If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
وما يلفت النظر في أشعار هؤلاء الصعاليك ترديد صيحات الفقر والجوع والحرمان .. كما كانوا ناقمين وثائرين على الأغنياء والأشحاء وامتازوا بالشجاعة والصبر وقوة البأس والمضاء وسرعة العدو وقد ضرب بهم المثل في شدة العدو حتى قيل "أعدى من السليك" و"أعدى من الشنفرى".
كانت غاراتهم تتركز في المناطق الخصبة وترصد قوافل التجارة وقوافل الحجاج القاصدة مكة المكرمة ، وكثيراً ما تغنوا بكرمهم وبرهم بأقاربهم؛ لأن ما يحصلون عليه كان يوزع على الأهل والأقارب المحتاجين، كما اتسمت لغتهم الشعرية بالترفع والسمو والشعور بالكرامة في الحياة وهذا ما نجده عند أبي خراش الهذلي القائل:
فهو الصابر على الجوع ويكفيه الماء الصافي بينما يصاب كل من حوله من أشحاء النفوس بتخمة الطعام وإذا ما وجد الطعام فضل إطعامه لغيره ويعني هنا أولاده دون أن يمسه وكل ما يعمله من أجل ألا يوصم بالعار والمذلة.
والحقيقة أن الصعلكة أخذت شكلاً إيجابياً رغم أنها قامت على السلب والنهب، لأن المقصد من هذا الفعل كان يرمي إلى إطعام الفقراء من أموال الأغنياء وكأنهم يؤكدون أن للفقير حقا في مال الغني.
ميزة أخرى غلبت على هؤلاء الصعاليك وهي عدم تعرضهم في غاراتهم وغزواتهم للأسياد الشرفاء وإنما للأغنياء الأشحاء وهذا المبدأ تمثله سيد الصعاليك عروة بن الورد. كما عرف عن هؤلاء الصعاليك اعتزازهم بأنفسهم وهذا الاعتزاز نابع من مدى قناعتهم بالفعل الذي يقومون به، يقول الشنفرى:
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى *** وفيها لمن خاف القلى متعزل
حتى أنه يفضل أن يستف التراب على أن يتفضل عليه إنسان لأنه يملك نفساً حرة أبية تأبى الضيم:
أديم مطال الجوع حتى أميته *** وأضرب عنه الذكر صفحاً فأذهل وأستف ترب الأرض كي لايرى له *** علي من الطول امرؤ متطول
كما أنهم أضفوا على أنفسهم صفة الكرم إلى حد الافراط حتى أن تأبط شرا لم يبق على شيء لغده:
يقول أهلكت مالاً لو قنعت به *** من ثوب صدق ومن بز وإعلاق عاذلتي إن بعض اللوم معنفة *** وهل متاع إن أبقيته باق
ونأتي إلى سيد الصعاليك عروة بن الورد العبسي إذ كان أبوه من شجعان قبيلته وأشرافهم كما كان له دور البارز في حرب داحس و الغبراء. أما أمه فكانت من نهد من قضاعة وهي عشيرة وضيعة وهذا ما جعل عروة يشعر بالعار وقد عبر عنه بقوله:
وما بي من عار إخال علمته *** سوى أن أخوالي إذا نسبوا نهد
ويبدو أن هذا العار الذي كان يحسه هو الذي دفعه إلى دروب الصعلكة والثورة على الأغنياء. وعروة لم يخلع من قبيلته كغيره من الشعراء الصعاليك وإنما ظل يحتل مكانة كبيرة فيها، وقد اتصفت صعلكته بكل جوانب المروءة والإخاء والتعاون والتضامن الاجتماعي، إذ كان يغير على القوافل ليس بقصد السلب والنهب وإنما كان يغزو لإعانة الفقراء والمرضى والمحتاجين والمستضعفين من قبيلته وهؤلاء كانوا دوماً يصرخون بأعلى أصواتهم: "أغثنا يا أبا الصعاليك".
ولأنه لم يكن يغير إلا على الأغنياء الذين عرفوا بالشح والبخل وعدم مد يد المعونة إلى أحد وخاصة المحتاج لذلك اكتسبت صعلكته نبلاً أخلاقياً أكبر من الفروسية حتى أن عبد الملك بن مروان كان يقول: »من زعم أن حاتماً أسمح الناس فقد ظلم عروة بن الورد« وعروة هو القائل:
أفرق جسمي في جسوم كثيرة *** وأحسو قراح الماء والماء بارد
وهو الذي لايستطيع القعود عن الغزوات لأن عليه حقوقاً وواجبات يجب أن يؤديها إلى المحتاجين من قبيلته ونسائها المعوزات لهذا فهو يكره الصعلوك الخامل بل يحب الصعلوك المشرق الوجه وفيه يقول:
ولله صعلوك صحيفة وجهه *** كضوء شهاب القابس المتنور مطلاً على أعدائه يزجرونه*** بساحتهم زجر المنيح المشهر وإن بعدوا لايأمنون اقترابه*** تشوف أهل الغائب المتنظر فذلك إن يلق المنية يلقها*** حميداً وإن يستغن يوماً فأجدر
وهكذا نجد أن عروة بن الورد كان صعلوكاً شريفاً وشجاعاً ومقداماً وقد استطاع أن يجعل من الصعلكة ما رفعها إلى درجة المروءة والسيادة لأن الغرض منها كان نداءً يدعو للتضامن والتكافل الاجتماعي الذي يراد منه في النهاية الخير للجميع وخاصة الناس المعوزين من الأهل والأقارب بل هي تأكيد بأن للفقراء حق في مال الأغنياء