If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
لم تتسع دائرة الأوهام في عصر كما اتسعت في هذا العصر، ولم تفسد الأوهام قيمة من القيم كما أفسدت قيمة الحب وحوَّلته من علاقة إنسانية راقية إلى سلعة تجارية فاسدة. وقد نجح الأستاذ أمين الصلاحي في استقراء أوهام سبعة للحب يرى أنها كانت وراء الخلل الذي أصاب هذه القيمة في الصميم.
ومما أثار إعجابي وزاد في تقديري للأستاذ أمين أنه أجاد التتبع وأغنى كتابه بالقراءات العديدة والأمثلة التي حققت لكتابه أقصى معاني النجاح.
وما كان له أن يصل إلى النتائج الموضوعية التي أثبتها لو لم يكن على اطلاع واسع وعميق بموضوع الحب في جوانبه المختلفة الإيجابي منها والسلبي، الإنساني والشيطاني إذا جاز التعبير.
وما أحوج شبابنا اليوم إلى مثل هذه الدراسات الواعية للواقع والمنطلقة بموضوعية من التجارب السائدة حتى لا يقع الشباب فريسة للأضاليل والأوهام التي روّجت لها الأفلام الخليعة والروايات ذات الطابع الجنسي.
ومن الميزات الجديرة بالإشادة في هذه الدراسة أنها اعتمدت على رؤى عملية وواقعية، كما أنها لا تكتفي بعرض الآراء وتحليلها بمنطق اللحظة الراهنة والسريعة وإنما تمتد بها نحو المستقبل وتضع لها حلولاً وخلاصات على درجة عالية من الدقة والانضباط. وقد يكون العنوان الذي وضعه المؤلف للكتاب صادماً بعض الشيء؛ إذ قد يوحي للوهلة الأولى بأنه ينكر وجود الحب أو يشكك في وجوده، والحقيقية غير ذلك تماماً فهو يقدم نمـاذج للحـب في صـورته المثلــى كمــا يقدم أوهام الحـب، أو ما يراها البعض حباً وهي أبعد ما يكون عن الحب في صورته ومعناه الحقيقيين، وإنما هو ضرب من الاستشهاءات الجنسية التي تسعى إلى تدمير كل معنى جميل للحب.
وسوف يلاحظ القارئ أن في كل باب من الأبواب السبعة التي ترصد الأوهام وقفات عميقة بارعة تشير إلى الحب الصحيح في مكوناته الروحية والأخلاقية وأنه بدون الحب بمعناه العام تجف القلوب وتتحجر النفوس، وفي ما أورده العلاّمة ابن حزم في كتابه الشهير "طوق الحمامة" والعلامة ابن قيم الجوزية في "روضة المحبين" ما يحفظ لهذه العاطفة نبلها وسَويّتها، وما يحررها من الوقوع في قبضة المتزمتين والمتطرفين الذين ضيقوا على البشر ما كان واسعاً في دينهم، أو الذين خرجوا عن قيم الدين وافتعلوا صراعاً ما كان ينبغي أن يوجد وأن يتسبب في الحد من مشروعية العاطفة من ناحية، أو إطلاق العنان لغرائزها المكبوتة إلى ما لانهاية من ناحية ثانية.
وكنت قبل استكمال قراءة هذا الكتاب قد توقفت طويلاً عند مقدمته البديعة التي تختزل في إشارات واضحة كثيراً مما ورد في صفحاته، ومن ذلك هذه الفقرة الدالة: "في المجتمعات المحافظة حيث يعتبر الحديث عن الحب من المحرمات ومن الأمور المشمولة بلفظ (العيب) تكون البيئة خصبة جداً لنشوء أوهام الحب، ففي الوقت الذي يتنـزه فيه كثيرون –تصنعاً ورياءً- عن الحديث في أمور الحب يكون الباب مفتوحاً على مصراعيه للمتاجرين باسم الحب، وأعني بهم أولئك الذين احترفوا الحديث عن الحب، وعملوا على تقديمه في صور جذابة ومشوقة، ولكنها مليئة بالزيف والوهم وينقصها الكثير من الصدق والواقعية والموضوعية".
في هذه السطور القليلة من المقدمة يلامس الأستاذ أمين الصلاحي جوهر المشكلة التي تصدّى لمواجهتها مستفيداً من آراء كثير من القدماء والمعاصرين، ومسترشداً قبل ذلك وبعد ذلك بالحديث النبوي الشريف: "الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف".
ولا أنسى في ختام هذا التقديم أن أشير إلى ما يتمتع به الكتاب من جمال الأسلوب وعذوبة التعبير، كما لا تفوتني الإشارة إلى أهمية الفصل الرابع الخاص بوهم الحب الأول وما بذله فيه المؤلف من استقصاء في المتابعة وإجادة في إيراد الأمثلة. والله ولي التوفيق.
أ.د. عبدالعزيز المقالح
كلية الآداب – جامعة صنعاء
2/5/2012م