة في القسم الثاني (Section II) من الدليل.
وفق الدليل، فإنّه على شخص ما أن يحقّق 5 من 9 شروط كي يشخّص باضطراب الشخصيّة الحدّي، وهي: -(1) علاقات شخصية متقلّبة وانفعالية -(2) الاندفاع والتهوّر في السلوك -(3) عدم الاستقرار الوجداني -(4) الغضب -(5) سلوك انتحاري أو تشويه بالذات -(6) اضطراب الهويّة -(7) الشعور بالفراغ -(8) الخوف من تخلّي أو هجرة الآخرين -(9) هفوات في تفحّص الحقيقة.
يعرّف الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسيّة في طبعته الخامسة (DSM-5) الميّزات الرئيسية لاضطراب الشخصيّة الحدّي على أنّها نموذج متخلّل ومنتشر من عدم الاستقرار في العلاقات مع الأشخاص وفي صورة الذات وفي الوجدان، بالإضافة إلى وجود سلوك اندفاعي مميّز. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ DSM-5 يقدّم طرحاً بديلاً للشروط التشخيصيّة لاضطراب الشخصيّة الحدّي في القسم الثالث (section III)، والتي تعتمد على الأبحاث في السمات المرضيّة، والتي تتضمّن تحديد أربع سمات لا تكيّفيّة على الأقل من أصل سبعة.
عرّفت المراجعة العاشرة للتصنيف الدولي للأمراض (ICD-10) الصادر عن منظّمة الصحّة العالميّة اضطراباً، والذي هو من حيث المبدأ مشابه لاضطراب الشخصيّة الحدّي، وأعطته الرمز F60.3 وأسمته اضطراب الشخصيّة غير المستقرّة عاطفياً. يوجد نمطين فرعيّين من ذلك الاضطراب وهما:
كي يشخّص أحدٌ ما أنّه من النمط الاندفاعي، عليه أن يحقّق ثلاثة شروط على الأقل، واحد منها يجب أن يكون الشرط 2، وهي كما يلي:
كي يشخّص أحدٌ ما أنّه من النمط الحدّي، عليه أن تتوافر فيه ثلاثة أعراض على الأقل من المذكورة في النمط الاندفاعي F60.30، بالإضافة إلى تحقيق اثنين على الأقل من الشروط التالية:
كما تصف المراجعة العاشرة للتصنيف الدولي للأمراض (ICD-10) بعض الشروط العامة التي تعرّف وجود اضطراب في الشخصيّة.
قام عالم النفس ثيودور ميلون Theodore Millon باقتراح أربعة أنماط من اضطراب الشخصيّة الحدّي، بحيث أنّه عند تشخيص أحد ما أنّ لديه اضطراب الشخصيّة الحدّي فمن الممكن أن يكون لديه واحدة أو أكثر، أو قد لا يكون لديه صفات من الأمور التالية:
يكون الناس المصابون باضطراب الشخصيّة الحدّي عرضةً للشعور بالغضب تجاه أفراد عائلتهم والانسلاخ منهم؛ بالمقابل ومن جهتهم، فإنّ أفراد العائلة يشعرون بالغضب والعجز حيال تصرفات أقاربهم المصابين باضطراب الشخصيّة الحدّي.
أظهرت دراسة سنة 2003 أن تجارب أفراد العائلة من تحمّل العبء والشعور بالضائقة الانفعاليّة والعداء تجاه الأشخاص المصابين باضطراب الشخصيّة الحدّي كانت بالفعل أسوأ بعد معرفتهم لمعلومات أكثر عن هذا الاضطراب. هذه الكشوفات يمكن أن تشير إلى ضرورة التحقّق من نوعيّة ودقّة المعلومات التي يستحصل عليها من أفراد العائلة. عادةً ما يكون الآباء والأمّهات الذين لهم مرضى بالغين مصابين باضطراب الشخصيّة الحدّي إما مشتركين بحدّ زائد عن حدّه أو دون الحدّ من حيث العلاقات والتفاعلات الأسريّة المتبادلة مع أبنائهم.
تظهر علائم وأعراض اضطراب الشخصيّة الحدّي نمطياً خلال مرحلة المراهقة والبلوغ المبكّر، على الرغم من أن بعض الأعراض الموحية بهذا الاضطراب يمكن أن تلاحظ عند الأطفال. إنّ الأعراض عند المراهقين التي يمكن أن تشير إلى احتماليّة تطوّر اضطراب الشخصيّة الحدّي عند البلوغ تتضمّن المشاكل فيما يخص الصورة الجسمانية، والحساسية المفرطة للرفض، والمشاكل السلوكيّة، وإيذاء النفس غير الانتحاري، ومحاولات إيجاد علاقات حصريّة، بالإضافة إلى الخجل الشديد. هذه الأعراض عند المراهقين تعطي مؤشّرات مرتفعة لإمكانيّة تطوّر اضطراب الشخصيّة الحدّي في المستقبل، كما أنّه يمكن غالباً أن تتطوّر أشكال أخرى من الإعاقات الاجتماعيّة طويلة الأمد.
لا ينصح للأخصائيّين النفسيّين أن يشخّصوا أعراض اضطراب الشخصيّة الحدّي لأحدٍ ما قبل سن الثامنة عشر، وذلك بسبب الاختلاجات العاطفيّة التي تصيب المراهقين، ولكنّ مراقبة الحالة مهم، وذلك من أجل وضع خطة علاج فعّآلة. على العموم، وجدت دراسة أنّ المراهقين الذين تظهر لديهم علائم اضطراب الشخصيّة الحدّي ينقسمون إلى مجموعتين، الأولى ممن يبقى لديهم الاضطراب ثابتاً ولا يتغيّر مع مرور الوقت، والمجموعة الثانية ممّن يمرّون به ثم يتخلّصون منه.
إنّ حالات المراضة المشتركة (الاشتراك في الحالة المرضية) الدائمة أمر شائع في اضطراب الشخصيّة الحدّي. مقارنةً مع الأفراد الآخرين المشخّصين باضطرابات شخصيّة أخرى غير هذا الاضطراب، فإنّ الناس المصابين باضطراب الشخصيّة الحدّي يظهرون معدّلاً مرتفعاً من التشارك في شروط تلك الاضطرابات الأخرى. مثل:
إنّ العلاج النفسي هو العلاج الرئيسي لاضطراب الشخصيّة الحدّي. ينبغي للعلاج أن ينبني على الحاجات الفرديّة للأشخاص، أكثر من مجرد التشخيص العام للاضطراب. إنّ الأدوية مفيدة لعلاج الاضطرابات ذات المراضة المشتركة، مثل الاكتئاب والقلق. وجد أن الاستشفاء قصير الأمد ليس أكثر فعاليّة بالمقارنة مع الرعاية الاجتماعيّة طويلة الأمد التي تشمل المنع طويل الأمد من السلوك الانتحاري.
إنّ العلاج النفسي طويل الأمد هو حالياً العلاج الأمثل لاضطراب الشخصيّة الحدّي. هناك ستّة أنواع علاج متوفّرة لاضطراب الشخصيّة الحدّي وهي:
في حين أنّ العلاج السلوكي الجدلي DBT هو الأكثر دراسة بين أساليب العلاج المذكورة، فإن البحث التجريبي ودراسات الحالة أظهرت أنّ كل تلك الأساليب العلاجية فعّآلة في علاج اضطراب الشخصيّة الحدّي، باستثناء العلاج المركّز على التخطيط. على كلّ حال، فإنّ العلاج طويل الأمد من أيّ نوع، حتى لو كان العلاج المركز على التخطيط من ضمنه، هو أفضل من دون علاج، خاصّة عند تقليل الدافع إلى إيذاء النفس.
إنّ العلاج النفسي المعتمد على التعقّل والتحويل يرتكز على مبادئ الديناميكيّة النفسيّة، في حين أنّ العلاج السلوكي الجدلي يعتمد على مبادئ السلوك المعرفي وعلى الوعي. تجمع إدارة العلاج النفسي العامّة المبادئ الأساسيّة لأساليب العلاج التفصيليّة، وتعدّ أنها سهلة التعلّم ولا تتطلّب الجهد الكبير. أظهرت دراسة لعيّنات عشوائيّة من التجارب أنّ العلاج باستخدام أسلوبي DBT و MBT هو الأكثر نجاعة، وأنّهما يشتركان في العديد من الأمور المتشابهة. بيّنت دراسة أخرى أنّ أسلوب العلاج DDP يمكن أن يكون أكثر فاعلية من DBT. يهتمّ الباحثون في إيجاد وتطوير صيغة مختصرة من أساليب العلاج المذكورة، وذلك من أجل زيادة اليسر والتقليل من الأعباء المادية على المرضى، ولتخفيف عبء توفير الموارد على مزوّدي العلاج.
من وجهة نظر ديناميكيّة نفسيّة، فإنّ المشكلة الخاصّة التي تواجه العلاج النفسي هو الإسقاط النفسي، حيث يتطلّب الأمر من المعالج النفسي أن يكون مرناً في التفكّر في الصفات السلبيّة لدى المريض أكثر من التفسير السريع للإسقاط. يشير بعض الباحثين إلى أنّ استخدام وسائل تأمّل مثل الوعي التام يمكن أن يجلب تغيّرات بنيويّة مرغوبة في العقل فيما يتعلّق باضطراب الشخصيّة الحدّي، كما يمكن لجلسات التأمّل الواعي التام أن تخفّف من أعراض مميّزة لاضطراب الشخصيّة الحدّي.
أظهر منشور مراجعة علمي في سنة 2010 من مؤسسة كوكرين أنّه لا يوجد دواء أظهر نجاعة في علاج الأعراض الرئيسيّة لاضطراب الشخصيّة الحدّي من حيث الشعور المزمن بحالة الفراغ واضطراب الشخصيّة والهجران، ولكن على الرغم من ذلك، فقد وجد المؤلّفون لذلك المنشور أنّ لبعض الأدوية تأثيراً على أعراض منفصلة مترافقة مع هذا الاضطراب، أو أعراض المراضات المشتركة.
من بين المضادات النمطيّة للذهان التي دُرست فيما يتعلق باضطراب الشخصيّة الحدّي وجد أن هالوبيريدول يخفّف من الغضب، في حين أن فلوبينتكسول يمكن أن يخفّف احتماليّة حدوث حالة انتحار. أمّا من بين المضادات غير النمطيّة للذهان فإن أريبيبرازول يمكن أن يخفّف من المشاكل مع الأشخاص المحيطين، كما أنّه يمكن أن يحدّ من الاندفاعيّة ومن الغضب ومن الأعراض الزَّوَرانيّة الذهانيّة، الاكتئاب، والقلق والاضطرابات النفسيّة العامّة. يمكن لعقار أولانزابين أن يخفّف من شعور عدم الاستقرار والغضب، في حين أن زيبراسيدون كان تأثيره غير مهم.
من بين مثبّتات المزاج التي تمت دراستها وجد أن لاموتريجين يمكن أن يخفف من الاندفاعيّة والغضب، وأنّ توبيرامات يمكن له أن يقلّل من المشاكل في العلاقات مع الأشخاص ومن الاندفاعيّة والقلق والغضب والاضطرابات النفسيّة العامّة، في حين وجد أنّ تأثير كاربامازيبين غير مهم. أمّا من بين مضادات الاكتئاب فقد وجد أن أميتربتيلين يمكن له أن يخفّف من الاكتئاب، في حين أنّ كل من ميانسيرين وفلوكسيتين وفلوفوكسامين وفينيلزين سلفات لم تظهر أي تأثيرات مهمّة.
أوصى المعهد الوطني للصحة وتفوّق الرعاية (NICE) سنة 2009 فيما يخصّ معالجة اضطراب الشخصيّة الحدّي من خلال الأدوية بالتالي: ( إنّ العلاج الدوائي لا ينبغي أن يستخدم بشكل خاص ومحدّد من أجل علاج اضطراب الشخصيّة الحدّي، أو أي من أعراض فرديّة أو أي سلوك مترافق مع هذا الاضطراب). على الرغم من ذلك، فإنّ المعالجة بالأدوية والعقاقير يمكن أن تستخدم من أجل المعالجة الكلّية لحالات المراضة المشتركة، ولكن ينصح بالتخفيف وإيقاف أي علاج دوائي غير ضروري.
هناك فرق كبير بين عدد الأشخاص الذين يمكن أن يستفيدوا من العلاج وعدد أولئك الذين عولجوا. إنّ هذه الظاهرة التي تدعى باسم "فجوة العلاج" هي علاقة تشمل إعراض المصابين بالاضطراب عن الخضوع للعلاج، وعدم التشخيص الكافي للاضطراب من مسؤولي الصحة، بالإضافة إلى قلّة العدد والإمكانيات المحدودة من أساليب العلاج المتطورة والحديثة. على الرغم من ذلك، فإنّ نسبة الأفراد المصابين باضطراب الشخصيّة الحدّي الموجودين في مراكز الاستشفاء النفسيّة تبلغ حوالي 20% من المراجعين حسب إحدى الدراسات. إنّ أغلب الأشخاص المصابين باضطراب الشخصيّة الحدّي الخاضعين للعلاج يستمرّون في علاجهم بزيارة العيادات الخارجيّة بشكل مستمرّ ولعدّة سنوات، وذلك بالمقارنة مع عدد الأشخاص الذين يعالجون بأسلوب العيادات الداخليّة، والذين يتناقص عددهم مع مرور الوقت.
على العموم، هناك تفاوت في خبرة الخدمات المقدّمة لعلاج اضطراب الشخصيّة الحدّي. إنّ تقييم خطر الانتحار أمر يمثّل تحدّياً للمعالجين، حيث أنّ المرضى أنفسهم يقلّلون من خطورة السلوك المودي لإيذاء النفس، الأمر الذي يدفهم لاحقاً مع مرور الزمن وعند حدوث أزمات إلى محاولات متكرّرة للانتحار. خاصّةً أنّ اضطراب الشخصيّة الحدّي هو أكثر اضطراب للشخصيّة يترافق مع حدوث حالات انتحار.
تُظهر توقّعات سير المرض بالنسبة لاضطراب الشخصيّة الحدّي أنّه مع العلاج فإنّ غالبية المصابين بهذا الاضطراب يمكن لهم أن يجدوا الراحة من الأعراض الضائقة، وأن يجدوا الهدأة، والتي يمكن أن تعرف هنا في هذه الحالة على أنها الراحة المستمرّة من أعراض هذا الاضطراب لمدّة سنتين على الأقل. أظهرت دراسة طوليّة قامت بتتبّع أعراض الناس المصابين باضطراب الشخصيّة الحدّي أنّ 34.5% من حالات الهدأة تمّ إنجازها خلال سنتين من بداية الدراسة. في غضون أربع سنوات فإن 49.4% قد وجدوا الهدأة، في حين أنّه في غضون ست سنوات فإنّ 68.6% قد وجدوا الهدأة. عند انتهاء الدراسة، فإنّ 73.5% من المشاركين فيها كانوا قد وجدوا الهدأة. بالإضافة إلى ذلك، فإنّه من بين الناس الذين حققوا شفاءً من الأعراض، هناك 5.9% فقط عايشوا نكسات من جديد. وجدت دراسة متأخّرة أنّه بعد مرور عشر سنوات منذ بداية الاستشفاء، فإنّ 86% من المرضى عايشوا حالة شفاء مستمرّة من الأعراض دون نكسات.
بالتالي، فإنّه على العكس من المفهوم الشائع بين الناس، فإنّ الشفاء من اضطراب الشخصيّة الحدّي ليس ممكناً فقط، بل شائع الحدوث، حتّى في الحالات ذات الأعراض المستعصية. ولكن تجدر الإشارة إلى أنّ تلك النسبة المرتفعة من حالات الشفاء من الأعراض الضائقة جرى ملاحظتها على أشخاص كانوا قد تلقّوا العلاج.
إنّ شخصيّة المريض يمكن لها أن تلعب دوراً مهماً خلال عملية العلاج، مما يقود إلى نتائج سريريّة أفضل، حيث أنّ الأشخاص الذين لديهم سمة أكبر من الوفاق والخاضعين لنمط العلاج السلوكي الجدلي (DBT) أظهروا نتائج إيجابيّة أكثر من الأشخاص الذين لديهم سمة وفاق ضعيفة، أو ممّن لم يعالجوا بأسلوب DBT. هذا الترابط وجد كنتيجة للاحتكاك المباشر بين المعالج والمريض؛ أي أنّ المرضى ذوي الوفاق المرتفع كانوا متعاونين بشكل أكبر مع معالجيهم، مّما أدى بدوره إلى نتائج سريريّة أفضل.
بالإضافة إلى الشفاء من الأعراض الضائقة المزعجة لاضطراب الشخصيّة الحدّي، فإنّ المصابين بهذا الاضطراب الذين يخضعون للعلاج يمكن لهم أن يحقّقوا مستويات مرتفعة من الوظائف النفسية الاجتماعيّة مرّة أخرى. أظهرت دراسة طوليّة تتبّعت المقدرات في مجال العلاقات الاجتماعيّة وذلك للمصابين بأعراض هذه الحالة، أنّه بعد ست سنوات من بداية تشخيص الاضطراب فإنّ هناك 56% منهم أظهروا علاقات جيّدة في محيط المجتمع والعمل، مقابل نسبة 26% من المشاركين، وذلك عند سؤالهم حين التشخيص بالاضطراب لأوّل مرّة.
قُدّر معدّل انتشار اضطراب الشخصيّة الحدّي بشكل أوّلي بأنّه حوالي 1 إلى 2 % من تعداد السكّان العام، وأنّه يحدث أكثر بثلاث مرّات عند النساء من الرجال. بالمقابل، فإنّ دراسة معدّل الانتشار العمرية لاضطراب الشخصيّة الحدّي، والتي أجريت سنة 2008 أظهرت أنّ 5.9% من تعداد السكان العام مصابون بهذا الاضطراب، وأنّ النسبة بين الرجال والنساء متقاربة (5.6 % رجال و 6.2% نساء). إنّ الفرق بين معدّلات الإصابة عند الرجال والنساء في تلك الدراسة لم يكن لها أي دلالة إحصائيّة (اعتداد).
يقدّر بأنّ حوالي 20 % من حالات الاستشفاء النفسيّة في المصحّات هي من اضطراب الشخصيّة الحدّي، وأنّها 10% في الحالات بالنسبة للمرضى الخارجيّين. في نسبة أخرى مقاربة، وجد أن المصابين بهذا الاضطراب يشغلون 25% من أسرّة ردهات الأمراض النفسيّة، وما لا يقلّ عن 15% من مراجعات العيادة الخارجية لقسم الأمراض النفسيّة.
إن مصداقيّة الأشخاص المصابين باضطراب الشخصيّة الحدّي كان موضع تساؤل وبحث في الولايات المتحدّة الأمريكيّة منذ ستّينات القرن العشرين على الأقل. هناك شكوك أنّ خاصيّتان متوفّرتان عند هؤلاء الأشخاص تزيدان من أهمّية الأمر وهي حدوث حالة التفارق وإمكانيّة حدوث كذب أثناء أداء الشهادة.
هناك عدم توافق بين الباحثين فيما إن كان التفارق، وهو حدوث حالة انفصال عن المشاعر والشروط الفيزيائيّة المحيطة، يمكن له أن يؤثّر في قدرة المصابين باضطراب الشخصيّة الحدّي على تذكّر وقائع حدثت في الماضي بتفاصيلها. بيّنت دراسة أجريت سنة 1999 وجود ضعف في خاصية التحديد في ذاكرة السيرة الذاتيّة عند مرضى هذا الاضطراب، وهذا كان متوافقاً مع حدوث حالات تفارق. ولكن في دراسة أوسع أجريت سنة 2010 وجد أنّ الأشخاص الذين لديهم أعراض اضطراب الشخصيّة الحدّي بدون اضطراب اكتئابي، لديهم ذاكرة جيدة للسيرة الذاتية بشكل أكبر من الأشخاص الذين ليس لديهم أعراض BPD ولكن مع وجود اكتئاب لديهم؛ بالتالي فإنّ وجود حالة من الاكتئاب عند هؤلاء الأشخاص كان السبب الرئيسي لعدم القدرة على تذكّر وقائع من الماضي بتفاصيلها، ممّا يعني أن ضعف ذاكرة السيرة الذاتيّة ليس أمراً مقترناً مع التفارق أو أعراض هذا الاضطراب الأخرى.
من جهة أخرى، فإنّ بعض الباحثين في مجال علم النفس يدّعون أنّ مرضى اضطراب الشخصيّة الحدّي قد يستخدمون الكذب في بعض الأحيان، بالمقابل، فإنّ باحثين آخرين أقرّوا أنّ هناك حالات نادرة من الكذب عند مرضى BPD. في النهاية، فإنّ الكذب ليس من السمات المميّزة لاضطراب الشخصيّة الحدّي، حيث أنّ الاعتقاد أنّ المريض يكذب، يمكن له أن يؤثّر على نوعيّة الرعاية الصحّية التي يتلقّونها من النظام الصحّي والتشريعي.
تشير بعض الدراسات إلى أنّ النسبة العظمى من الأشخاص الذين لديهم أعراض اضطراب الشخصيّة الحدّي ويتلقّون العلاج في العيادات هنّ من النساء. يعود هذا الأمر إلى أنّ النساء لديهن قابليّة أكبر للخضوع لعلاج اضطراب الشخصيّة الحدّي، حيث أنّ الرجال بالمقابل يميلون بشكل أكبر إلى الخضوع لعلاج أعراض BPD مثل العلاج من معاقرة المواد، بالإضافة إلى أنّ الرجال يمكن أن يقدموا على الانتحار بشكل أكبر من النساء قبل حدوث عملية تشخيص للمرض.
حسب النسخة الرابعة من الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسيّة DSM-IV-TR، يعدّ سلوك التلاعب النفسي للحصول على الرعاية أحد المميّزات لاضطراب الشخصيّة الحدّي. بالمقابل، أشارت أخصائية الطب النفسي مارشا لاينهان Marsha Linehan إلى أنّ هذا السلوك من الأشخاص المصابين باضطراب الشخصيّة الحدّي، والذين يريدون أن يوصلوا ألمهم الشديد، أو الذين وصولوا إلى مرحلة إيذاء النفس أو الانتحار، نابع من رغبتهم في التأثير على سلوك الآخرين. من جهة أخرى، بما أنّ مرضى هذا الاضطراب تعوزهم المقدرة على الإدارة الناجحة للمشاعر المؤلمة وللتحدّيات الشخصيّة، بالتالي فإنّ تعبيرهم المتكرّر للألم الشديد ولإيذاء الذات والسلوك الانتحاري يمكن أن يكون محاولة منهم لضبط المزاج، أو محاولة اتخاذ آليّة هرب من المواقف التي لا يتحمّلونها.
تتضمّن خصائص اضطراب الشخصيّة الحدّي وجود عدم استقرار عاطفي، وعلاقات مضطربة مع الأشخاص المحيطي