If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
فلما زرت البلد بعد غياب طويل أردت أن أدون بعض ملاحظاتي، وأقدم حلولا لبعض المشاكل التي وقفتُ عليها حسب ما ظهر لي؛ ولكنني قررت أن أدون هذه الأمراض وحلولها بالطريقة التي ارتضيتها لنفسي، ولم اسلك طرق التأليف المعهودة والمناهج المطروقة، التي تبدد الطاقات، وتضيع عمر القارئ بتعريفاتها طويلة، ومبالغاتها الظاهرة؛ رغم أهمية التعريفات؛ لوقوف التصورات الصحيحة عليها، وتمييز العلوم بعضها عن بعض، ولكنها ليست ضرورية في جميع الأحوال، وإنما يستعمل حسب الحاجة، وما لا تقتضيها الحاجة يعتبر تضييعا للوقت، ونفخا للكتاب بما لا طائل تحته.
وعلى هذا سأسوق أمراضا متعددة تعصف على بلدنا، وحلولَها بسياقات يفهم منها اللبيب الخيط الذي يربط بين أجزاءها، وقد لا تظهر لغير المتأمل في أول الوهلة إلا بعد التأمل؛ لأنني أردت أن أشير إلى الفكرة عن طرف خفي أحيانا؛ لاقتضاء المقام، وأصرحها تارة أخرى؛ لدفع الاحتمالات عنها.
والأمراض التي نعانيها تنقسم إلى أمراض حقيقية أصلية وأعراض لهذه الأمراض؛ فإذا زالت أو نقصت الأمراض الأصلية فإن الأعراض تختفي أو تنقص تبعا لها؛ وعليه يجب علينا أن نوجه جهودنا نحو معالجة الأمراض الأصلية، وألّا نضيِّع أوقاتنا للصراع مع أمرض تابعة لها وليست مستقلة.
إن بعض النخبة التي انهزمت نفسيا وثقافيا لتستغرب أن ندون مثل هذه الأفكار في هذا الظرف الذي تعيش فيه أمتنا في ضعف شديد، وفشل ذريع في جميع المجالات، وهوان في كل المحافل.
إنهم يستغربون تفاؤلنا، ويعتبرون أننا غير واقعيين، ويظنون أننا نغرد خارج السرب، وأنَّ رؤيتنا هذه في هذا الظرف الراهن انتحارية، ومستحيل تحقيقها.
ومن هذا المنطلق يفضلون المداهنة على التصريح، والترقيع على التأسيس، الأمر الذي فرض عليهم أن يسبحوا مع التيار القوي الذي يحكم العالم، ويستعيروا عنه أفكاره واصطلاحاتِه، ويحاولون استرضاه مهما كلفهم ذلك من تنازلات كثيرة، ويسمونها بالسياسة، ويوسمونها بالكياسة؛ ولذلك يفضلون اصطلاح الديمقراطية من الشريعة، والمقاومة من الجهاد، والبرلمان من الشورى، والهوية من الولاء، ويلهجون في كل مناسبة " الديمقراطية" ولا يتجرؤون التفوه بالشريعة، مع أنَّ الشريعة أوسع معنى، وأرحب فضاء، وأقضى مصلحة، وأقرب إلى القلوب، وأسهل نطقا، وأقرب رحما، وبينها وبين الديمقراطية كما بين السماء ذات الرجع والأرض ذات الصدع، ولكنهم يذهبون بعيدا، ويأتون غريبا، ويستوردون عنهم كل ما هب ودبّ، حتى لا يثيروا حفيظة القوة الحاكمة، بينما نحن نرى أنه نفاق وخداع، والأمم الحرة تنطلق من حضارتها، ولا تتنازل عن اصطلاحاتها التي تعكس على سلوكياتها، الواغلة في أرومتها، والحمّالة عقيدتها، والحافظة لتأريخها.