العربية  

books قصة علبة الصفيح

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

قصة علبة الصفيح (Info)


منذ أكثر من مئة سنة تبرع نابليون بمكافأة قدرها 12,000 فرانك للشخص الذي يبتكر آنية يمكن أن يحفظ فيها الطعام أثناء الحروب، هذا هو بداية قصة علبة الصفيح.

لاحظ الإنسان كما رأينا منذ قديم الزمان تعاقب الفصول فأفاده ذلك كثيرا في شئون الزراعة، كما ارتبط بهذه المواسم في طعامه، فالإنسان الذي يعيش في منطقة من مناطق الأرض لا يتسنى له مهما جاهد في فلاحة أرضه أن يخرج منها كل ما تشتهي نفسه من حبوب وفاكهة. فكان عليه أن يصنع ما يصنعه النمل فيختزن طعامه حتى لا يكون تحت رحمة الطبيعة.

و أقدم طريقة لحفظ الطعام هي تجفيفه، وكثير من الشعوب الفطرية عرفت ذلك، فالهنود الحمر كانوا يجففون الحبوب والسمك والفاكهة، كما يفعل أهل السودان في تجفيف اللحوم. وطريقة حفظ الطعام بتثليجه عرفتها بعض الشعوب التي كانت تعيش في البلاد الباردة، التي يتيسر لها حفظ اللحوم في الماء المثلج أو في جوف الأرض. أما في البلاد الحارة فقد اكتشف الإنسان أن اللحوم المطبوخة لا تتعفن بسرعة كاللحوم النيئة، ومن هنا بدأت سلسلة طويلة من التجارب لحفظ الطعام تجارب مرت عليها قرون انتهت بابتكار علبة الصفيح.

و السر في نجاح علبة الصفيح في حفظ الطعام هو إحكام قفلها وحجزها عن التأثيرات الجوية الخارجية. وليس هذا بالشئ الجديد. فقد وجد الطعام محفوظا بين مخلفات كثير من الشعوب القديمة كالمصريين وغيرهم؛ فاكتشف الباحثون في جزيرة كريت من جزر البحر الأبيض بقايا قصر قديم يرجع تاريخه إلى ألفي سنة قبل الميلاد وفي مخازن هذا القصر الأرضية وجدوا جرارا عظيمة أحكم قفلها أعدت لحفظ الطعام.

و لكن الفضل في ابتكار علبة الصفيح الحديثة يرجع كما ذكرنا إلى نابليون، ذلك أن مبلغ الأثني عشر ألف فرنك التي وهبها مكافأة لهذا الابتكار لم تكن بالمبلغ الهين في تلك الأيام، إذ أنها أثارت ضجة في فرنسا جعلت التنافس عظيما بين صانعي الخبز وبين مقطري الخمور وغيرهم لاكتشاف طريقة لحفظ الطعام. وبقي هذا المال معلقا اثنتي عشرة سنة حتى استحقه صانع للحلوى يدعى "أبيرت" كرس حياته لحل هذه المعضلة.

و مع ذلك لم يكف أبيرت يده عن العمل بعد أن كسب هذا المبلغ، بل راح يعمل بجد في تحسين اكتشافه حتى أفنت تجاربه المال الذي عنده ومات في ضيق.

و من حسن الحظ أن الحكومة الفرنسية قامت بنشر طريقة أبيرت حين منحته المكافأة. وهذه الطريقة لا تختلف كثيرا عما نقوم به في مصانع حفظ الطعام الكبرى اليوم وهي التي تغمر بمنتجاتها أرجاء الأرض، والتي تحفظ في علب الصفيح ألوان الأطعمة شهورا وسنين.

أما أبيرت فلم يحفظ الطعام في علبة من الصفيح إذ أنها كانت مجهولة في أيامه، ولكنه كان يستخدم آنية من الزجاج والخزف، وذلك بوضع أنواع الطعام في ماء ترتفع درجة حرارته إلى الغليان ثم يحكم اغلاقها.

و إن كان ذلك يبدو سهلا بسيطا، إلا أنه احتاج إلى سنين طويلة وإلى رجل مثل أبيرت راح يجرب أنواع الأطعمة المختلفة ودرجات الحرارة المختلفة وأنواع الآنية العديدة، أخذ يجرب النسين الطويلة حتى وثق من أنه في الطريق إلى هدفه.

و كان أبيرت يعتقد أن الهواء هو الذي يفسد الطعام لذلك كان همه منصرفا إلى حجز الهواء عن آنية الحفظ، وكانت العملية صحيحة في ذاتها إلا أنه أخطأ التفسير. وظن الناس معه هذا الظن، حتى جاء مواطنه باستير العظيم فاكتشف أن الهواء ليس هو الذي يسبب فساد الطعام بل الكائنات الدقيقة التي تعيش فيه وهي البكتيريا، واكتشفت أن هذه الكائنات تموت برفع درجة الحرارة. فاكتشف باستير قد فسر حقيقة ما صنعه أبيرت وعجز عن تعليله.

و بينما كان أبيرت يجرب عملية حفظ الطعام في آنية الزجاج والخزف، كان صانع إنجليزي يعمل من ناحيته فاخترع أول علبة من الصفيح وكانت عند عرضها في سنة 1807 قبيحة المنظر وثقيلة الوزن.

و انتقلت طريقة أبيرت من فرنسا إلى إنجلترا، وجاء الأمريكيون وتعلموا صناعة الصفيح وخفظ الطعام ونقلوها إلى أمريكا. وبدأوا هناك بتجربة حفظ الفاكهة والسمك وغيرها حتى صارت هذا الصناعة من أعظم الصناعات التي تدر الملايين من الجنيهات على أمريكا وعلى غيرها في كل عام.

و ليست أهمية علبة الصفيح منحصرة في هذه الملايين من الجنيهات، بل تعدتها إلى الأثر الذي تركته في حياة الإنسان الذي كان مقيدا في حركته وفي طعامه وشرابه، وكان عاجزا عن البقاء في مكان ما إذا كان خاليا مما يأكله، فكانت اكتشافاته الجغرافية محدودة، وكانت رحلاته البحرية الطويلة غير متيسرة، بل كان اتساع المدن التي يسكن فيها متوقفا على كمية الغذاء التي يمكن أن تستوردها المدينة من الحقول حولها.

أما اليوم فقد تغلب الإنسان على كل هذا بفضل علبة الصفيح البسيطة.

Source: wikipedia.org