If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
فإن من سنن الحياة أن تتباين الأفكار وتختلف الآراء، وأن تنشأ بين الناس خلافات في الرؤى والمواقف، وهذا الاختلاف سنة كونية أرادها الله عز وجل لحكمة بالغة. قال تعالى: "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ" [هود: 118].
وفي خضم هذا الواقع، يتجلى دور الشريعة الغرّاء في وضع أسس وقواعد تنظم التعامل مع الخصوم، سواء أكانوا من المسلمين أو من غيرهم، في سياق يضمن العدل، ويرعى الحق، ويمنع تجاوز الحدود الشرعية التي تؤدي إلى الظلم أو الانتقام الجائر.
وقد جاءت هذه الرسالة المباركة لتسلط الضوء على "فقه التعامل مع الخصوم"، وهو فقه جامع بين نصوص الوحيين (القرآن والسنة) وفهم السلف الصالح، مستنير بتجارب العلماء الراسخين ومواقفهم الرشيدة.
ويتناول الكتاب القواعد الشرعية التي تضبط التعامل مع الخصومة، بدءًا من معرفة أسباب الخلاف وطرق إدارته، ومرورًا بضوابط الرد، وصولًا إلى الوسائل التي تعين على تقليل آثاره، مستندًا في ذلك كله إلى أدلة الكتاب والسنة وأقوال العلماء.
وليس الهدف من هذا الكتاب مجرد بيان الأحكام الشرعية، بل غايته الأسمى هي الإصلاح والتقريب، وتوجيه المسلمين إلى الأدب الراقي في الخلاف، تأسّيًا بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي قال: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" [البخاري ومسلم].
إن هذا الكتاب دعوة صادقة لإحياء منهج الإسلام الوسطي في إدارة الخلافات، بعيدًا عن التعصب والجهل، وتأكيدًا على قيم العدل والإحسان التي جاء بها ديننا الحنيف.
أسأل الله تعالى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به الأمة، ويعين به على رتق الفجوة بين المتخاصمين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والحمد لله أولًا وآخرًا.
كتبه
فضيلة الشيخ
حذيفة بن حسين القحطاني
مسؤول افتاء محافظة صلاح الدين