العربية  
  لحظة وصول الطفل إلى المدرسة وفك الأغلال من يديه ورجليه أحياناً)، تبدأ إبادة الهندي لإعادة خلقه من جديد، فتحرق ثيابه و خصوصياته الهندية أمام عينيه، وسط مشاعر القرف والاشمئزاز والسخرية والإهانة المتعمدة، وكلمات ألطفها الهندي القذر dirty Indian). ثم يحلقون شعره، ويُعلمونه أن الشعر الطويل الذي يعتز به الهنود هو من رموز الهمجية. والشعر الطويل عزيز على قلب الهنود. ويعتبر الاعتداء عليه كالاعتداء على الشاربين لدى بعض الجماعات أو الاعتداء على اللحى لدى بعض الجماعات الأخرى، إنهم لا يقصونه إلا للعقاب والإهانة كما يروي دنكن مكريمون Duncan McKrimmon أحد ضباط ميليشيا جورجيا في قصة طريفة عن أسير أبيض حكم عليه الهنود بالموت. تويتر: @ketab_n‏ 112 أميركا والإبادات الثقافية وعندما تشفعت له فتاتان من البيض قالوا لهما: إنهم يقبلون شفاعتهما وأنهم سيكتفون بأن يعاقبوا الأسير بقص شعره قبل أن يحرروه (٢). لكن عملية التمدين تقتضي انقضاضاً مزدوجاً على هوية الضحية. أولهما تعريته تماماً من كل ما يصله أو يذكره بحياته الهمجية، وثانيهما تلقينه وتحبيبه بكل الرموز والأفكار والقيم وأنماط السلوك الحضاري الأبيض. وقد تولت هذه المدارس بنظامها العسكري الصارم سحق النفس الأولى وبناء النفس الجديدة بالتزامن، بحيث تبرعم» الحضارة في كل موقع تسحق فيه الهمجية. وأول تلك البراعم قص الشعر وحرق الملابس وتبديل الأسماء من هندية ثقيلة على السمع واللسان إلى إنكليزية عذبة. ويروي أوتاكته Ota Kte الذي فرضوا عليه اسم لوثر ستاندينغ بير Luther Standing Bear في كتاب له كيف كان الأطفال يساقون للجز واحداً بعد الآخر، ثم يعود كل واحد منهم مقطباً أو باكياً وقد أصبح شكله غريباً مضحكاً بشعره القصير. حين ساقوني الحلق شعري بالقوة، أحسست بالمهانة والذل وطفحت عيوني بالدمع. وهذا ما أحس به كل أطفال سو.. لم يستطع أحد منا أن ينام تلك الليلة جيداً. كنا نتحسس رؤوسنا طوال الوقت ونشعر بالحقارة والشذوذ (۳). كان هناك إصرار مسرحي على إهانة هذا الطفل وإذلاله وإشعاره بأن شعره الطويل رمز من رموز الهمجية وأن تمدينه لا يتم إلا بجزه. حتى إن أحد هؤلاء الأطفال صرخ في وجه مدير مدرسة Carlisle بغضب: ألا يمكننا أن نتعلم حضارتكم بدون قص شعورنا؟ ما هذه الحضارة؟ وردد الأطفال بعده ها و [ موافقين (٤). وفعلاً، فقد كتب ناظر مدرسة حصن موهافه Mohave) رسالة إلى تلميذ سابق له يذكره فيها بتلك اللحظات الأليمة التي جزه فيها: إنني ما زلت أتذكر ما عانيته عندما قصصت شعرك أول مرة. ما زلت أرى إلى الآن النساء الموهافيات يبكين وأنت تحمي شعرك الطويل بيديك. لقد قلت لي : إنك لن تجرؤ على قص هذا الشعر. ولكنني قصصته في النهاية برغم صراخك وممانعتك وبرغم نحيب النساء الموهافيات. لقد أجبرتك على قص شعرك لا لسبب سوى أن الشعر الطويل رمز من رموز الهمجية لا  
أمريكا والإبادات الثقافية
View more