Taha Muhammad Ali
محب للعلم
|
Reader and author (5 ) Book
Send Message
Rank Today/ All days
554,535
30,035
Last online2 month ago
Country
Egypt
باحث في التراث الإسلامي
قَالَ أَبُو سُلَيمَانَ حَمَدُ بنُ محمد بنِ إِبرَاهِيمَ الخَطَّابِيُّ -رَضي الله عنه-: قَد أكثرَ الناسُ الكلامَ في هذا البابِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وذهبواْ فيه كلَّ مَذْهَبٍ مِنَ القَولِ، وَمَا وجدنَاهم بَعْدُ صَدَرُواْ عَنْ رِيٍّ؛ وذلك لِتَعَذُّرِ معرفةِ وجهِ الإعجازِ في القرآنِ، وَصُعُوبَةِ الأمرِ في الوقُوفِ عَلَى كَيْفِيَّتِهِ.
رسالتان في الإعجاز
• وها هُنا أمرَان يجبُ أن يُعلَمَا، أولهما: العِلَّةُ من تقديمنا رسالةَ الرُّمَّانِيِّ على رسالة الخطَّابِيِّ. وثَانِيهما: العِلَّةُ من مخالفتنا لعنوان الكتاب المطبوع (ثلاث رسائل في إعجاز القرآن) وَجَعْلِ كتابنا تحت عنوان (رسالتان في الإعجاز).
أمَّا عن تقديمنا رسالة الرُّمَّاني، فذلك لأمورٍ: أوَّلُها: أنَّ لها كبيرَ عُلْقَةٍ بالدَّرسِ البلاغِيِّ، فقد جعل جُلَّ رسالته على تقسيم البلاغة إلى عشرة أبواب وتفسيرها بَابًا بَابًا. فضلا عن أنَّه نظر إلى قضايا هي من جذور البلاغة العربية سبقه الجاحظ في الحديث عنها، من ذلك مثلا: قضيةُ البلاغة والإفهام ، وقضيةُ أدوات البيان وإن ذكر أربعة فقط وَضَرَبَ عن دلالة الحال الذكرَ صَفحًا ، وقضيةُ اللفظ والمعنى ، وقد أشرنا إلى ذلك في موضعه.
ثاني هذه الأمور: أنَّ الرُّمَّانِيَّ ذكر الصَّرفَةَ وعدَّهَا وجهًا من وجوه الإعجازِ ، والخَطَّابِيَّ عرضها وأظهر أن الآية تشهد بخلافها = والرُّمَّانِيُّ تكلَّم عن الإخبار بالغيب وجعله وجها من وجوه الإعجاز ، فجاء الخطَّابي وقال بأنَّه لا شَكَّ في ذلك، لكن هذا الوجه ليس عامًّا في سور القرآن = والرُّمَّانِيُّ تكلم عن البلاغة وجعلها وجها من وجوه الإعجاز، وقسَّمَها إلى عشرة أبوابٍ، إلا أنَّهُ كان مُولَعًا بتقسيمها إلى طبقات وجعلِ القرآنِ في الطبقة العُليَا من غير بيانٍ لعِلَّةِ ذلك في الغالب ، اللهم إلا أن يُرجِعَ ذلك إلى النفس، فجاء الخطَّابِيُّ بالقول بأنَّ أكثر الذين قالوا بذلك لم يقفوا على عِلَّةٍ، وأنَّ ذلك لا يُقنِعُ في العلم؛ وَإِنَّمَا هُوَ إِشكَالٌ أُحِيلَ بِهِ عَلى إِبهَامٍ® ؛ فكانَ لترتيبنا هذا موقع يتوافق مع قضايا المراتب، التي توجِبُ أن يُعرَضَ الرَّأيُ ثمَّ يُردَفَ بالرَّدِّ عليه أو بتوجيهه.
ثالثُها: أنَّ رسالة الرُّمَّانيَّ كانت جوابًا على سؤال بإيجاز شديد جدا.. وفي رسالة الخطابي بيان وتفصيل لبعض هذا الإيجاز؛ فكان أَوْلَى أن نقدم ما كان بمنزلة الإيجاز على ما كان بمثابة التفصيل لبعض هذا الإيجاز.
رابِعُها: أنَّ الرُّمَّانيَّ كان كثير الرجوع بالنكت إلى النفس، فيستخدم عبارة: ©يَظهَرُ بِهَا لِلنَّفسِ®، و©ثَقِيلٌ عَلَى النَّفسِ®، و©تَقَرَّرَ فِي النَّفسِ®، وغيرَها مما هو بسبيل منها، ولا سيَّما عند حديثه عن الإيجاز والتشبيه = فاستحسنَّا أن نبدأ بمن كان كثيرَ البحث في أسرار الكلام قبل أن يصير كلامًا ؛ فقدَّمنَا الرُّمَّانِيَّ.
خامسها: أنَّ الرُّمَّانِيَّ عند ذِكرِ قَولَ مُسيلَمَةَ ولَم يُبَيِّن عِلَّة بطلانه ، فجاء الخَطَّابِيُّ وأطال الحديث فيه ببيان وجوه المعارضات وما كان بسبيل منها، ثم بَيَّنَ أنَّه ليس من المعارضة في شيءٍ ، فكانَ كلامُ الرمَّانِيِّ مجمَلًا وكلامُ الخَطَّابِيِّ مُفَصَّلًا، فقدَّمنا الرماني.
سادِسُها: أنَّ الرُّمَّانِيَّ عند حديثه عن الإيجاز في قوله تعالى: {وَلَوۡ أَنَّ قُرۡءَانا سُيِّرَتۡ بِهِ ٱلۡجِبَالُ أَوۡ قُطِّعَتۡ بِهِ ٱلۡأَرۡضُ أَوۡ كُلِّمَ بِهِ ٱلۡمَوۡتَىٰۗ} قالَ: ©وَإِنَّمَا صَارَ الحَذفُ فِي مِثلِ هَذَا أَبلَغَ مِنَ الذِّكرِ؛ لِأَنَّ النَّفسَ تَذهَبُ فِيهِ كُلَّ مَذهَبٍ. وَلَو ذُكِرَ الجَوَابُ لَقُصِرَ عَلَى الوَجهِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ البَيَانُ، فَحَذْفُ الجَوَابِ فِي قَولِكَ: "لَوْ رَأَيتُ عَلِيًّا بَيْنَ الصَّفَّيْنِ!" أَبلَغُ مِنَ الذِّكرِ لِمَا بَيَّنَّاهُ® . = وقال الخطَّابي وقد ذكر تلك الآيةَ أيضًا: ©وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الحَذْفَ فِي مِثلِ هَذَا أَبْلَغُ مِنَ الذِّكْرِ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ تَذْهَبُ فِي الحَذْفِ كُلَّ مَذْهَبٍ، وَلَوْ ذُكِرَ الجَوَابُ لَكَانَ مَقصُورًا عَلَى الوَجهِ الَّذِي تَنَاوَلَهُ الذِّكرُ. فَحَذفُ الجَوَابِ كَقَولِه: "لَو رَأَيْتَ عَلِيًّا بَيْنَ الصَّفَّيْنِ!" وَهَذَا أَبْلَغُ مِنَ الذِّكْرِ لِمَا وَصَفْنَا® = بهذا التقارب الشديد في بناء هذين الكلامَيْن، وبقول الخَطَّابِيِّ: ©وَقَدْ قِيلَ®، وباستخدامه أمثلةَ الرمَّانِيِّ، وبمُعاصَرَتِهِ إيَّاهُ = نقول: إِنَّ الخَطَّابِيَّ قرأ هذا الكلامَ عن مَنْ تَقَدَّمَهُ، يمكن أن يكون عن الرمَّانِيِّ، ويمكن أن يكونَ عن غيرِه؛ قلنا ذلك لأنَّ هذه العِلَلَ التي ذكرناها لا تنفي -بالضَّرُورَةِ- أن يكونَا جميعًا أَخَذَا هذا الكلامَ عن مَن سَبَقَهُم إليه.
بَيدَ أنَّ كلام الخطَّابِيِّ في الموضع الذي نقلنا منه فيه زيادة بَسْطٍ وتفصيل لِمَا قاله الرُّمَّانِيُّ، فكان الأَوْلَى أن نُقَدِّمَ الكلامَ المُجمَلَ، حتَّى إذَا قرأه القارئُ، ورأى أنَّهُ يريدُ تفصيلَهُ، ذهبَ إلى الذي بعده، فَوَجَدَ عندَهُ طَلِبَتَهُ، فحَسُنَت الفائدَةُ إن شاء الله.
وهذا غايةُ ما يُمكِنُ أن نقولَه في هذا الأمرِ، وهو -كما ترى- يقوم على الاستحسان والاحتمال، وَلَكِنَّهما لا يكفيان في الفصل فيما نحن بِصَدَدِه، فَنُرْجِئُ ذلكَ إلى ما يُستَقبَلُ من الزَّمَنِ؛ عسى الله أن يَأتِيَنَا بالفَتحِ مِن عندِه؛ إنَّه على ذلك إذا يشاءُ قدير.
أَمَّا عن اكتفاءنا برسالة الرماني والخطابي دون رسالة عبد القاهر الجرجاني؛ فقد وجدنا أنَّ محمود شاكر قامَ بها على أكمَلِ وَجْهٍ، ووجدنا أنفسنا -بعد النظر في المخطوط الذي اعتمده أصلًا وتعليقِهِ عليه في النسخة المطبوعة الملحقة بكتاب دلائل الإعجازِ، بيانِهِ لأوجه الفساد في النسخة المطبوعة المشهورة تحت مسمَّى (ثلاث رسائل في إعجاز القرآن)، وبيانِهِ لأوجه الفساد الذي وقع فيها ناسخ المخطوطِ أيضًا- قاصِرِينَ عن بلوغ هذا الباع، فاقتَصَرنا على ما ترى.
ثمَّ إنَّنا إن ضممنا رسالة عبد القاهر إلى هاتَينِ الرسالتين، فسنكون بين أمرين لا ثالث لهما: التقصيرُ، والسَّرِقَةُ. فَلَو جِئنَا بمثل ما جاء به محمود شاكر قيلَ: سُرِقَ جُهْدُ الرجلِ، وإنْ قَصَّرنَا عن عَمَلِهِ لَنْ يُنتَفَعَ بما جِئْنَا بِهِ. فَيَصِير حالُنا -إن فعلنا ذلك- كما قال الأعشَى الكَبِيرُ ميمونُ بنُ قَيسٍ : [البسيط]
فَقَالَ: ثُكْلٌ وَغَدرٌ أَنتَ بَينَهُمَا
فَاختَر، وَمَا فِيهِمَا حَظٌّ لِمُخْتَارِ
أو كما قال أَبُو فِرَاسٍ الحمْدَانِيُّ : [الطويل]
وَقَالَ أُصَيحَابِي: الفِرَارُ أَوِ الرَّدَى
فَقُلْتُ: هُمَا أَمرَانِ، أَحلَاهُمَا مُرُّ
****
رسالتان في الإعجاز
View more
Send a request to contact "Taha Muhammad Ali"
We require cookies for this site to function. Please enable them to continue.
Try Again
نحن نظهر لك هذه الرسالة لأننا نحترم خصوصيتك.
By using this website, you consent to us collecting cookies to provide you with a better user experience,
more details .
You cannot browse the site since you refused the use of cookies, as the site relies primarily on them to work.