العربية  

books الاستكلاب ظاهرة فلسفية

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

الاستكلاب ظاهرة فلسفية (Book)


يقال عنه بأنه عالم غريب لا يُعرف عنه الكثير حتى الآن، ولكنه بدأ ينتشر بشكل كبير في أوروبا وخاصة بريطانيا، حيث يريد عدد من الرجال البالغين أن يكونوا "كلابًا"، يرتدون أزياء الكلاب المصنوعة من اللاتكس والجلد ولديهم علاقات مع عمال من البشر، والمتحمسين لها يقولون إنها ليست دائمًا مسألة جنسية ولكنهم يريدون فقط أن يعيشوا حياة الكلاب، ووصل عدد المنخرطين بظاهرة "الكلاب البشرية" في بريطانيا وحدها 10 آلاف فرد.
والكلاب البشرية هم بشر على هيئه كلاب يلبسوا ويتعاملوا مثل الكلاب بالضبط معظمهم من الرجالة وابتدأوا ان يظهروا في الوطن العربي بكثره وبالأخص في مصر والسعودية ولبنان والأغرب أنهم بكامل قواهم العقلية والأكثر من هذا يصل راتبهم الشهري لأكثر من 7000 دولار.
ففي عام 2016 أخرجت منصة Firecracker وثائقيا تحت عنوان " الحياة السرية للكلاب البشرية Secret life of the human pups لنرى وثائقيا فريدا من نوعه، فهو يرصد الروتين اليومي لحياة مجموعة من الكلاب، لكنه مع ذلك لا يشابه وثائقيات الحياة البرية والبحرية الشهيرة، فأنت هنا لن تشاهد أسدا يفترس غزالة، ولن ترى معاناة اصطياد سمكة التونة العنيدة، لكنك بدلا من ذلك سترى مجموعة من البشر يرتدون أزياء جلدية ضيقة، ويعتمرون أقنعة كلاب فوق رؤوسهم، ويشمون على أربع، ولا يصدرون إلا النباح.
هم بشر في الهيئة، لكنهم يعرفون أنفسهم بوصفهم كلابا، شأنهم في ذلك شأن بشر يعرف نفسه كإمراه أو امرأة تتفاخر بأنها تنجذب فقط للنساء، فما حكاية هؤلاء الكلاب البشرية ؟، ومن أي رحم خرج هذا السقط المقزز إلى عالم الإنسان؟
ففي حوار لصحيفة The Guardian البريطانية مع أحد المستكلبين، والذي يدعى " توم Tom " أو سبوت Spot"، قال هذا الكلب البشري أنه يستمتع بعيش حياة الكلاب، ولو بشكل جزئي، فهو لا يقلقون بشأن المال أو الطعام أم العمل، ولا تشقيهم أي من مشكلات الإنسان المعهودة، مما دفعه لتعريف نفسه بوصفه كلبا، مرتديا بدلة جلدية بيضاء فيها نقط سوداء، وقناعا على هيئة رأس كلب.
إلا أن المفارقة الأكبر هي أن رعيته، كانت خطيبته التي رفضت إتمام زواجها به، ولكنها لم تجد غضاضة في رعايته ككلب، بل أدى ذلك للتقارب بيهم بصورة أكبر، كما يزعم هذا المستكلب، والذي لا يمثل نفسه وحسب، وإنما يعبر عن نفسه عن عشرة آلاف بشري، يعيشون حياة الكلاب في بريطانيا، فضلا عن آلاف آخرين يعيشون في أنحاء أوروبا ليشكل ظاهرة فريدة من طمس الفطرة، والتي لم تحظ بقبول واسع في أوروبا حتى الآن، بالرغم من قبول متحولين آخرين طمسوا فطرتهم واختاروا لهم هوية غير التي خُلقوا عليها.
والسؤال الآن والمهم: أين ومتي بدأت ظاهرة الكلاب البشرية؟، وما أسباب ظاهرة المستكلبين أو الكلاب البشرية؟، وما قصة الرجال مقطوعي الرأس وعلاقتهم بظاهرة الاستكلاب؟
إن البشر الكلاب والبشر مقطوعي الرأس، وأمة العيون الواحدة.. مخلوقات غريبة ما بين الأسطورة والتاريخ، وهناك روايات تاريخية عن هذه المخلوقات منذ العصور القديمة وإلى العصور الوسطى، تحديدا بالمناطق النائية وفي أماكن شتى من العالم. ولعل هذه الوفرة في الروايات من ناحية الزمان والمكان وتعدد مصادرها هي التي أسبغت على الموضوع نوعا من الواقعية بعيدا عن عالم الأساطير، أو بالأحرى دفعت الباحثين للتنقيب والبحث عن الأصل الواقعي للأسطورة.
ودعونا نبدأ رحلة حديثنا من العصور القديمة، فقد جاء ذكر الرجال مقطوعي الرأس ( Headless men ) على لسان هيرودوت في تاريخه، وذلك في معرض حديثه عن الأقوام الساكنة في ليبيا القديمة، فزعم وجود هذه المخلوقات في الجزء الشرقي من البلاد إلى جانب مخلوقات غريبة وقبيحة أخرى كالبشر الكلاب وإنسان الغاب المتوحش.
وفي السياق ذاته ذكر المؤرخ اليوناني "بليني الأكبر" في تاريخه الطبيعي قبيلة ( بليميا Blemmyae ) وعدّهم من قبائل شمال أفريقيا وقال: (ليس لديهم أي رؤوس، وأفواههم وعيونهم تقبع في صدورهم )، وقيل بأن هذه القبائل تقطن في أثيوبيا، وأما المؤرخ سترابو فقال جاء على ذكرهم أيضا، حيث قال بأنهم مسالمين ويعيشون في الصحراء الشرقية بالقرب من مدينة مروي في السودان. وفي الواقع كانت هناك بالفعل قبيلة تدعى بليميس عاشت جنوب مصر وخاضت حروب عدة ضد الرومان.
وهناك صورة من مخطوطة اوربية قديمة لعالم اللاهوت الفرنسي صموئيل بوخارت تطرق إلى كلمة (البليميا) وقال بأنها مشتقة من مصطلحين أو كلمتين عبريتين معناهما "بلا دماغ". مما يعني أن شعب البليميين كانوا بشرا بلا أدمغة.
وخلال عصر الاستكشاف، تحدث المستكشف والمغامر الانجليزي السير والتر رالي عن رجال مقطوعي الرأس أطلق عليهم أسم ايوايبانوما، وذلك في معرض حديثه عن رحلته الاستكشافية إلى مقاطعة غوايانا في فنزولا، وأستشهد كذلك بما ذكره بعض الرحالة الأسبان الأوائل في كتبهم.
أما البشر الكلاب، فشعب الأزتيك في المكسيك كان يؤمن أيمانا مطلقا بوجودهم، زعموا بأنها وحوش تقتل الصيادين، وآمنوا بأن هذه المخلوقات التي تسمى نجويل (Nagual ) تسرق الجبن وتغتصب النساء لكنهم لا يقتلون أحدا ما لم يتعرض لهم.
والسؤال الآن: هل ظاهرة الاستكلاب لها علاقة بأسطورة الاله انوبيس الفرعوني؟
أغلب الظن أن معظم تلك الأساطير مستمدة من أشكال الآلهة الفرعونية القديمة، خصوصا انوبيس، أله الموتى الذي يتجسد في هيئة إنسان برأس أبن آوى، وكذلك حابي، وهو أحد أبناء حورس الأربعة الذين يحرسون عرش اوزيريس في العالم السفلي، والذي يظهر بهيئة إنسان برأس قرد البابون، وهو شبيه بالكلب طبعا. ومن وحي هذه الأساطير المصرية القديمة ظهرت أسطورة البشر المستكلبين (Cynocephaly ) فذكرت المصادر الإغريقية القديمة أن هؤلاء البشر هم أقوام متوحشة تسكن الهند وتستوطن الجبال العالية، وقالوا بأن هذه الأقوام أو القبائل تتواصل مع بعضها عن طريق النباح وتعتاش على الصيد. أما المؤرخ الشهير هيرودوت فقد ذكر بأنهم من الأقوام التي تستوطن شرق ليبيا القديمة، وقد تطرقنا لهذا أنفا.
وهناك نقش قديم للقديس كريستوفر، فالكثير من الناس في العصور القديمة كان يؤمن بأن هذه المخلوقات موجودة حقا، لا بل هي كانت حقيقية في نظرهم إلى درجة أن جدلا طويلا ثار حول كونها من نسل آدم وحواء أم لا.
وثمة نقطة جديرة بالإشارة وهي أن بظاهرة الاستكلاب ربما لها علاقة بأسطورة المستذئب الاوروبية ؛ فالإيمان بوجود البشر الكلاب أستمر خلال العصور الوسطى في أوروبا، ولعل أسطورة الرجل الذئب (Werewolf ) مستمدة أصلا من أسطورة الرجل الكلب.
ومن الأساطير الغريبة الأخرى التي تطرقت لها المصادر القديمة هي تلك التي تحدثت عن مخلوقات ذات عين واحدة، وهي مخلوقات كان لها شهرة واسعة لدى الإغريق والرومان، وعرفت بأسم سايكلوبس (Cyclops )، وقيل بأنها من جنس العمالقة ؛ وهناك أسطورة أخرى عن ذوي العين الواحدة، وهي تتحدث عن الشقيقات غراييا، وهن ثلاث شقيقات ساحرات كن يتناوبن النظر بعين واحدة، كل واحدة منهن كانت تنتظر دورها لتأخذ العين وتنظر بها.