فيلسوف لم يذكره التاريخ | Reader and author (353) Book Total download and read (16,953)
Tunisia
أنا فيلسوف، لكن ليس بالمعنى الذي اعتدناه للفيلسوف؛ فأنا لا أبحث عن الحقيقة لأضعها في قفصٍ من اليقين، و لا أكتب لأمنح العقل إجاباتٍ مريحة ينام بعدها مطمئنًا. أنا أكتب لأزعج ذلك الاطمئنان، لأقترب من الأشياء التي اعتدنا النظر إليها حتى فقدنا قدرتنا على رؤيتها، و لأطرح السؤال الذي قد يكون أخطر من كل إجابة: ماذا لو كان ما نعتقد أننا نعرفه، ليس سوى الطريقة التي تعودنا بها على الجهل؟ أنا لا أؤمن بأن الفلسفة رحلة تنتهي عند الوصول، بل أراها طريقًا كلما مشيناه ابتعدت نهايته. فكل إجابة حقيقية لا تغلق بابًا، بل تفتح خلفه أبوابًا أخرى؛ و كل يقينٍ نصل إليه يحمل في داخله بذرة الشك الذي سيهدمه يومًا. لذلك لا أكتب لأقول لك ماذا تفكر، بل أكتب لأجعلك تشك للحظة في الطريقة التي تفكر بها.أنا أكتب عن الوجود، و الوعي، و الحرية، و الألم، و الخوف، و الحب، و الزمن، و المعنى، و عن ذلك الإنسان الذي يقضي حياته محاولًا أن يفهم العالم، بينما قد تكون أكبر أسراره مخبأةً في داخله. أبحث في المسافة الغامضة بين ما نحن عليه و ما نعتقد أننا عليه، بين الحقيقة التي نراها و الحقيقة التي نخشى أن نراها، و بين الحياة التي نعيشها و الحياة التي كان يمكن أن نعيشها.كتبي ليست كتبًا تمنحك إجابات جاهزة؛ إنها أماكن تدخلها بفكرة، ثم تخرج منها و أنت تحمل سؤالًا لم يكن موجودًا من قبل. كل كتاب هو تجربة فكرية، و كل صفحة بمثابة محاولة لزعزعة شيءٍ ظننته ثابتًا، و كل فكرة هي نافذة صغيرة نحو عالمٍ لا نعرف إن كان موجودًا خارجنا أم أننا نحن من صنعناه.أنا لا أكتب كي أخلّد اسمي؛ فالأسماء تموت، و الوجوه تُنسى، و الكتب نفسها قد تصمت يومًا فوق الرفوف. لكن الفكرة... الفكرة تستطيع أن تعبر من عقلٍ إلى آخر، و من زمنٍ إلى زمن، دون أن تحتاج إلى جسدٍ كي تبقى. و لهذا أؤمن أن أعظم ما يمكن للكاتب أن يتركه خلفه ليس اسمه على غلاف كتاب، بل هو سؤالًا يستمر في العيش داخل قارئه بعد أن يغلق الصفحة الأخيرة.هنا لن تجد فلسفةً تحاول أن تقنعك بأنها تمتلك الحقيقة، بل ستجد فلسفةً تحاول أن تجعلك تشك في كل ما ظننته حقيقة.فإن كنت تبحث عن إجابة، فربما لن تجدها هنا.أما إن كنت مستعدًا لأن تسأل...فقد تجد نفسك...