If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
كان طلبة العلم يرتحلون في طلب العلم بعد أن تنفد المناهل العلمية في قريتهم ومحيطهم، وفي مطلع القرن الرابع عشر الهجري (أواخر القرن التاسع عشر الميلادي) لم يكن في جبلة إلا الكتاتيب التي تعلم أصول القراءة والكتابة وتلاوة القرآن وحفظه، ولم تكن قرى الساحل السوري ومدنه أوفر حظاً من جبلة، ولم تعد حلقات الدرس في الجامع الأموي بدمشق في المستوى الذي يستحق الرحيل إليه، فلم يبق إلا الجامع الأزهر في القاهرة، فارتحل إليه عز الدين القسام عندما بلغ الرابعة عشرة من عمره، سنة 1314هـ الموافق 1896م.
أما طريقه إلى الجامع الأزهر فقد جاءت فيه ثلاث روايات: الأولى: إنه ركب قارب صيد من جزيرة أرواد إلى الإسكندرية، وانتقل من الإسكندرية إلى القاهرة براً. والثانية: إنه غادر متوجهاً إلى القاهرة، وكان يرافقه أخوه فخر الدين وعز الدين التنوخي ورضا مسيلماني ومصطفى مسيلماني وذيب البيرص وناجي أديب (ابن خالة عز الدين) ومنح غلاونجي. والثالثة: إنه ذهب مع أبيه عام 1896م إلى جزيرة أرواد القريبة ليسافر على أحد قوارب الصيد إلى الإسكندرية، فسافر عز الدين وابن خالته ناجي أديب وبرفقتهم أخوه فخر الدين وعز الدين التنوخي وبعض طلاب العلم. وتجتمع هذه الرواية مع الرواية الأولى في أنه سافر عن طريق جزيرة أرواد بقارب صيد، وتجتمع الثانية مع الثالثة في إثبات رفاق في الرحلة من أرواد إلى مصر.
هناك اتفاق بين الرواة على أن عز الدين القسام ارتحل إلى الأزهر عندما بلغ الرابعة عشرة من عمره، وهناك اختلاف في المدة التي أمضاها في الدراسة، فمنهم من قال: إنها ثماني سنوات، ومنهم من قال: إنها عشر سنوات، وليس هناك إحصاء يبين المشايخ الذين تتلمذ عليهم القسام، ولا دراسة حول المنهج الدراسي والعلوم التي درسها، أو العلوم التي كان يميل إليها وتبحّر في دراستها. ومن المؤكد أن القسام لم يشهد نظام مراحل الدراسة، لأن تقسيم الدراسة الأزهرية إلى مراحل دراسية كان في سنة 1911م أي بعد مغادرة القسام الأزهر، وكانت الدراسة قبل هذا التاريخ تسير على طريقة الحلقات، دون نظام للقبول والامتحانات والشهادات، ودون التمييز بين مختلف المراحل الدراسية، ودون تحديد للمناهج. وبهذا نستطيع أن نقرر أن عز الدين القسام نال شهادة الأزهر العالية دون أن يمر بالمراحل الدراسية: الابتدائية فالثانوية، بل اعتمدت دراسته على الجهد الحر في الدراسة، وكان الانتقال من منزلة إلى أخرى بمقدار ما يستوعب من العلوم التي تؤهله للارتقاء إلى مصافّ العلماء. وكانت العلوم الشرعية (الفقه والتفسير والحديث والأصول) والمواد اللغوية (النحو والبلاغة) هي مدار الدراسة الأزهرية.
وقد روى عز الدين التنوخي زميل عز الدين القسام أن المال نفد منهما وهما في مصر يدرسان في الأزهر، فاقترح القسامُ أن يعدّ التنوخي الحلوى (الهريسة أو النمورة) وأن يقوما ببيعها، ليوفرا من ربحها حاجاتهما، ويستغنيا عن سؤال ذوي اليسار من رفاقهما، فاستفظع التنوخي الأمر وقال: «ولكني أخجل ولا أستطيع المناداة»، فأجابه القسام: «أنا أصيح على بضاعتنا»، وبهذه الوسيلة تمكن الاثنان من مواصلة الدراسة. وذات يوم جاء والد التنوخي لزيارته في القاهرة، وقبل دخوله الأزهر وجد ابنه إلى جوار القسام خلف صينية الهريسة، فسأل: «ما هذا؟» فأجابه ابنه محاولاً رد التهمة عن نفسه: «عز الدين علمني، وهو صاحب الفكرة»، فقال له: «حقاً لقد علمك الحياة»، وفي رواية أخرى: «لقد علمك الاعتماد على النفس، وكسب الرزق الحلال الطيب، وحفظ ماء الوجه من ذل السؤال».