العربية  

books the three basic principles

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

المبادئ الثلاثة الأساسية (Info)


المبدأ الأساسي الأول

المبدأ الأساسي الأول، كما ينص عليه كتاب العقيدة السرية:(3)

مبدأ كلِّي الحضور، أزلي، غير محدود، سرمدي، يستحيل تذهُّنه لأنه يتعالى عن ملكة التصوُّر البشري وليس من شأن أيِّ تعبير أو تشبيه بشريين إلا أن يقلِّصه. فهو يتخطى مجال الفكر ومداه.

هناك، إذن، حقٌّ واحد مطلق، سابق على كلِّ موجود متجلٍّ ومحدود؛ وهذه العلَّة اللانهائية والأزلية هي الأصل الذي لا أصل له "لكلِّ ما كان، وما هو كائن، وما سيكون أبدًا". لذا تفضل السيدة بلافاتسكي أن تطلق عليه اسم الكينونة Be-ness (بالسنسكريتية سَتْ Sat) على "الكائن" being.

يُرمَز إلى هذه الكينونة في العقيدة السرية بطريقتين: هنالك، من جهة، الفراغ المجرد المطلق الذي يعجز أيُّ فكر بشري عن سبره أو تكوين أيِّ تصور عنه أو تذهُّنه مجرَّدًا؛ وهنالك، من جهة أخرى، الحركة المجرَّدة المطلقة ("المحرِّك الساكن" بحسب تعبير أرسطو) التي تمثل الوعي الطليق غير المحدود.

عن هذه الأحدية أو الكينونة المطلقة يحدث أول تمايز (يدعى بـالواحدية في العرفان الإسلامي) ينطوي على أول ثنائية، هي ثنائية الروح والمادة (بوروشا purusha وبركريتي prakriti في المنقول الهندوسي) التي لا يعتبر علم الباطن حدَّيها حقيقتين مستقلَّتين إحداهما عن الأخرى، بل وجها المطلق Parabrahman، أو مظهراه اللذان يشكِّلان معًا كلَّ كيان مقيَّد، ذاتيًّا كان أم موضوعيًّا.(4)

فكما أن الفكرة ما قبل الكونية Pre-cosmic Ideation هي أصل كلِّ وعي فردي، كذلك فإن الجوهر ما قبل الكوني Pre-cosmic Substance هو أصل المادة بكلِّ درجات تمايزها. يتضح مما تقدم أن التضاد الظاهري بين مظهريْ المطلق هو العلة الأولى للكون المتجلِّي: فلولا الجوهر الكوني Cosmic Substance لما كان بمقدور الفكرة الكونية Cosmic Ideation أن تتجلَّى كوعي فردي؛ إذ ليس للوعي أن ينبجس لينغلق على نفسه، كما سنرى، إلا من خلال وعاء أو قاعدة مادية ضرورية كبؤرة يتركز فيها شعاعٌ من العقل الكلِّي على مستوى معيَّن من التعقيد. ولولا الفكرة الكونية لظل الجوهر الكوني تجريدًا خاويًا لا يهيِّئ لانبثاق أيِّ وعي، كقشرة بيضة خالية من المحِّ والآح.

من الفكرة الكونية، أو الروح، وعيُنا؛ ومن الجوهر الكوني، أو المادة، الأوعيةُ التي ينثني فيها الوعي على ذاته، مباشِرًا رحلة تفتحه عبر ممالك الكون طرَّا، وصولاً إلى مرحلة الذات أو الوعي المنعكِس المدرِك لذاته؛ بينما يعبِّر مبدأ فوهة Fohat، في تجلِّياته العديدة، عن الصلة السرية بين العقل والمادة، أو المبدأ الفاعل الذي يُكَهْرِب كلَّ ذرة في الكون، باعثًا فيها الحياة.

تأسيسًا على ما تقدَّم، يمكننا إيجاز تراتبية فعل التجلِّي في أربع مراتب وجودية هي الآتية:

  1. الأحدية المطلقة (بربرهمن الـفيدنتا Vedanta) أو الحق الأحد (سَتْ Sat
  2. الواحدية، أول تعيُّن للمطلق، أو الكلمة Logos اللاشخصي، أو "العلة الأولى"؛
  3. الروح–المادة، الحياة؛ "روح الكون"، ثنائية بوروشا–بركريتي، الكلمة الثاني؛
  4. مَهَة Mahat، أو النفس الكلِّية؛ الجوهر الهيولاني (كأصل للمادة وأساس لكلِّ العمليات والسيرورات الذكية في الطبيعة) الذي يدعى أحيانًا بـمَهابودِّهي Maha-Buddhi.

الإنسان، في قصوره عن تكوين أيِّ مفهوم بغير لغة الظواهر المحسوسة، عاجز عن رفع النقاب الذي يحجب عنه سرَّ الألوهة في سذاجته المطلقة: وحدها الروح المنعتقة تستطيع أن تدرِك "طبيعة" المصدر الذي عنه انبثقت وإليه ستُرجَع. أما العقل (نوس Nous عند أفلاطون) – سيد مملكة المادة ومحرِّكها والنَّفَس المحايث immanent لكلِّ ذرة والباعث فيها الحياة، متجلِّيًا في الإنسان وكامنًا في الحجر – فله مراتب مختلفة من الحَوْل والقدرة.(5)

العلة الأولى

ما من أمة أو شعب أو قبيلة بدائية، منذ فجر البشرية حتى يومنا هذا، إلا وينطوي حتى الجانب الظاهر من معتقداته على وجود "علَّة أولى" من وراء نواميس الطبيعة وخلود النفس (العليا). ولم يستطع أيُّ معتقد بالٍ أو أية فلسفة زائفة أو سلطة قاهرة، دينية أو زمنية، القضاء على هذا الشعور الأصيل في الإنسان، الأمر الذي يجعلنا نقطع بأنه إرث مشترك للإنسانية قاطبة.

يعلِّمنا المنقول الباطني بأن العلَّة الحقيقية للوجود ككل تبقى مستترة أبدًا وعصيَّة على العاقلة البشرية، وبأن أول تجلِّياتها هو أكمل تجريد يستطيع الإنسان أن يتذهَّنه. لذا نفترض أن هذه التجلِّيات هي علَّة الكون المادي؛ منها تتفرع القدرات الثانوية التي تعبَّد الإنسانُ لها وأسْلَسَ قياده بوصفها "الإله" أو "الآلهة"، بما يتوافق مع روح كلِّ عصر، بعد أن خلع عليها صورة شخصية هي خلاصة مكثفة لاختباره لها(6)؛ إذ يتعذر تذهُّن شيء لا علَّة له؛ ومحاولة القيام بذلك تبلغ بالفكر أقصى تخومه الممكنة حتى فراغه التام من كلِّ الموضوعات: تلكم هي الحال التي يبلغها الذهن أخيرًا عندما يحاول أن يقتفي إلى الوراء سلسلة العلل والمعلولات.(7)

"اللاهوت سعة غير محدودة ولانهائية"، كما تقول حكمة باطنية كثيرًا ما تورِدها السيدة بلافاتسكي في كتاباتها؛ والوحدة القصوى المبطِّنة لكلِّ جزء من أجزاء الطبيعة – من النجم إلى ذرة المادة، ومن أعلى دْهِـيَـن تشوهَن Dhyan Chohan (كائن ملائكي من مرتبة رفيعة) إلى أصغر جرثومة – إنما هي الناموس الأساسي الأوحد في علم الباطن، سواء طُبِّق على العالم الروحاني، أو العالم الذهني، أو العالم الجسماني.

إن تصورات الإنسان عن الألوهة تتطور بتطور فكره وتفتُّحه. في ضوء هذا، يصح أن أنبل المُثُل التي تلامسها الروح الدينية في تحليقها في عصر ما قد تبدو باهتة أمام العقل الفلسفي لعصر يليه؛ وقِسْ على ذلك نضج المُثُل التي يتخذها الإنسان هاديةً له في حياته في مختلف مراحل هذه الحياة. من هنا ضرورة المسارَرة Initiation في مجال الخبرة الروحية. فتلك (إن توفَّر للمسارَر الاستعداد والأهلية) هي العصمة للمرء كيلا يسقط في شباك الوهم والتجريدات الذهنية البحتة؛ وبدونها لا بدَّ أن يبقى جناحا الفكر مهيضين للحؤول دون تحليق أعلى قد يكون وبالاً على صاحبه.

عندما يصرِّح الثيوصوفيون بأن الله ليس موجودًا لأنه عدم محض، لاشيء – أي لا-شيء No-thing – فإنهم يكنُّون للاهوت إجلالاً وخشوعًا أعظم بكثير ممَّن يشخِّصون الله، جاعلين إياه ذَكَرًا ضخمًا، يغضب ويندم، يعاقب ويثيب. من هنا، يتطلَّب تخطِّي التصورات التشخيصية عن الألوهة اقتفاء أثر الكلمة (أو العقل الأول) في كلِّ دين حتى أصله النهائي وماهيَّته القصوى. والألوهة المثلَّثة العماء-الإله-الكون Chaos-Theos-Kosmos إنما هي الكل في الكل، وهي سلسلة أشفاع الصفات كلِّها(8)؛ لذا يقال إنها ذكر وأنثى في آنٍ معًا، إيجاب وسلب، نشر وطَيْ، نور وظلمة، إلخ. أما علَّة العلل التي لا علَّة لها، "المجهول الأسمى" (التعبير لطاغور)، فيجب على الإنسان أن يُعِدَّ لها مقامًا ومذبحًا في قدس أقداس نفسه، في القلب منه والسرِّ، وأن تكون روحه هي الوسيط الأوحد بينه وبين الروح الكلِّية، جاعلاً من أعماله الصالحة كهنة ومن نواياه السيئة قرابين!

المبدأ الأساسي الثاني

تشدد العقيدة السرية على أزلية الكون ككل، باعتباره، كما أسلفنا، مجالاً شاسعًا لعوالم لا عدَّ لها، تتجلَّى وتحتجب بغير انقطاع. فالفرضية الثانية للعقيدة السرية إذن هي الشمولية المطلقة لقانون الدورية، قانون المدِّ والجزر أو الدفق والانحسار، الذي نشهده في الطبيعة قاطبة؛ وإن تناوبًا، كتناوب النهار والليل، أو تناوب الحياة والموت، أو تناوب الصحو والنوم، لهو واقع مألوف وشامل، لا يُستثنى منه شيءٌ على الإطلاق، الأمر الذي يجعلنا نبصر فيه ناموسًا أساسيًّا من نواميس الكون.

بذا ينجلي لبصيرتنا كمالُ المقايسة بين سيرورة الطبيعة في الكون، من جهة، وفي الإنسان الفرد، من جهة أخرى. فالإنسان، شأنه شأن الكون، يحيا دورة من دورات حياته ثم يموت بانتهاء أجَلِه. وتتحلَّل "مركبات" الإنسان أو "المبادئ" المؤلِّفة لبنيانه الباطن مع الوقت، فتستعمل الطبيعة "المواد" التي كانت تشكِّلها لتشكيل مبادئ جديدة؛ وهذه السيرورة عينها تتم في تحلُّل العوالم وإعادة تشكيلها. القياس analogy، إذن، هو أضمن هادٍ للباحث في مسعاه لفهم التعاليم الباطنية، من حيث إن قانون ولادة كلِّ ما في الكون ونموِّه وموته، من الشموس حتى ديدان الأرض، قانون واحد؛ وهو لا يني يسير بالكون إلى المزيد من الاكتمال، مع كلِّ ظهور أو تجلٍّ جديد، ساريًا على كلِّ جرم من أجرام الكون، صَغُر أم كَبُر.

وحده الحكيم المسارَر Initiate يستطيع أن يكتنه الكمال المطلق الذي تبلغه الموجودات لدى اختتام فترة عظمى من التجلِّي الكوني، أو مَـهامَـنْـفَـنْـتَـرا Mahamanvantara، مستريحة إبان الفترة التالية من الاحتجاب (بْـرَلَـيَـا Pralaya). بيد أن هذا الكمال، وإن يكن مطلقًا، فهو "مطلق نسبيًّا" لأنه ينبغي، بدوره، أن يفسح المجال للمزيد من الكمال المطلق، وفقًا لمعيار أرقى من التَجَوْهُر، إبان الفترة التالية من النشاط أو التجلِّي – مثلما أن على الزهرة الكاملة أن تذوي مفسحة المجال للثمرة الكاملة.(9)

تعلِّم الحكمة قانونًا سرمديًّا دوريًّا في الطبيعة والكون، لا يُستثنى من سلطانه أيُّ موجود، على مراتب وجوده كافة. يدعى هذا القانون بقانون كرما karma أو قانون السببية الكونية.(10) ولما كان التطور الروحي للإنسان الباطن يشكِّل من علوم الغيب محورَها فإن السعي إلى فهم سيرورة هذا التطور يتطلب من التوَّاق أن يضع بعين اعتباره أمرين:

  • الحياة الواحدة الشاملة، الموجودة بمعزل عن وجود المادة الكثيفة؛ و
  • العقول الفردية العليا التي تحرك التجلِّيات المتنوعة لذلك المبدأ الحيِّ الواحد.

ذلك أن الحياة وثيقة الصلة بالناموس الواحد – ناموس كرما – الذي يحكم مراتب الوجود حتى عالم الروح. ويشير هذا الناموس، من الوجهة الظاهرية، إلى "الفعل"، أو بالأحرى إلى العلة المنطوية على معلولها.

إن هذا الناموس لا يقدِّر شيئًا على أحد أو على أيِّ شيء؛ فهو قائم منذ الأزل وفيه، ويُعتبَر خير تصور عن الأزل. وبما أنه ليس ثَمَّ "فعل" يكافئ الأزلية فأصح من قولنا إنه "يفعل" قولُنا إنه "الفعل" بامتياز.(11) الإنسان لا يعاقَب على خطاياه بل يعاقَب "بها"، على حد قول كرِسْتمس هَمْفرِز، فرديًّا وجماعيًّا (كما في حالة أمم بأسرها أحيانًا). فالبشر هم الذين يولِّدون الأسباب التي تحرِّض، بدورها، القوى الموافقة التي تنشدُّ تلقائيًّا إلى مولِّديها وترتدُّ عليهم فكرًا وعملاً.

وفي محاولة لتقريب عمل ناموس كرما في التجدُّدات الدورية للكون إلى فكر المتأمِّل في أصل الإنسان والمغزى من وجوده، يجدر بنا أن نلفت انتباهه إلى التطبيقات الباطنية للدورات الكَرْمية (نسبة إلى كرما) على الأخلاق بالمعنى الكوني. لقد عرَّف الفيلسوف الهندي س. رادهاكرشنان بناموس كرما بوصفه "قانون مصونية الطاقة الأخلاقية". وإننا لنتساءل إن كانت للتقسيمات الغامضة التي أسماها الإغريق "حلقات" و"دوائر"(12) تطبيقات مباشرة على الحياة البشرية أو صلات بها. إن العلم الظاهر يقرُّ بوجود أدوار خاصة تنتظم السيرورات المادية؛ لكن ثمة أيضًا أدوارًا خاصة بالتطور الروحي تنتظم حياة الأعراق والأمم والأفراد. فهل للفلسفة الباطنية أن تتيح لنا المزيد من فهم عمل هذه الأدوار؟

إن الأنية العليا Higher Ego، أو المبدأ المتجسِّد، هي التي تسود على الأنية الدنيا Lower ego وتحكمها عندما لا تحيِّد الثانيةُ المؤثراتِ القادمةَ من الأولى بتأثير جمحاتها. وباختصار، فإن الرباعي الأدنى المكوَّن من "المركبات"(13) المؤلِّفة لـلشخصية Personality لا يعرقل الفردية Individuality في سيرها الحثيث على درب تطورها الصاعد إلا حينما تلدغ أنانيةُ الشخصية وأثرتُها الإنسانَ الباطنَ بنابها المسموم لدغة تشلُّ قواه، وبذلك تفقد قوةُ الجذب إلى أعلى كلَّ سلطانها على الإنسان العاقل.

وحدها معرفة عقيدة التقمص reincarnation المتكرر للفردية نفسها عمرًا بعد عمر، مع الاستيقان أن على الجوهر الفرد أن يجتاز دورة الضرورة Cycle of Necessity، مُثابًا بالتقمص على الألم الذي عاناه، أو مُعاقَبًا على الألم الذي تسبَّب فيه، في أعمار سابقة – نقول: وحدها معرفة هذه العقيدة تعلِّل مسألة الخير والشر وتُصالِح الإنسان مع ظلم الحياة الرهيب في ظاهره؛ إذ لا شيء إلا اليقين الداخلي، القائم على المعرفة، بوسعه أن يهدِّئ من روع إحساسنا المتمرد بالعدالة.

إننا نقف مذهولين أمام سرِّ صنعتنا وأحاجي الحياة التي يُعجِزنا حلُّها، فنتَّهم "وحش طيبة" الرهيب بافتراسنا، كما عبَّرت أسطورة أوديب.(14) لكنْ ما من شيء حادث في حياتنا، وما من حظٍّ عاثر إلا وبالوسع اقتفاء أثره حتى أفعالنا في هذه الحياة أو في حياة سابقة. إذا خرق أحدهم نواميس التناغم الكوني ترتَّب عليه أن يستعد للوقوع أسير الفوضى التي تسبَّبَ في إحداثها.

ما الكون إلا التجلِّي الدوري للمبدأ المطلق. ههنا سرُّ القاعدة العيسوية الواردة في "الصلاة الربية": "لتكن مشيئتك كما في السماء كذلك على الأرض." والإنسان هو الشاهد الحيُّ على هذا الناموس الشامل وعلى سيرورة فعله الكوني. فلا مراء أن كلَّ حركة، أو إيماءة، إرادية أو تلقائية، عضوية أو ذهنية، ناجمة عن إحساس أو انفعال، عن إرادة أو مشيئة، عن تفكير أو تعقُّل، أو مسبوقة بها. وكما أن كلَّ حركة أو تغيير في الإنسان الظاهر لا يتم ما لم يتحرَّض بباعث داخلي عبر واحدة من الوظائف الثلاث المذكورة، كذلك الأمر مع الكون الظاهر أو المتجلِّي. وكما أن كوكبنا يدور حول الشمس مرة كلَّ سنة، وفي الوقت نفسه يدور حول نفسه مرة كلَّ 24 ساعة، ويقطع بذلك أدوارًا صغرى ضمن أدوار أكبر، كذلك تتم الفترات الدورية الصغرى وتتعاقب.

يشرف على دوران العالم الجسماني، بحسب الحكمة القديمة، دورانٌ مقايس في عالم الفكر – هو في الواقع التطور الروحي للعالم الذي يتم، مثله في ذلك كمثل التطور الجسماني، وفقًا لأدوار. وبذلك نشهد في التاريخ تناوبًا متواصلاً بين المدِّ والجزر في التقدم البشري. فكم من ممالك وأمم، إذ بلغت أوج سؤددها، دالت دولتُها وانحدرت إلى الحضيض امتثالاً للقانون عينه الذي أوصلها إلى الذروة. والبشرية، متى بلغتْ نهايتَها الحدية الدنيا، تعود لتنهض مجددًا وترتقي، بحيث يكون العلوُّ الذي تبلغُه، وفقًا لقانون التدرُّج الصاعد عبر الأدوار، أرقى، نوعًا ما، من علوِّ النقطة التي سبق لها أن انحدرت منها.

بيد أن هذه الأدوار لا تؤثر في البشرية كلِّها في وقت واحد؛ إذ إن الدور الأول يشتمل على تدرُّج البشرية منذ ظهور الإنسان الأول في صورته الأثيرية، ويجري طوال الأدوار الصغرى لتطوره التدريجي، من الأثيري نزولاً حتى نصف الأثيري، فالجسماني الصرف، حتى الإفلات من "القميص" المادي، والعودة بعدئذٍ ومواصلة المسار نزولاً، فصعودًا من جديد حتى الملأ الأعلى plêroma.

وعلى المرتبة الإنسانية يرتبط قانون التقمص أو العَوْد للتجسُّد بقانون كرما ارتباطًا لا تنفصم عراه. وتتلخص عقيدة التقمص باكتساء الفردية الإنسانية بسلسلة طويلة تكاد لا تنتهي من الشخصيات، هي الأزياء والأدوار التي "يتقمَّصها" الممثل ويتواحد معها، مثلما يواحِده معها جمهورُ المشاهدين، مدة بضع ساعات هي مدة استمرار المسرحية؛ أما الإنسان الباطن الذي "يشخِّص" هذه الأدوار فهو على علم تام أنه ليس هملت أو ياغو أو جولييت أو الليدي مكبث إلا إبان هذه المدة وحسب، وأنه والمبدأ المطلق واحد في صميم كيانه.

المبدأ الأساسي الثالث

كلُّ ما في الكون، كما أشرنا، واعٍ؛ أي أنه مزود بوعي من نوعه وعلى مستواه الخاص من التفتُّح. فلا ننسينَّ، نحن البشر، أننا، وإن لم يكن بمقدورنا بعد أن نبصر إرهاصات الوعي في الحجر مثلاً، لا يحق لنا – ولا يليق بنا – أن نقول إن الحجر خلو من الوعي. فكما أنه ليس في الكون ثمة قانون "أعمى" أو "غير واعٍ"، كذلك ليس فيه مادة "ميتة" أو "صمَّاء"؛ فهذه كلمات لا مكان لها في قاموس الفلسفة الباطنية التي لا تكتفي بمظاهر السطح الخارجي لأن الماهيَّات النومينية أشد واقعية، في نظرها، من نظيراتها الجواهر الفينومينية.

إن نظام الطبيعة بأسره يتكشَّف عن مسيرة متدرِّجة نحو حياة أرقى. فهناك خطة مُحكمة تبطِّن فعل ما يبدو لنا في الظاهر قوى عمياء؛ وما سيرورة التطور كلُّها، في كلِّ مآتيها، إلا برهان على وجود عقل كوني مدبِّر يفعل بواسطة نواميس سرمدية لا تُخرَق.

يتجلَّى الكون دوريًّا في سبيل غايات تتعلق بالتقدم الجماعي الكلِّي لحيوات فردية لا حصر لها – هي أنفاس من الحياة الواحدة وشرارات من النار الكلِّية – كي تتمكن كلُّ ذرة من ذرات هذا الكون اللانهائي، عبر الصيرورة الأبدية، من الصعود مجددًا مع كلِّ "فترة عالمية" جديدة، مارة من اللاشكلاني وغير المحسوس، عبر الطبائع المتمازجة لنصف الأرضي، نزولاً حتى المادة في تشكُّلها التام، ثم عائدة من جديد إلى المصدر الذي أتت منه. والآخذون بالتقمُّص وكرما، ناموسه التوأم، يدركون – وإنْ إدراكًا مبهمًا – أن سرَّ الحياة كلَّه قائم في السلسلة غير المنقطعة لتجلِّياتها، إنْ في الأجسام أو بمعزل عنها. وتعلِّمنا العقيدة السرية وحدة كلِّ النفوس مع النفس الكلِّية، ورحلة الحج الإلزامية لكلِّ نفس، عبر دورات التجسُّد، بما يتوافق مع القانون الدوري والكَرْمي؛ وبعبارة أخرى، ما من نفس يمكن أن يكون لها وجودٌ مستقل واعٍ قبل أن يكون بمقدور الشرارة الصادرة عن النفس الكلية

  • أن تجتاز كافة الأشكال العنصرانية elemental للعالم الفينوميني لهذا الـمَـنْـفَـنَـتَـرا؛ و
  • أن تحوز على فردية، بالدافع الطبيعي أولاً، ومن بعدُ بفضل جهودها الذاتية التحريض والذاتية التخطيط، المنظومة بـكرمـاها؛ وبذلك تتوقَّل درجات الذهن كافة، من العقل الأدنى، كاما مَنَس kama-manas، إلى العقل الأرفع، بودِّهي مَنَس buddhi-manas، من المعدني والنباتي، صعودًا حتى أرفع الملائكة.

فالعقيدة المحورية للفلسفة الباطنية، كما تقول السيدة بلافاتسكي في العقيدة السرية، لا تُجيز منحَ الإنسان امتيازاتٍ أو مواهب مجَّانية، إلا ما حاز عليه منها بجهوده واستحقاقاته طوال سلسلة طويلة من التقمصات. تعلِّمنا هذه العقيدة أن على العقول الأولى، حتى تصير "آلهة" كلِّية الوعي، إذا جاز التعبير، أن تمر بالمرحلة البشرية(15)؛ ذلك أن على كلِّ كيان أن يفوز بحق الألوهية بنفسه عبر خبرته الذاتية.

ما من عالِم بالغيبيات إلا ويؤكد أن الإنسان، في تشكُّله الجسماني، هو، بما لا يقل عن أيِّ كائن أرضي آخر، أبسط نتاج للقوى التطورية الطبيعية عبر سلسلة من التحولات لا حصر لها؛ لكنه يطرح المسألة طرحًا يختلف عن طرح العالِم الوضعي لها، من حيث إنه يعلم أن العنصرانيات elementals نصف العاقلة وغير العاقلة الدنيا ستصير يومًا في عِداد البشر. وما امتياز العاقلة البشرية بالفطنة إلا برهان عالِم الغيب أن الإنسان حصَّل المعرفة والفطنة عبر الدورة البشرية. ليس في الكون إلا علم مطلق واحد بكلِّ شيء وعقل مطلق واحد، لا يتجزأ، يسطع في كلِّ ذرة أو نقطة لا متناهية الصغر من نقاط الكون، يدعوه الناس فراغًا باعتباره بمعزل عن كلِّ ما يحتوي. قد يكون هذا سرًّا مستعصيًا على فهم "البرَّاني"، لكنه في الواقع حقيقة اختبارية في الفلسفة الباطنية.

بذا يتضح لنا وجود خطة تطورية مثلَّثة، أو بالأحرى ثلاث خطط متمايزة للتطور في الطبيعة، لكنها متداخلة في منظومتنا ومتمازجة تمازجًا مُحكمًا في كلِّ نقطة من نقاط الفراغ، ألا وهي:

  • التيار المونادي monadic أو الروحاني؛
  • التيار الذهني؛
  • التيار الجسماني.

وهذه التيارات الثلاثة إنما هي المظاهر أو الانعكاسات للحقِّ الواحد غير المحدود بحيث:

  • يُعنى التيار المونادي، كما يشير اسمُه، بنمو الجوهر الفرد (= الموناد) وتفتُّحه، وصولاً إلى مراتب وجودية أرقى فأرقى، بالاقتران مع –
  • التيار الذهني الممثَّل بـ"واهبي الفطنة والوعي للإنسان"، أو ما يُعرَف في المنقول الهندوسي بـمَنَسا بوترا manasa-putra، و –
  • التيار الجسماني الذي تَبَلْوَر من حوله الجسمُ الجُرْميُّ الراهن.

وينهض هذا الجسم الأخير بدور مركبة أو وعاء للنمو، إذا جاز التعبير، وكذلك بالتحول بواسطة الذهن (مَنَس manas)، بفضل تراكم الخبرات، من المنتهي إلى اللامنتهي، من العَرَض إلى الجوهر، من الفاني إلى الأبدي. ولكلِّ منظومة من هذه المنظومات ناموسُها؛ وكلٌّ منها ممثَّل في تكوين الإنسان – وهو الكون الصغير الذي يلخِّص الكون الكبير كما أسلفنا؛ وإن اجتماع هذه التيارات التطورية الثلاثة الكبرى فيه هو ما يجعله على ما هو عليه من تعقيد وإبداع صنعة.

ليس للطبيعة أو القدرة التطورية الجسمانية أن تتمخض وحدها عن الذهن بغير مساعدة؛ فهي، بمفردها، لا تستطيع أن تبدع إلا أشكالاً. لذا فإن العقول الإلهية هي التي تملأ الفجوة، ممثِّلة القوة التطورية للفطنة والعقل وصلة الوصل بين "الروح" و"المادة". ففي أثناء طفولة الذُرِّية البشرية الأولى،(16) في بدء الدور البشري الحالي، تشكَّلتْ مركبةٌ مهيأة وتامة لتجسُّد أهالي الأفلاك العليا ممَّن اتخذوا تلك الأشكال، المولودة من المشيئة الروحية والقدرة الإلهية الطبيعية في الإنسان، مساكنَ لهم.

في البدايات الأولى لوجود الإنسان على كوكب الأرض كان الذهن النفساني والجسماني هاجعًا، وكان الوعي ما يزال غافيًا وغير نامٍ، وكانت التصورات الروحية – بالتالي – غير متصلة بالمحيط المادي، من حيث إن الإنسان الإلهي كان مقيمًا في صورته الحيوانية (وإن كانت تبدو بشرية من الخارج)؛ ومع أن هذا الإنسان كان يتَّصف بالغرائز لم يكن أيُّ وعيٍ للذات ينير الظلمة التي كانت تكتنف وجوده. وحين نفخ فيه أربابُ العقل، امتثالاً لقانون التطور، شرارة العقل، كان أول شعور استيقظ فيه إحساسًا فطريًّا بالتواحد مع "خالقيه" الروحيين؛ وكأول إحساس ينتاب الطفل نحو أمه ومرضعته كذلك كان أول أشواق الوعي المستيقظ لدى الإنسان البدائي نحو الذين كان يشعر بعنصرهم ينمو فيه – على كونهم خارجه.(17)

تعتبر الثيوصوفيا الإنسانيةَ صدورًا وفيضًا عن حالة من "الألوهية" في طريقه إلى العودة إلى المبدأ الذي صدر عنه. وفي شوط متقدم جدًّا من درب التفتح الإنساني الطويل يبلغ المرء مرتبة النطاسة Adeptship التي لا يرقى إليها إلا من نَذَرَ عدة أعمار متوالية لبلوغها.(18) وقد يكون عدد الرجال والنساء ممَّن باشروا، منذ عدة أعمار سابقة، النهوض بهذا العمل الصعب، الرامي إلى تحقيق الإشراق الروحي الأسمى، عددًا لا يستهان به؛ غير أنهم ما يزالون، من جراء أوهام حياتهم الراهنة، إما جاهلين بذلك أو في سبيلهم إلى تفويت كلِّ فرصة متاحة لهم في حياتهم هذه لإحراز بعض التقدم. فهم يشعرون بانجذاب لا يعانَد إلى علم الباطن والسرَّانية وإلى الحياة العَلَيانية، لكنهم من التمركز حول شخصياتهم ومن التعلق بالحياة الدنيوية، بزيفها وأوهامها وملذَّاتها الزائلة، بحيث يقفون عاجزين عن الزهد والفقر الروحيين،(19) وبذلك يضيعون على أنفسهم كلَّ فرصة في هذه الحياة للتحول إلى حياة أجمل وأعمق. بيد أن الموناد في كلِّ كائن بشري هي، بحدِّ ذاتها، فردية روحية، واحدة، بما هي كذلك، مع الروح الكلِّية، وعليها معقد كلِّ رجاء في الخلاص والانعتاق.(20)

هذا وإن القلب الإنساني لم يفصح بعد عن مكنوناته كلَّ الإفصاح، ومازلنا بعيدين كلَّ البعد عن بلوغ أو حتى استشفاف مدى قدراته. أفكثير علينا – والحالة هذه – أن نؤمن بأن في مكنة الإنسان أن ينمِّي في نفسه إمكانات جديدة ويعقد علائق أوثق وأنبل مع الطبيعة والكون – علائق قائمة فعلاً، لكنه لا يلقي إليها بالاً؟ إن في جعبة منطق التطور الكثير الكثير مما يمكن، لا بل يجب أن نتعلَّمه، على أن نتابعه حتى تخومه القصوى. وعندئذٍ لا بدَّ لنا أن نعرف، كشفًا وإلهامًا، أن ثمة، عند نقطة معينة من الدرب الصاعد، من المعدني والنباتي حتى أنبل البشر، حيث تتفتح نفس موهوبة بالخصائص الذهنية، ملكةً إدراكية عليا، يمثِّلها القلب، تستيقظ في الإنسان وتمكِّنه من اكتناه أسرار حقائق تتخطى مدى إدراكنا العادي.

يبقى أن الإحجام عن قبول أن في منظومتنا الشمسية كائنات سوانا، عاقلة وقادرة على التفكير على المرتبة الإنسانية، هو من قبيل العناد المحض. فما لأحد أن ينكر سلفًا (وخصوصًا أن معطيات العلم الحديث باتت تؤيِّد ذلك) إمكان وجود عوالم ضمن عوالم في شروط مختلفة عن الشروط التي تكوِّن طبيعة عالمنا؛ وما لأحد أن ينكر علينا إمكان قيام اتصال بين هذه العوالم وعالمنا الأدنى.

Source: wikipedia.org
 
(5)
Basic Grammar

Basic Grammar

 

 
(5)
Basic Grammar

Basic Grammar