English  

كتب أمراض أمتنا وحلولها

اذا لم تجد ما تبحث عنه يمكنك استخدام كلمات أكثر دقة.

عرض المزيد

‏ أمراض أمتنا وحلولها (كتاب)


فلما زرت البلد بعد غياب طويل أردت أن أدون بعض ملاحظاتي، وأقدم حلولا لبعض ‏المشاكل التي وقفتُ عليها حسب ما ظهر لي؛ ولكنني قررت أن أدون هذه الأمراض وحلولها ‏بالطريقة التي ارتضيتها لنفسي، ولم اسلك طرق التأليف المعهودة والمناهج المطروقة، التي تبدد ‏الطاقات، وتضيع عمر القارئ بتعريفاتها طويلة، ومبالغاتها الظاهرة؛ رغم أهمية التعريفات؛ ‏لوقوف التصورات الصحيحة عليها، وتمييز العلوم بعضها عن بعض، ولكنها ليست ضرورية ‏في جميع الأحوال، وإنما يستعمل حسب الحاجة، وما لا تقتضيها الحاجة يعتبر تضييعا ‏للوقت، ونفخا للكتاب بما لا طائل تحته. ‏
وعلى هذا سأسوق أمراضا متعددة تعصف على بلدنا، وحلولَها بسياقات يفهم منها اللبيب ‏الخيط الذي يربط بين أجزاءها، وقد لا تظهر لغير المتأمل في أول الوهلة إلا بعد التأمل؛ ‏لأنني أردت أن أشير إلى الفكرة عن طرف خفي أحيانا؛ لاقتضاء المقام، وأصرحها تارة ‏أخرى؛ لدفع الاحتمالات عنها.‏
والأمراض التي نعانيها تنقسم إلى أمراض حقيقية أصلية وأعراض لهذه الأمراض؛ فإذا زالت أو ‏نقصت الأمراض الأصلية فإن الأعراض تختفي أو تنقص تبعا لها؛ وعليه يجب علينا أن نوجه ‏جهودنا نحو معالجة الأمراض الأصلية، وألّا نضيِّع أوقاتنا للصراع مع أمرض تابعة لها وليست ‏مستقلة.‏
إن بعض النخبة التي انهزمت نفسيا وثقافيا لتستغرب أن ندون مثل هذه الأفكار في هذا ‏الظرف الذي تعيش فيه أمتنا في ضعف شديد، وفشل ذريع في جميع المجالات، وهوان في كل ‏المحافل.‏
إنهم يستغربون تفاؤلنا، ويعتبرون أننا غير واقعيين، ويظنون أننا نغرد خارج السرب، وأنَّ رؤيتنا ‏هذه في هذا الظرف الراهن انتحارية، ومستحيل تحقيقها. ‏
ومن هذا المنطلق يفضلون المداهنة على التصريح، والترقيع على التأسيس، الأمر الذي فرض ‏عليهم أن يسبحوا مع التيار القوي الذي يحكم العالم، ويستعيروا عنه أفكاره واصطلاحاتِه، ‏ويحاولون استرضاه مهما كلفهم ذلك من تنازلات كثيرة، ويسمونها بالسياسة، ويوسمونها ‏بالكياسة؛ ولذلك يفضلون اصطلاح الديمقراطية من الشريعة، والمقاومة من الجهاد، والبرلمان ‏من الشورى، والهوية من الولاء، ويلهجون في كل مناسبة " الديمقراطية" ولا يتجرؤون التفوه ‏بالشريعة، مع أنَّ الشريعة أوسع معنى، وأرحب فضاء، وأقضى مصلحة، وأقرب إلى القلوب، ‏وأسهل نطقا، وأقرب رحما، وبينها وبين الديمقراطية كما بين السماء ذات الرجع والأرض ذات ‏الصدع، ولكنهم يذهبون بعيدا، ويأتون غريبا، ويستوردون عنهم كل ما هب ودبّ، حتى لا ‏يثيروا حفيظة القوة الحاكمة، بينما نحن نرى أنه نفاق وخداع، والأمم الحرة تنطلق من ‏حضارتها، ولا تتنازل عن اصطلاحاتها التي تعكس على سلوكياتها، الواغلة في أرومتها، ‏والحمّالة عقيدتها، والحافظة لتأريخها.‏