تحمل لي هذه الصورة أول مرة بكيت فيها، والتقط لي الصورة كي لا أعيدها ثانية، لا تبكى.
كنا نشاهد مشهداً حزيناً في التلفاز، كنت أبكى أنا ونهال، كنت شديد الالتصاق بها، أختي الكبرى ذات ال14عام، وأنا لا زلت في 12 عام، كنت ولا زلت أحبها، ما في الأمر أن نبكى على مشهد مؤثر لماذا يتم إلقاء اللوم علينا آنذاك، لا لم يحدث، تم إلقاء اللوم عليَّ أنا، لم أتذكر أن أبي نهر نهال على رقة قلبها، ولكن أتذكر أنهم جميعاً نهروني، وألصقوا بي وصمة أنني لست برجل، نعم أنا لست برجل، أنا ما زلت طفلاً، لماذا يغضبهم منى هذا الإحساس؟ ولماذا يسمحون به لأختي نهال؟ لماذا يلوم أبي أمي لأنني أتأثر بمشهد حزين؟ لماذا يصفها بأنها أساءت تربيتي؟! ولماذا هي لامتنى حينها على شدة التصاقي بنهال، وعبير، وسلوى؟ أليسوا عائلتي؟ لماذا كانت تزج بي لألتصق بأبناء الجيران الذكور؟ نعم كنت أفضل اللعب معهم أيضاً، ولكن ما المانع أن أمارس اللعب مع بنات عائلتي أيضاً؟! كان أبي متعلقاً بنهال وبي، ولكن نهال كانت تُترك مشاعرها حرة، أما أنا فكنت أشعر أنهم يرغبون في قتل الهدوء داخلي، وكان هذا الأمر صعبا جداً عليَّ، لم أعلم لماذا؟ ولكنه كان صعباً، ولكن لا بد أن أكون كذلك حتى أتجنب سخرية أبي، وتُرحم أمي من اللوم على سوء تربيتها لي كما كان يقال،
لا بد أن أتعلم القسوة حتى أملأ عيون الجميع.
يا إلهي، لماذا وقعتِ أيتها الصورة اللعينة في يدى الآن؟ لماذا هربتِ من ألبوم الصور لترتمي تحت قدميَّ، وتعيدي لي ما كان؟!
(بداخل كل منا هذان الشخصان المتناقضان، أحدهما يريد أن يهرب من الآخر، والآخر ينقض على الاول بلا رحمة).
صدمات.. صدمات.. ولو تجمع كل متخصصي التعذيب بالصعق الكهربائي جميعاً لما استطاعوا توجيه كل هذا القدر الموجع من الألم.. هي تخشى الطلاق.. في بادئ الأمر أعربت على أنها لا تحتمل الحياة بمفردها، ولم تترك لي مجالاً للوم، هي ليست بقوة نهال ورضوى حتى تحتمل ذلك،
،و ترفض أن تسكن مع والدتي، وتحاصرها نظرات الحسرة التي ستملأ عينيَّ والدتي تجاهها، ونظرات اللوم من الآخرين، كما كانت تلوم والدتها الأخريات المطلقات، وكنت وللأسف أنا أيضاً أشارك في ذلك، حاولت مرراً أن أنتزع الخوف من قلبها آنذاك، فكانت نظرات عينيها تنعتني بالكاذب الذى يتلفظ بخلاف ما قال طوال حياته
لم تنطق بها صراحة؛ فهي أقل من أن تشعر حتى بحقها في التعبير، وأنا وفي قرارة نفسى لا أملك الحق في اللوم عليها، وأنا مَن زرعت الخوف بداخلها باستهتار منى وبدون قصد، قالتها لي، وملأت فمي علقماً:
_أنا لا أحتمل أن أستمع إلى عبارة سخرية، أو نظرة جارحة كلما تكلمت صدفة مع أحد، مثلما كنت تفعل أنت يا أحمد مع كل مطلقة، كانت تقترب منك صدفة، وكنت تقول أنها تريد الالتصاق بي.
ماذا أقول لها؟ كنت أمزح! نعم كان هذا مقصدي حينها، ولكن ها أنا ومن جراء ذلك تجر كرامتي في التراب، وأنا أرى أختي تترجاني ألا أطلقها من هذا المخلوق؛ حتى
لا تتعرض لمصير أرعبناها جميعاً منه، وتطلب منى ألا أبتعد عنها أيضاً حتى
لا يستضعفها، بل وتطلب ألا أتركه يتيقن من أنني أصبحت على دراية بما فعل بزوجتي، بل أظل أتظاهر بدور الجاهل، هل أخبرها بأنها ستجد مَن هو أفضل منه؟ كيف أقنعها وأنا وأمي مَن زرعنا بداخلها أن ذلك مستحيل ريثما أصبح لديها أطفال، كيف أتمكن من إقناعها الآن بخطأ ما غرسته بالأمس؟
نظرت نظرة حيرة تبعتها نظرة استسلام، ثم رحلت..
"تدور الدوائر، ولم أكن أتوقع أن عقدة المشنقة التي دوماً أحاطت غيرى تلتف حول عنق أختي بقدر ما أحاطت بعنقي أنا!
إنها خيوط العنكبوت التي يحيكها المجتمع دوماً للإيقاع بالأشخاص المخالفين له فى الفكر، والذين حاولوا الخروج عن المألوف الذى حاكه هو بنفسه، إنها الأقاويل والكلمات التي تجعل من يستمع إليها يفقد توازنه نهائيا، وتتخبط عقائده وأفكاره ليصبح فريسة سهلة لأن ينجذب تلقائياً لأفكار ومعتقدات هذا الكيان المحيط به مستدعياً بذلك بعض الراحة النفسية الوهمية ليجد نفسه فى النهاية فريسة سهلة مقيدة لعنكبوت السلبية والعادات المتراكمة المهلهلة؛ لتمتص أفكاره بمنتهى السهولة تاركة إياه مجرد جثة مكبلة فاقدة القدرة على كل شيء سوى المكوث فى هذا المكان الذى كُبلت فيه، لتظهر كمجرد جسد خاوٍ تماما من القدرة حتى على الحركة منتظرة مصيرها المحتوم فى التلاشي شيئاً فشيئاً دون أن يشعر بها أحد..
We require cookies for this site to function. Please enable them to continue.
نحن نظهر لك هذه الرسالة لأننا نحترم خصوصيتك.
By using this website, you consent to us collecting cookies to provide you with a better user experience,
more details.
You cannot browse the site since you refused the use of cookies, as the site relies primarily on them to work.