العربية  
  فَارِس : لَقَدْ وَصَلَتْ تِلْكَ اَلْحَافِلَةِ إِلَى تِلْكَ اَلْمُسْتَشْفَى اَلْمَشْؤُومَةِ وَاَلَّتِي تَفُوحُ مِنْهَا رَائِحَةَ اَلْمَوْتِ وَالْقَهْرِ وَاَلَّذِي طَالَمَا سُمِعَتْ عَنْ قَسَاوَتِهَا وَقَسَاوَةٍ مِنْ يُدِيرُونَهَا. كَانَتْ تِلْكَ هِيَ اَلنَّظْرَةُ اَلْأُولَى إِلَى ذَلِكَ اَلْبِنَاءِ اَلشَّاهِقِ وَرُبَّمَا تَكُونُ اَلْأَخِيرَةُ . وَقَدْ أَخَذَتْ تَقْفِزُ إِلَى مُخَيِّلَتِي كُلَّ تِلْكَ اَلذِّكْرَيَاتِ وَكُلِّ تِلْكَ اَلْحِكَايَات اَلَّتِي سُمْعَتُهَا عَنْ هَذَا اَلْمَكَانِ وَبَدَتْ تَقْفِزُ أَمَامَ عَيْنِي كُلَّ تِلْكَ اَلصُّوَرِ وَاَلَّتِي فَارَقَتْهَا وَوَدَّعَتْهَا أَمَامَ جُدْرَانِ تِلْكَ اَلزِّنْزَانَةِ اَلْمَشْؤُومَةِ . وَقَدْ تَكَلَّمَتْ دِمَائِهِمْ وَنَطَقَتْ كُلَّ تِلْكَ اَلْجُدْرَانِ بِحِكَايَاتِهِمْ وَآلَامِهِمْ وَكَأَنَّهَا تَتَبَرَّأُ مِنْ أَفْعَالِ سَاكِنِيهَا وَتَبُوحُ بِأَسْرَارٍ لَطَالَمَا جَهِلْنَاهَا وَجَهْلَهَا كُلَّ سَاكِنِي اَلدُّنْيَا أَوْ لَطَالَمَا حَاوَلُوا تَجَاهُلُهَا . لَقَدْ تَحَدَّثَتْ عَنْ تِلْكَ اَلْأَحْلَامِ وَكُلِّ تِلْكَ اَلْآمَالِ وَاَلَّتِي قَدْ سَقَطَتْ حُرُوفَهَا وَتَبَخَّرَتْ أَوْرَاقَهَا وَامْتَزَجَتْ بِالدِّمَاءِ وَالْمَوْتِ بَدَلَ أَنْ تَمْتَزِجَ بِحِبْرِ اَلْحَيَاةِ وَيَقِينِ اَلْبَقَاءِ . وَايْ بَقَاءَ وَايْ أَمَلٌ سَنَحْمِلُهُ فِي قُلُوبِنَا وَنَضَعَهُ نُصِبَ عَيْنَيْنَا وَنُذَكِّرُ بِهِ اَلْأَجْيَالُ جِيل بَعْدَ جِيلِ هَلْ سَنَذْكُرُهُمْ بِتِلْكَ اَلْأَبْنِيَةِ وَاَلَّتِي كَانَتْ مَقَابِرُ لَابْنَاءهَا ؟ أَمْ نَذْكُرُهُمْ بِتِلْكَ اَلْأَنْهَارِ وَاَلَّتِي جَرَفَتْ جُثَثَهُمْ وَأَبْعَدَتْهُمْ عَمَّنْ يُحِبُّونَ ؟ أَمْ نَذْكُرُهُمْ بِتِلْكَ اَلْأَرْضِ اَلثَّابِتَةِ وَاَلَّتِي بَذَلْنَا لِأَجْلِهَا اَلْغَالِي وَالنَّفِيسِ وَأَخْفَتْ تِلْكَ اَلْجُثَثِ دُونَ أَنْ تُلَامَ عَلَيْهَا أَوْ تَبُوحُ بِأَسْرَارِهَا وَتَحَدَّثْنَا بِمَا تُخْفِي فِي طَيَّاتِهَا . أُمٌّ نَذْكُرهُمْ بِتِلْكَ اَلسَّمَاءِ اَلَّتِي نَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا وَكَانَتْ تَحَمُّلُ لَنَا اَلْمَوْتُ بَدَلَ أَنْ تُمْطِرَنَا بِخَيْرَاتِهَا . أُمُّ أَيِّ لَوْمٍ سَيَكْفِينَا عَنْ جَارٍ أَرَادَ ذُلُّنَا وَاخْتَارَ أَنْ يَحْفِرَ قُبُورَنَا بِيَدَيْهِ لِتَأْتِيَ يَدِ اَلظَّالِمِ وَتَرْمِينَا بِدَاخِلِهَا . لَمْ أَكُنْ يَوْمًا مِمَّنْ يُحِبُّونَ اَلْحَيَاةُ وَلَكِنَّنِي دَائِمًا كُنْتَ أَحْلُمُ أَنْ أَكُونَ مِمَّنْ يعِيشِيونْ بِكَرَامَةٍ فَوْقَ تُرَابِ وَطَنٍ أَتْعَبَهُ اَلْخَرِيفُ اَلطَّوِيلُ وَاسْتَمْلَكَهُ ذَلِكَ اَلْعَاجِزِ اَلَّذِي نَسِيَ أَنْ يَرْوِيَ تُرَابُهُ أَوْ أَنْ يَصْلُحَ تِلْكَ اَلْأَشْجَارِ اَلَّتِي اِسْتَفْحَلَ فِيهَا اَلْمَرَضُ وَتَسَاقَطَتْ أَوْرَاقَهَا اَلْخَضْرَاءَ وَبَانَتْ شَيْخُوخَةُ جُذُورِهَا وَأَغْصَانِهَا . لَيْتَهَا أَنْصَفَتْنِي وَتَرَكَتْ لِلْأَحْلَامِ بَقِيَّةً فِي وَطَنٍ يَحْكُمُهُ اَلْأَقْزَامُ وَأُولَاءكْ اَلسَّاذِجُونَ اَلَّذِينَ يُعْجِزُهُمْ اَلْكَلَامُ وَتَحَرُّكُهُمْ عَصَا اَلْأَغْنَامِ . وَكَيْفَ لِوَطَن أَنْ يُعْطِيَنِيَ مَا أُرِيدُ وَحُلْمُ أَبْنَاؤُهُ اَلْهِجْرَةَ وَتَرْكَ اَلدِّيَارِ . وَكَيْفَ لِوَطَن أَنْ يُعْطِيَنِيَ مَا أُرِيدُ وَقَدْ تُسَلِّطُ عَلَيْنَا اَلْجَاهِلُونَ وَأَمَرُوا بِتَكْسِيرِ اَلْأَقْلَامِ . وَإِنِّي أَتَسَاءَلُ أَيُّ جُنُونٍ أَصَابَ مَحْمُودْ دَرْوِيشْ تِلْكَ اَللَّيْلَةَ اَلَّتِي كَتَبَ فِيهَا قَصِيدَتَهُ اَلسَّاذِجَةَ ؟ سَأُصْبِحُ يَوْمًا مَا أُرِيدُ مَاذَا كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ سَيُصْبِحُ فِي وَطَنٍ لَا يُؤْمِنُ بِالشِّعْرِ وَلَا بِالرِّوَايَةِ ؟ مَاذَا كَانَ سَيُصْبِحُ فِي وَطَنِ خُصُورِ اَلنِّسَاءِ فِيهِ تِجَارَةٌ مُرْبِحَةٌ أَكْثَرَ مِنْ اَلْكِتَابِ وَالْكَلِمَةِ ؟ أَكَانَ يَعْرِفُ أَنَّ شَمْعَتَهُ سَتَنْطَفِئُ ؟ وَهُوَ وَحِيدٌ مَنْفِيٌّ فِي مَصَحَّاتِ أَمْرِيكَا أَكَانَ يَعْرِفُ أَنَّهُ سَيُصْبِحُ عِظَامًا تُدْفَنُ فِي أَرْضٍ لَا تُرَفْرِفُ فَوْقَهَا رَايَةُ فِلَسْطِينَ اَلْمُحَرَّرَةِ ؟ أَكَانَ يَعْرِفُ أَنَّ قَبْرَهُ سَيُضَاءُ بِشُمُوعِ قُرَّائِهِ فِي اَللَّيْلَةِ اَلْأُولَى لِدَفْنِهِ ؟ لِتُضِيئِهُ صَوَارِيخ إِسْرَائِيلَ وَطَائِرَاتِهَا فِي اَللَّيْلَةِ اَلتَّالِيَةِ . لَقَدْ غَادَرْنَا دَرْوِيشْ وَفِي ذِمَّتِهِ اَلْقَصِيدَةِ اَلْأَخِيرَةِ اَلَّتِي لَمْ يَكْتُبْهَا فَهَلْ حَقًّا صَارَ مَا يُرِيدُ ؟ وَلَمْ تَنْتَهِ حِكَايَتِي هُنَا فَلَقَدْ رَأَيْتُ بَامْ عَيْنِي وَسُمِعَتْ بِأُذُنِي كُلَّ تِلْكَ اَلْحِكَايَاتِ اَلَّتِي قَدْ رُوِيَتْ لَمْ تَكُنْ ضَرْبًا مِنْ اَلْخَيَالِ أَوْ حِكَايَةٍ خَيَالِيَّةٍ يَتَسَامَرُ بِهَا اَلْجَالِسُونَ أَنَّهَا حِكَايَةُ شَعْبٍ لَمْ تَعُدْ تَعْنِيهُ اَلْحَيَاةُ أَكْثَرَ مِنْ اَلْمَوْتِ .  
أيها الراحلون
View more