إن الفلسفة الكانطية ككل تقوم على العقل ، من أجل قيام هذا الأخير بأشق مهمة يمكن أن يدفع بها ، ألا وهي فحص ذاته وامتحان قواه الخاصة ، والحكم على قدراته الذاتية . وليس النقد سوى هذه المحكمة الباطنية التي أراد كانط للعقل أن يمثل أمامها لكي يحكم على نفسه بنفسه . وهكذا اتخذ كانط النقد منهجاً علمياً جديداً ، وضعه في مقابل ميتافيزيقا الكلاسيكية المدرسية ، وقال أن الفارق بينه وبين الميتافيزيقا القديمة كالفارق بين علم الفلك والتنجيم .
عن العقل والعلم عند كانط عموماً يقف عند الظواهر ولا يتعداها . فالعلم محصور بين الحدوس الحسية والمبادىء العقلية ، ولا يستطيع بأي حال من الأحوال تخطي حدود التجربة ، ومعرفة الأشياء في ذاتها ( النوميات ) كالله والنفس والخلود والحرية .
عن عجز العقل النظري برهنت على هذه الحقائق ( النوميات ) يضطر على اللجوء على العقل العملي ومعرفته الإعتقادية الإيمانية ، وتسليم هذا الأخير بالحرية والله وخلود النفس ومن ثم بناء أخلاق تقوم على إرادة الخيرة والواجب والقانون الأخلاقي بما يتناسب مع القداسة الإيمانية .
حقاً إن النقد مرحلة سلبية لا سبيل على إنكارها . فإن كانط قد حرص دائماً على تحذيرنا من استعمال العقل النظري استعمالاً غير مشروع ، وذلك لتجاوز حدود التجربة الممكنة . ولكن هناك أيضاً مرحلة إيجابية لا تقل عنها أهمية وتلك هي مرحلة الإستعمال العملي للعقل الخالص ، وذلك في دائرة الأخلاق أو اليقين يالعملي ، قد أراد كانط أن يمضي ما لقيصر لقيصر وما لله لله ، فاهتم دائماً بتحديد دائرة العلم ودائرة العمل ، وأقام تفرقة واضحة بين المعرفة والإعتقاد الإيماني . صحيح أن العقل الخالص واحد ، على الرغم من أن له استعمال نظري واستعمال آخر عملي . مما يجعلنا أمام ثنائية واضحة لا سبيل إلى قهرها بين الإستعمالين المختلفين للعقل الخالص . وآية ذلك أن العلم وقف على الظاهرة وحدها ، ما دام من المستحيل عليه تخطي حدود التجربة في حين أن الإعتقاد ( الإيمان ) هو وحده الذي ينصب على الشيء في ذاته ، والإعتقاد لا يمدنا بيقين النظر أو معرفة حقيقية بل هو يمدنا فقط بضرورة عملية أو يقين أخلاقي .
حقاً عن العلم والأخلاق هما من وضعا عقلاً واحداً في جوهره . ولكن للعلم قيمة موضوعية . في حين أنه ليس للقانون الأخلاقي سوى مجرد ضرورة ذاتية ولم يستطع كانط في آخر مراحل تفكيره النقدي أن يحكم هذه الثنائية ، بين العلم والأخلاق وبين الظاهرة والشيء في ذاته ، بين الطبيعة ( الحتمية والحرية ) .
ما كانا لفيلسوفينا أن يستغني عن العلم الطبيعي ولا على السلوك الأخلاقي . فقد كان يشعر باحترام متكافئ بين مبادئ العلم الطبيعي ، ومبادئ السلوك البشري ، ومن هنا فقد بقي كانط عالماً طبيعياً وفيلسوفاً أخلاقياً ، مع اهتمامه في الوقت نفسه بتحديد
We require cookies for this site to function. Please enable them to continue.
نحن نظهر لك هذه الرسالة لأننا نحترم خصوصيتك.
By using this website, you consent to us collecting cookies to provide you with a better user experience,
more details.
You cannot browse the site since you refused the use of cookies, as the site relies primarily on them to work.