العربية  

books سياسة بريطانيا في جنوب اليمن

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

سياسة بريطانيا في جنوب اليمن (Book)


لكى نوضح أبعاد السياسة البريطانية، نتذكر ما قاله المستر لويد جورج مرة من أن المبدأ المرن فى السياسة هو أصلح المبادئ لحل المشكلات الخارجية والاستعمارية... وإن أجلى ما هنالك من مظاهر المبدأ المرن، هو ما كان يصنع فى دار الإقامة البريطانية فى عدن من الأعمال السياسية، بينما كلها درجات فى الضغط والإرخاء، فى الربط والحل، توجبها أحوال القبائل الفاطنة فى الجنوب اليمنى، كيف لا... وهناك تباين كبير بين أمرئها. فمنهم الشديد الفقر، ومنهم الشديد الغنى، ولا يمكن للحاكم الذى لا يهمه من الأمر غير الحكم والمصلحة أن يشملها كلها بنفوذه إلا إذا عمل بقاعدة لويد جورج السياسية...

ولهذه القاعدة مظاهر شتى، أولها المعاهدات الولائية، ثم دفع الرواتب الشهرية أو السنوية، ثم منح الألقاب والنياشين، وكذلك تخصيص الهدايا الموسمية لهؤلاء السلاطين، والتدخل فى السياسة المحلية عند انتخاب أو تعيين أحد الحكام، والتحزب لبيت طامع فى الملك على بيت مالك، أو عكس ذلك، وأخيراً وإن كان يصح أن يكون الأخير أولا... المحافظة على استقلال كل سلطان وأمير عملا برغبتهم وبمصلحة بريطانيا. وكان هذا هو دور الولاء والعطاء، واتخذت العلاقات طابعاً واحداً بين بريطانيا والقبائل المجاورة لعدن، أى تلك المعاهدات الولائية المتشابهة، أو معاهدات الصداقة، كما تحلو لبريطانيا أن تسميها.
وقد انتقلت القبائل العربية فى جنوب اليمن من طور الصداقة إلى طور الحماية بهدوء، ونتيجة للتداخل بين منتطقتى النفوذ البريطانية والعثمانية فى الجنوب اليمنى، صدرت التعليمات إلى المقيم السياسى فى عدن كى يسعى لتنظيم تسوية مع الوالى التركى لليمن لتنظيم الحدود بين منطقتى النفوذ، واستمرت المناقشات الدبلوماسية بين الحكومتين العثمانية والبريطانية فى سبيل الوصول إلى اتفاق للحدود.
إلا أنه على أية حال، لم يستمر النزاع طويلاً بين البريطانيين والأتراك بالنسبة لمسألة الحدود، فإن العثمانيين الذين اتخذوا لهم من اليمن بل من الجزيرة العربية كلها عمقاً وظهيراً لهم أثناء مواجهتهم للانجليز فى الجنوب، واجهوا فى اليمن نفسه ثورات عارمة أدت إلى تأرجح موقفهم فيه، مما أدى بالتالى إلى انحسار المد التركى المتغلغل فى إمارات الجنوب.
وتجدر الإشارة إلى أن اعتمادنا -فى إعداد هذه الدراسة- كان على المصادر الأوربية نظراً لعدم توافر المصادر العربية الأصلية التى تعالج هذا النوع من الدراسة. ومن هذه المصادر كتب الرحالة والرواد وكذلك كتب المقيمين البريطانيين والضباط السياسيين الذين عملوا فى مناطق الجنوب.