If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
يقدّم الدكتور رشيد سليم الجراح في هذا الكتاب طرحًا فكريًا جريئًا يعيد النظر في العلاقة المعقّدة بين العلم الإلهي المطلق وحرية الإرادة الإنسانية، بعيدًا عن الثنائيات الكلامية التقليدية التي حصرت النقاش في جدلية “التسيير والتخيير”.
ينطلق الكاتب من فرضية أساسية مفادها أنّ الفهم القرآني الدقيق يتطلّب إعادة تعريف المفاهيم الإلهية الثلاثة: الإرادة، والمشيئة، والقول.
فـإرادة الإنسان هي مناط التكليف والمسؤولية، وبها يختار فعله بحرية قد توافق إرادة الله الخيّرة أو تخالفها.
أما مشيئة الله فهي الإطار الكوني الذي يحدّد نطاق الخيارات الممكنة للإنسان، فلا يستطيع تجاوزها.
وأما قول الله فهو الأمر الإلهي القاطع، أو القانون الرباني النافذ، الذي يحكم تحقق الأشياء ولا يُردّ.
وبذلك، يحتفظ الإنسان بحريته ضمن مشيئة الله، في حين تبقى نتائج أفعاله خاضعة لقول الله وسننه، ليكون الحساب الإلهي نتيجة مباشرة لاختياراته وإرادته الحرة.
ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى تناول مسألة علم الله وحدوده كما تتجلى في النص القرآني.
فهو يرى أن علم الله المطلق يحيط بكل ما هو موجود ومتحقق في الوجود، لكنه لا يتناول أفعال الإنسان قبل وقوعها لأنها لم تصبح "شيئًا" بعد.
وبذلك، يكون الله عالمًا بالممكنات ضمن مشيئته، ثم يعلم الفعل بعد تحققه واختياره من قبل الإنسان.
ومن هنا يتضح معنى الابتلاء والفتنة في القرآن، إذ هما الوسيلة الإلهية لإخراج ما في القلوب من نوايا مكنونة إلى أفعال مشاهدة تُصبح معلومة لله.
ويعتمد الكاتب في تحليله على التفريق بين القلب والدماغ:
فالدماغ هو مستودع المعلومات والتحليل، بينما القلب هو مركز القرار والإرادة.
ولأن القلب كيان روحي مغلق لا يُطّلع على مكنوناته مباشرة — لا من الشيطان ولا من الله — فإن الله يختبر الإنسان ليُظهر ما في قلبه لا ليكتشفه، بل ليحوّل المكنون إلى فعلٍ مشهود يكون أساسًا للمحاسبة.
ويمضي المؤلف في تعميق رؤيته بتفريق دقيق بين العلم الإلهي والمعرفة البشرية:
فـ“العلم” الإلهي يتم بالنقل المباشر لما يقع من أفعال عبر وسائط الملائكة، في حين أن “المعرفة” البشرية قائمة على الاستدلال والتجربة.
ولذلك فالله يعلم ولا يعرف، لأنه لا يحتاج إلى دليل أو استقراء لاكتساب العلم.
ومن هذا المنطلق، يفسّر الكاتب اختلاف تعامل الله مع الشخصيات القرآنية:
فـفرعون لم يُقضَ عليه إلا بعد أن تجلّت قسوة قلبه فعلاً، بينما أبو لهب حُكم عليه مسبقًا بعد أن اطّلع الله على قلبه المتحجر الذي فقد إمكانية التغيير.
وفي مجمل أطروحته، يسعى الدكتور رشيد سليم الجراح إلى تحرير الفكر الديني من الجمود الذي كبّله قرونًا طويلة، داعيًا إلى قراءة النص القرآني بوصفه منهجًا للوعي والاختبار لا منظومة جامدة من الموروثات الكلامية.
فالابتلاء الإلهي، في ضوء هذا الفهم، ليس وسيلة لاكتشاف المجهول عند الله، بل تفعيلٌ لإرادة الإنسان وإظهارٌ لجوهره الحقيقي.
وهكذا يصبح الإنسان شريكًا في صياغة قدره ضمن مشيئة الله، ومسؤولًا أمام خالقه عن إرادته التي اختار بها فعله، في انسجامٍ تام مع عدل الله وحكمته.