استاذ جامعي في قسم العمارة والترميم | Reader and author (1) Book Total download and read (3)
Lebanon
أسكن المكان قبل أن أعرِضَه. تمتزج في مسيرتي رائحة الحجر العتيق مع حكاية تنتظر أن تُروى، وتلتقي دقة الترميم بشغفي بالسرد الروائي. أصف نفسي بأنني "صائغ الذاكرة" أبحث في طبقات الجدران كما يبحث العرّاف عن أسراره، لا بالفراسة بل بالحفر في الذاكرة المدفونة في عروق الحجارة وشرايين الخشب. أعيد بناء ما تهشّم من الزمن كما يعيد النجار ترصيع الخشب العتيق: بحب للحقيقة، واحترام للأصالة، وروح الباحث الذي لا يكتفي بالسطح أبداً.
أكتب لأُعيد ترميم الحكايات كما أُرمّم البيوت القديمة: أُقشّر الطبقات المتراكمة، أُنقّي المواد الأصلية، ثم أترك المكان يتكلّم بصدق. أقرأ في شقّ الجصّ رواية، وفي ميلان السقف قصة، وفي غبار الطريق المنسيّ شهوداً على حياة كاملة.
أكتب، كي لا ينسى المكان كيف يتكلّم. وكي لا ينسى القارئ أن كل جدار يحمل سرّاً، وكل زاوية مهجورة تحتفظ بذاكرة تنتظر راوياً أميناً.
أمزج بين التخصص الأثري، والترميم، وتاريخ العمارة، والعمل الأكاديمي مما جعلني أؤمن بأن الروائي الحقيقي هو من يستطيع أن يسكن في عمارة قديمة قبل أن يبني عمارة نصه. أكتب الرواية كما أرمّم بيتاً أثرياً: أحفر في الطبقات الترابية، أحافظ على المواد الأصلية، أستخدم الإضاءة المناسبة، ولا أخاف من إضافة لمسات معاصرة في خدمة الحكاية. أكتب لقراء يحبون أن يتوهوا في أزقة حجرية، ويشمّوا رائحة الخشب القديم، ويسمعوا صدى خطوات من رحلوا. قصصي ليست مجرد حبكات، بل هي حفريات عاطفية وتاريخية في آن معاً.
أكتب باللغة بالعربية عن مكان عربي – لكني أقرأ هذا المكان بعيون عالمية جمعتها سنوات من الدراسة الميدانية والأكاديمية مع كبار المؤسسات الدولية. إني قادر على إعادة إنتاج المكان في مخيلة القارئ العربي والعالمي، لأنني أعرف كيف يُبنى المكان أولاً في الواقع، ثم كيف يُفكّك ليعاد تركيبه في الرواية.