العربية  

books the twentieth revolution in hilla

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

ثورة العشرين في الحلة (Info)


    جاءت أحداث ثورة العشرين 30 حزيران 1920، في ذروةِ الصراعِ على طبيعةِ الحكمِ مع قواتِ الاحتلالِ البريطانية بعدما تخلَّتْ عن وعودِها للعراقيين، ولم تكن مدينة الحلة بعيدة عن مناخ العراق السياسي الذي سبق اشتعال أوارها، حيث اتسمت أجوائها بالرفض الشعبي لما كان ينسج في الخفاء من خلال اجراء الاستفتاء على طبيعة الحكم في 30 تشرين الثاني 1918، فبعدما تحقق الوطنيون من نوايا الحاكم العسكري في الحلة الذي استشار فيها السيد محمد علي القزويني بشأن اقتصار الاستفتاء على سبعة رجال فقط من أبناء المدينة كلها، يختارهم الحاكم بنفسه، عقدوا في بيت أحدهم مجلساً كبيراً تباحثوا فيه بما يجب أن يتخذ من التدابير، وقرّ في الأخير قرار المجتمعين على إرسال خطاب إلى الحاكم السياسي حمل تواقيع جمع كبير من الحلّيين. وقد كان الاستفتاء في عموم العراق محركاً رئيسياً لنمو وعي وطني رافض للهيمنة البريطانية على شؤون البلد، وهو بنفس الوقت محفز نشوء حركة وطنية في العراق تبنت معارضة الحكم البريطاني، وسعت لنيل الاستقلال.

    والحلة من المدن العراقية القليلة التي انشأ فيها فرعاً لجمعية حرس الاستقلال عقب تأسيسها في بغداد أواخر شباط عام 1919، وهذه الجمعية معروفة بتوجهاتها الوطنية الساعية لإستقلال البلاد، وقد نشطت في تحريك الروح الوطنية، ومناهضة الاستعمار البريطاني، وضمت شخصيات حلّية بارزة في العمل السياسي، أمثال الشاعر محمد مهدي البصير التي أسندت اليه رئاسة الفرع، ورؤوف الأمين، ومحمد باقر الحليّ، وحضر ممثلها اجتماعاً في بغداد عقد مع زعماء الحركة يوم 23 آيار 1920، كان بمثابة تهيئة واستكشاف لانطباعات الفرات الأوسط بشان الشروع بالثورة.

    لقد توضحت بشكل جلي انعكاسات تلك الأنشطة وذلك الحس الوطني السائد بين الحلّيين اثر انعقاد الاجتماع الوطني الحافل في الجامع الكبير (في سوق الحلة) قبل الثورة بأيام معدودة في 19 حزيران 1920، أي في ثاني أيام عيد الفطر، حيث قام الشيخ محمد الشهيب بقراءة رسالة المرجع الديني الشيرازي المتضمنة حث العراقيين على المطالبة بحقوقهم المشروعة بالطرق السلمية، ولما أتم الشيخ محمد تلاوة الرسالة تتابع على المنبر رؤوف الأمين، والسيد عبد السلام الحافظ، فالقوا كلمات حماسية طالبوا فيها باستقلال العراق ونادوا بالأمير عبد الله ملكاً عليه.

    وكانت ردة فعل الجهات البريطانية على ذلك الاجتماع الجماهيري سريعة متمثلة بقرار الحاكم البريطاني اعتقال كل من رؤوف الأمين، والسيد عبد السلام الحافظ، والسيد احمد السالم وتوت، وباقر العلي الخفاجي. وجبار علي الحساني، وعلي الحمادي، وخيري الهنداوي، وإرسالهم مخفورين بالقطار إلى البصرة، وبالتالي إبعادهم إلى جزيرة هنجام في الخليج العربي، وقد لبثوا هنالك خمسة أشهر، توفي خلالها السيد احمد السالم وتوت. وأشارت مس بيل في مذكراتها إلى أن إبعاد هؤلاء الأشخاص أدى إلى زوال التوتر في منطقة الحلة.

    ومن الجدير بالذكر أن البريطانيون جعلوا مدينة الحلة قبل اندلاع ثورة العشرين مركزاً لقواتهم العسكرية حيث قاموا بتعزيزها بقوات أضافية، وبعد انتصارات الثوار المتلاحقة انسحبت إليها معظم القوات البريطانية التي كانت منتشرة في مدن الفرات، وأصبحت الحلة في آب 1920، آخر معقل بريطاني في الفرات الأوسط.

    وعلى الرغم من كون الحلة مركزاً للقوات البريطانية، وعرضة لإجراءاتها المتشددة التي طوقت بها المدينة أثناء الثورة، فقد قام الحلّيون بدور مميز، ومساند لما كان يجري في محيطها الريفي أو مدن الفرات الأوسط، وعن ذلك الدور ذكر الشيخ يوسف كركوش في تاريخ الحلة قيام الحلّيين باحتضان الثوار، والتمويه على تواجدهم باستخدام مختلف الأساليب أثناء حملات التفتيش التي كانت تقوم القوات البريطانية، مثلما أشار إلى حادثة تفجير بيت الحاج عبد الرضا الماشطة بقوله، (سمعت رجالاً من أهل المحلة (جبران) يتهامسون بينهم فقال أحدهم هامساً، أن الجواسيس رفعوا إلى القيادة أن الحاج عبد الرضا الماشطة آوى بعض رجال القبائل الذين دخلوا الحلة في الليلة الأنفة الذكر، وان بعض الجنود جاءوا بأمر القيادة فأخرجوا النساء والأطفال من داره وضربوها بالقنابل).

    وتجلت مناصرة معظم الحلّيين للثورة من خلال المراسلات مع قادتها من المراجع ورؤساء العشائر، وعبروا عن أرائهم ومواقفهم المساندة لها بالعديد من الانشطة والفعاليات، فقد تصدر السيد صالح الحليّ، والشيخ محمد الشهيب، والشيخ عبد الكريم الماشطة، وآخرين الاجتماعات في المساجدِ محركين مشاعر الناس بخطب داعمة للثورة بعدما تبين لهم أن المستعمر لا يفهم إلا لغة القوة.

    وقضية اعتقال الشيخ عبد الكريم الماشطة مع عدد من أفرادِ عائلته في خضمِ أحداثها متداولة بين الحلّيين حيث وجهت له ولأخويه الحاج عبد الحليم والحاج عبد الحكيم تهمة إشعال روح الثورة، وإطلاق العيارات النارية على طائرة بريطانية، وبأثر ذلك مكثوا فترة في المعتقل إلى أن أطلق سراحهم بعد نجاح وساطة الحاج عبد الرزاق الشريف، وهو أحد وجهاء المدينة ورئيس بلدية الحلة آنذاك، وقيل أنهم كانوا عرضة لعقوبة الإعدام لولا تلك الشفاعة. وبعد الانتصار في معركة الرارنجية التي وقعت يوم 24 تموز، وضربت مثلاً رائعا في البطولة والفداء، شرعوا الثوار بالهجوم على مدينة الحلة في نهاية تموز، إلا أن ذلك لم يتكلل بالنجاح للأسباب عديدة، ولعل من أهمها تفوق القوات البريطانية، من حيث العدد والمعدات والتحصينات المنيعة، بالإضافة إلى دور بعض شيوخ العشائر الموالي للإنكليز أو المتردد عن مساندة الثوار، ولم يخف أحد رجال الثورة السيد محمد علي كمال الدين في مذكراته الحسرة على عدم تحقيق ذلك، حين قال (لانقلب اتجاه الثورة وأصبح الفرات كله بيد الثور تقريباً، وتتجه الثورة نحو دجلة)، وهو محق في ذلك، لأنها أصبحت مثابة للقوات البريطانية في انطلاقها لوأد الثورة والسيطرة على ريف الحلة ومدن الفرات الأوسط، وكان آخر بلاغ أصدره المندوب السامي البريطاني في العراق في يوم 26 تشرين الثاني 1920، معلنا انتهاء العداء الذي كان قائماً مع عشائر الشامية.

    فالحلة مدينة احتضنت المدارس الدينية الكبرى وقد توجه لها ومنذ عهد العباسيين مئات من طلبة العلوم المختلفة فكانت موطنا للمثقفين والعلماء في وقت كانت المدن في عهد العثمانيين تلفها غيوم الظلام نتيجة السيطرة والقهر الفكري الذي مارسه المحتلون فهذا المناخ الصحي في الحلة أنجب قادة رأي وفكر يمارسون الكتابة والشعر والتعبير عما يجيش في صدورهم تجاه الوطن ومخاضاته أيام الاحتلال العثماني ومن ثم البريطاني.

    Source: wikipedia.org