العربية  

books معركة يعبد

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

معركة يعبد (Info)


ما قبل المعركة

غادر عز الدين القسام وصحبُه حيفا، واتجهوا نحو قضاء جنين، وكان أصحابه في انتظاره في مكان متفق عليه، وأما بقية المجاهدين المنظمين في الخلايا فقد تفرقوا في القرى ليكونوا دعاةً إلى الجهاد، وليكونوا القادة المحرّكين عندما يحين وقت الإعلان والنفير العام. ويبدو أن الموعد كان في قرية نورس حيث ينتظرهم الشيخ فرحان السعدي، وهناك أقاموا في مغارة في أحد جبال القرية، ثم اتجهوا نحو قرية كفر دان، وكانت الشرطة قد أعلنت عن حوافز مادية لتشجيع القرويين على الإدلاء بمعلومات عنهم، ونشرت الشرطة خبراً يفيد أن المجموعة المطاردة في جبال جنين هي عصابة لصوص، وذلك لتضليل الناس والحصول على معلومات عن تحرّكها. ثم انتقلت الجماعة من كفر دان إلى قرية برقين، ومنها انتقلوا إلى جبال قريتي البارد وكفر قود.

وقد وصف عربي البدوي، وهو أحد أفراد العصبة المرافقين للقسام، هذه المرحلة من حركة الجماعة فقال:

«أثناء النهار كنت حارساً، وكان الشيخ وبقية المجاهدين يستريحون في مغارة، وبينما كنت أراقب أتى رجل معه عصا طويلة في رأسها قطعة حديد، وزعم أنه حارس مزروعات القرية، فأبلغت الشيخ القسام بخبره، فأمرني بتركه، وبعد برهة أدركت أنه جاسوس، وكان مقتنعاً أن المطارَدين عصابةُ لصوص، وكان البوليس على الجبل المقابل يتعقبنا، دون أن يعرف تحديد المكان، فأرسلوا شرطياً لنشتبك معه وينكشف مخبؤنا، فأمر الشيخ معروف الحاج جابر ومحمد أبو القاسم خلف بالذهاب إليه وأخذ سلاحه، وحين اصطدموا معه ابتدأت المعركة بينهم وبين باقي أفراد البوليس، وسمعنا صوت إطلاق النار، فهيأنا أنفسنا وتفرقنا بانتظارهم، واستشهد أثناء المعركة محمد أبو القاسم خلف الحلحولي، واستطاع معروف جابر الانسحاب والعودة إلى حيفا.»

وفي الثامن عشر من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) سنة 1935م ترك القسام وصحبه جبال كفر قود واتجهوا نحو خربة الشيخ زيد قُرب قرية يعبد حيث الشيخ سعيد الحسان أحد أفراد عصبة القسام، وفي الطريق لاحظ عربي بدوي متابعة الجواسيس خطواتهم، فطلب من القسام أخذ قسط من الراحة لبحث مسألة الجواسيس، يقول عربي:

«كان القسام يأخذ بآرائي مع صغر سني، فأخبرت الجماعة أن هذه القرى يوجد فيها من يتعقبون آثارنا، واقترحت أن ننقسم إلى فريقين: فريق يتجه إلى الشمال، ويعود إلى حيفا والناصرة، ويقوم أثناء سيره بتخريب سكك الحديد وقطع خطوط الهاتف التابعة للإنجليز واليهود، ثم يذهبون إلى نورس حيث يوجد الشيخ فرحان السعدي، ونلتقي جميعاً في الوادي الأحمر بين نابلس والغور، وهناك تملك الجماعة حرية أكثر، وتخف ملاحقة الجواسيس، فأُعجب القسام بهذه الفكرة، وطلب من المجاهدين الانقسام إلى مجموعتين: الأولى ذهبت إلى الشمال، وهي مكونة من عشرة رجال، ويدلهم على الطريق الشيخ داود الخطاب، والثانية توجهت نحو الغرب إلى ضواحي يعبد، وهم: الشيخ عز الدين القسام، وحسن الباير، وعربي البدوي، وأحمد عبد الرحمن جابر، ومحمد يوسف، ونمر السعدي، وعطية المصري، وأسعد المفلح، ويوسف الزيباوي. وفي الطريق نفد الماء، وكانت أحمالنا ثقيلة، فكل رجل يحمل بندقية وستين مشط فشك وحربة صنعها القسام عند أحد الحدادين تيمناً بسلاح الصحابة، يُضاف إليها الأغطية وأدوات السفر والطعام ... ثم واصلنا السير حتى وصلنا خربة الشيخ زيد.»

يوم المعركة

في اليوم التاسع عشر من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) أصبحت تحركات الجماعة تلاقي صعوبة شديدة، فقد وصل إلى جنين عدد كبير من رجال المخابرات والجواسيس، وانبثوا بين الناس في قرى القضاء، وكانوا يتخفون في زي عامل أو فلاح أو زبّال. وفي اليوم نفسه وصل القسام وصحبه خربة الشيخ زيد، ونزلوا في بيت الشيخ سعيد الحسان حتى صبيحة الأربعاء 20111935م، وهو اليوم الذي قُتل فيه عز الدين القسام. ويصف عربي البدوي مَشاهد من هذا اليوم فيقول:

«كان يوم أربعاء، وكنت أقف خفيراً في طرف حرش يعبد قرب خربة الشيخ زيد والطرم، ورفاقي داخل الغابة: الشيخ عز الدين وعصبته. ومع طلوع الشمس رأيت رجال البوليس يهجمون علينا، وهم على ظهور الخيل، ويتصايحون: «عليهم عليهم»، فأوزعت إلى رفاقي بأن يتوزعوا ويأخذوا أماكنهم ... وبدأتُ أطلق الرصاص، فجعلوا يتركون الخيل ويأخذون مواقع لهم على بطونهم خلف الحجارة والرجوم من أكوام الحجارة. وابتدأت المعركة غير متكافئة ... نحن تسعة، وهم يتوافدون عشراتٍ عشراتٍ إلى أن اكتمل عددهم، من مئتين إلى أربعمئة، ومعظمهم يحمل شارة بندقيتين على ذراعه، وهذا يعني أنه قنّاصٌ لا يخطئ. مكثتُ مدةً تزيد على عشرين دقيقة وأنا أطلق الرصاص واقفاً، لا يحجبني عنهم حجرٌ أو شجر، والمسافة بيني وبينهم لا تزيد عن خمسين متراً ... وأخيراً انتبه الشيخ رحمه الله، وصاح بأعلى صوته: «خذ الأرض، لن تموت شهيداً إذا مت على هذه الحال، أنت منتحر إذا لم تأخذ الأرض» ... تلقينا أمراً بالانسحاب، والتوغل داخل الغابة، وجُرح الشيخ أسعد المفلح من أم الفحم، وحاولت حمله، فناداني الشيخ: «اتركه واعتنِ بنفسك» ... وفي داخل الغابة وجدنا صخوراً تصلح للتمترس بها ... ضيقوا علينا الخناق، وأحكموا نطاق الطوق إلا من جهة واحدة، جهة الشمال، وكانت مكشوفة، والانسحاب منها معروفة نتائجه، فقررنا المقاومة حتى مجيء الظلام.»

وحين عرف القسام أن أفراد الشرطة يقتربون، أعطى للمجاهدين أمراً بألا يُطلقوا النار على أفراد الشرطة العرب، وأن يُوجهوا رصاصهم إلى الإنجليز، وكان الضباط الإنجليز قد وضعوا الشرطة العربية في ثلاثة مواقع أمامية، وتمترس الإنجليز خلفهم، ولم تكن الشرطة العربية تعرف حقيقة الجهة التي أُحضروا إليها، وحقيقة الجماعة التي يطاردونها، فقد ادّعوا لهم بأن المطارَدين لصوصٌ يهددون أمن البلاد. واتخذت المعركة بين الطرفين شكل عراك متنقل، وساعدت كثافة الأشجار على انتقال أفراد الجماعة من موقع إلى آخر، ودامت المعركة مستمرةً من الصباح الباكر حتى وقت قُبيل العصر، وقد ثبت المجاهدون وأبوا الفرار، وكانوا يستطيعون ذلك، وبدت أمامهم فرصة للنجاة عندما ناداهم الضابط البريطاني: «استسلموا تنجوا»، فأجاب القسام: «لن نستسلم، هذا جهاد في سبيل الله»، ثم هتف بأصحابه: «موتوا شهداء»، فردد الجميع: «الله أكبر الله أكبر».

فقُتل في المعركة: القائد عز الدين القسام، وثلاثة من أصحابه: يوسف عبد الله الزيباوي من قرية الزيب في قضاء عكا، وعطية أحمد المصري وهو مصريّ جاء عاملاً إلى حيفا، وأحمد سعيد الحسان من نزلة زيد. وجُرح في المعركة: نمر السعدي من غابة شفا عمرو، وأسعد المفلح من أم الفحم. وأُسر في المعركة: حسن الباير من برقين، وحُكم عليه بالسجن 14 عاماً، وأحمد عبد الرحمن جابر من عنبتا، وحُكم عليه بالسجن 14 عاماً، وعربي البدوي من قبلان، وحُكم عليه بالسجن 14 عاماً، ومحمد يوسف من سبسطية. وأما الإنجليز فقد قُتل منهم أكثر من 15 قتيلاً في المعركة.

نتائج المعركة

توفّي القسام في معركة يعبد، فوجدوا في ثيابه مصحفاً وأربعة عشر جنيهاً فقط، وقد زعم بعض المؤلفين أن القسام باع بيته في حيفا قبل خروجه، ورُوي أن القسام لم يكن يمتلك بيتاً، وإنما كان يسكن بيتاً مستأجراً، وكذلك رفيقه محمد الحنفي، مع أن القسام والحنفي قد وصلت لأيديهم آلاف الجنيهات، فكانوا ينفقونها في شراء السلاح.

نُقلت جثامين القتلى من ساحة المعركة إلى جنين، ثم أرسلت إلى حيفا لتُسلّم إلى ذويها، واشترطت السلطات البريطانية شرطين: أولاهما: أن يكون الدفن في الساعة العاشرة من صباح الغد، الخميس 21111935م، وثانيهما: أن تسير الجنازة من بيت عز الدين القسام الواقع خارج البلدة إلى المقبرة في بلد الشيخ، فلا يُستطاع السير بالجثامين داخل المدينة.

وصدرت الصحافة المحلية تحمل نبأ وفاة القسام في صفحاتها الأولى، وعندما وصل النبأ إلى الناس أقفلت حيفا محالّها، وتدفقت إلى بيت القسام، وجاءت الوفود من جميع أنحاء فلسطين لتشارك في تشييع الجنازة، وأخذت المآذن تزفّ الخبر في جميع أنحاء البلاد. وحمل الناس نعوش القتلى الثلاثة، واتجهوا إلى جامع الجرينة (النصر) في وسط حيفا، مخالفين شرط السلطات البريطانية، وبعد صلاة الجنازة أبّن الشيخ يونس الخطيب قاضي مكة الأسبق القتلى بكلمة مؤثرة، بيّن فيها «أجر الشهداء عند ربهم».

وقالت جريدة الجامعة العربية بتاريخ 311936م: «يحتفل أبناء فلسطين بإحياء ذكرى مجاهد من سورية الشمالية سقط شهيداً في سبيل استقلال سورية الجنوبية، وليس ذلك فحسب، بل قاد حملة جهاد لعلها الأولى من نوعها في تاريخ الإسلام الحديث في فلسطين وسورية والشرق العربي بأسره».

وقال عبد الوهاب الكيالي في كتابه «تاريخ فلسطين الحديث» مبيناً نتائج معركة يعبد:

«ولقد كان لاستشهاد القسام البطولي أثر عميق في فلسطين كلها، وسرعان ما أصبح رمزاً للتضحية والفداء ... وهكذا ألقت ثورة القسام ظلاً كبيراً على المسرح السياسي الفلسطيني، وأصبحت كل محاولة لإقامة تقارب بين الفلسطينيين والسلطات الحكومية مكتوباً عليها الفشل، وبعد أقل من شهر من اصطدام الجيش بالقسام أصبحت دائرة التحقيقيات الجنائية تعرب عن قلقها من تطور الأحداث، وعمَّ الحقد على الحكومة قرى فلسطين كلها، وأصبح الرأي العام ينظر إلى القسام وأتباعه نظرة تقدير بالغ ويعتبرهم أبطالاً وشهداء.»
Source: wikipedia.org
 
(1)
Ark Battle

Ark Battle