If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
نظرا لموقع البحرين الاستراتيجي في وسط الخليج العربي حاولت 3 قوى إقليمية الهيمنة عليها منذ أن سيطر عليها آل خليفة عام 1873 وهي مسقط والسعودية وفارس إلا أن أيا منها لم ينجح في الهيمنة عليها بسبب التنافس فيما بينها من جهة ولتصدي بريطانيا لها من جهة أخرى بحجة الحفاظ على استقلال البحرين وعدم تبعيتها لأي قوة إقليمية بالاستناد إلى أن بريطانيا ترتبط معها باتفاقيات والتزامات كاتفاقية مكافحة القرصنة عام 1820 واتفاقية مكافحة الرق عام 1847 واتفاقية الحماية عام 1861 لذلك تباينت مواقف هذه القوى من الحرب القطرية البحرينية والحملة البريطانية لوقفها.
خضعت البحرين للدولة السعودية الأولى عام 1800 ودفعت لها الزكاة ومنذ ذلك التاريخ ظل خضوعها للسعودية متذبذبا تبعا لقوتها أو ضعفها ولكن عملية الدفع استقرت في عام 1850 بعد أن قام الإمام فيصل بن تركي بن عبد الله آل سعود بغزو البحرين لامتناعها عن دفع الزكاة انتهت بقبولها إعادة دفع الزكاة بتشجيع بريطاني لأن بريطانيا كانت ترى بالزكاة ضريبة دينية لا علاقة لها بالتبعية السياسية واستمرار دفعها يصب في مصلحة سلامة سفنها وأسطولها التجاري إلى الهند منذ بداية القرن 19.
اعتبرت بريطانيا امتداد السيطرة السعودية على البحرين بمثابة توسع للعثمانيين لأن الإمام فيصل بن تركي بن عبد الله آل سعود أصبح يتبع الباب العالي بسبب الضعف الذي أصاب آل سعود بعد الانسحاب المصري من شبه الجزيرة العربية في عام 1840 لذلك كانت سياستها تقوم على رفض احتلال البحرين من قبل الحكومة العثمانية أو أي شخص يعمل بالنيابة عنها ومن أجل تحقيق ذلك ربطت هذه الإمارات بمعاهدات مدعومة بأسطول قوي منذ 1820 تحقيقا لمصالحها في المنطقة.
وبالرغم من حالة الضعف والتفكك التي كانت تمر بها الدولة السعودية الثانية نتيجة للحرب الأهلية التي استمرت خلال الفترة من 1865 إلى 1875 بسبب صراع الأخوين عبد الله وسعود على السلطة فقد ظل الإمام عبد الله يطالب بتبعية البحرين بما فيها قطر له من خلال دفع الزكاة لذلك فإن بعض القطريين الذين تعرضوا للنهب جراء هجوم البحرين وأبو ظبي توجهوا إلى الإمام السعودي طالبين منه التدخل حيث تعاطف معهم وتنبى قضيتهم.
تحدى شيخ البحرين محمد بن خليفة بن سلمان آل خليفة طلب الإمام السعودي مستغلا حالة الضعف التي تمر بها الدولة السعودية الثانية بسبب الحرب الأهلية فعمد إلى سجن جاسم بن محمد آل ثاني ومصادرة الممتلكات التي لم يطالها النهب حتى ذلك الوقت وأبعد حوالي 40 عائلة من قبيلة السودان كان قد سمح لها بالعودة ولذلك أعطى الإمام عبد الله تعليمات إلى ممثله في الإحساء للتحضير لهجوم على البحرين الذي أخذ يستعد لتنفيذ الأوامر بهذا الخصوص إلا أن هذا الهجوم لم يتم تنفيذه بالرغم من أن قبيلة من ساحل الإحساء تدعى بني عازر دانت بالولاء لنجد قد هاجمت ونهبت عددا من الماشية وأشياء أخرى لبعض مواطني البحرين غرب قطر في 23 أبريل 1868.
ولم يتعد الموقف السعودي هذه الإجراءات حيث أن السعوديين تبنوا هذا الموقف غير المتحمس للتدخل في هذه الحرب بسبب الصراع على السلطة ولخشيتهم من مطالبات بريطانية لهم بالتعويض عن عمليات عدائية لهم ضد البحرين فضلا عن الخوف من ردة الفعل البريطاني التي جعلت من نفسها حامية لاستقلال البحرين منذ عام 1820 إضافة إلى انشغالهم بالحرب الأهلية التي نشأت بسبب الصراع بين الأخوين عبد الله وسعود على السلطة.
عملت بريطانيا في سبيل تحقيق مصالحها بعقد مجموعة من الاتفاقيات مع سلطنة مسقط نظرا لموقعها على الخليج العربي ودورها الملاحي والتجاري في تموين السفن البريطانية ومن أجل ضرب القوى المنافسة لها في الخليج العربي خلال الفترة من 1798 إلى 1867.
كانت سلطنة مسقط شأنها شأن باقي القوى الإقليمية تحاول السيطرة على البحرين خلال فترة حكم سلطان بن أحمد بن سعيد (1794-1804) وسعيد بن سلطان (1706-1856) ولكن دون جدوى نتيجة للمعارضة البريطانية ومنافسة القوى الإقليمية لها وهما القاجار والسعودية وخلال هذه الفترة كان السلطان سالم بن ثويني بن سعيد في الحكم وعلى علاقة جيدة مع بريطانيا لذلك دعا المقيم البريطاني في الخليج العربي وزير مسقط الحاج أحمد إليه من أجل القيام بدور الوساطة ومرافقة المقيم البريطاني أثناء حملته في سبتمبر 1868.
عبر وزير مسقط عن قناعته بأنه إذا لم تعاقب الحكومة البريطانية شيخ البحرين فمن المتوقع تصاعد التوتر وحدوث المزيد من الأمور الخطيرة وقد أيد المقيم البريطاني وجهة نظر وزير مسقط تأييدا كاملا ورأى وزير مسقط وجوب مراقبة إجراءات الحكام بشدة لأنه إذا تم تمريرها بدون عقاب فإن آراء وموقف الحكومة البريطانية فيما يتعلق بالخليج العربي سوف يساء فهمها بشكل خطير من جانب مختلف الأطراف.
بدأت المفاوضات غير المباشرة عندما وصل الأسطول البريطاني في صباح 14 سبتمبر 1868 بدعوة شيخ أبو ظبي للحضور لمقابلة المقيم السياسي البريطاني في الخليج العربي وقائد الأسطول البريطاني للاستجابة للمطالب البريطانية إلا أن الشيخ لم يلبي الدعوة وكانت إجاباته غامضة ومراوغة لذلك طلب المقيم البريطاني في صباح 15 سبتمبر 1868 من حاج أحمد أن يقوم بدور الوساطة بدعوة شيخ أبو ظبي وإقناعه بأن الحكومة كانت جادة في تهديدها وأنه إذا لم يحضر ويستجيب للمطالب الخطية البريطانية فإن السفن الحربية ستباشر في قصف حصنه.
قدر البريطانيون الجهود التي بذلها وزير مسقط الحاج أحمد حيث شهد المقيم البريطاني في الخليج العربي بأن الحاج أحمد كان إلى جانبه خلال أشهر عديدة سواء في شيراز أو على الساحل العربي مسجلا له صفات الاعتدال واللباقة التي أظهرهما والاستعداد الكبير للمساعدة. وهكذا يتبين أن فشل سلطنة مسقط في تحقيق أهدافها في البحرين نتيجة منافسة بريطانيا والقوى الإقليمية دفعها إلى دعم بريطانيا لتكسب ودها ودعمها في مواجهة القوى الإقليمية المنافسة لها على مد النفوذ في الخليج العربي.
تمكن آل خليفة من العتوب من الهيمنة على البحرين وإخراج الفرس منها في عام 1783 لذلك ظلت الدولة الزندية ومن بعدها الدولة القاجارية الفارسيتان تطالب بتبعية بلاد البحرين لها بناء على احتلالها الجزيرة من 1602 إلى 1783 وعملت خلال الفترة من 1862 إلى 1869 على تجديد مطالبها بأحقيتها في البحرين لذلك احتجت على عمل المقيم السياسي البريطاني في البحرين على خلع محمد بن خليفة بن سلمان آل خليفة واستبداله بأخيه علي بن خليفة آل خليفة خلال سبتمبر 1868 وكان أولها احتجاجها الذي قدمته إلى السيد أليسون الوزير البريطاني في طهران في 19 نوفمبر 1868 وادعائها بأن البحرين ملك للدولة القاجارية وشكوى أخرى حول الموضوع نفسه قدمها كارغوزار في شيراز إلى العقيد البريطاني لويس بيلي والاحتجاج الثالث مرفقا برسالتين من شيخ البحرين المعزول محمد بن خليفة بن سلمان آل خليفة إلى وزير الخارجية البريطاني إيرل كلاريندون في 13 أبريل 1869 من قبل الوزير الفارسي محسن ميرزا في لندن. وكان أحد الأسباب الرئيسية للشكوى هو أنه لم يتم تقديم إخطار سابق إلى الدولة القاجارية بشأن النية البريطانية لاتخاذ حزمة إجراءات ضد البحرين.
دفعت الاحتجاجات الفارسية السابقة الذكر كلارندون ودوق أرغيل إلى التشاور مع وزير الدولة لشئون الهند في الإدعاء القاجاري فجاء الرد البريطاني على هذه الاحتجاجات في أبريل 1869 بتذكير الوزير القاجاري بأن شيوخ البحرين كانوا في فترات مختلفة في الماضي مرتبطين بمعاهدات مباشرة مع بريطانيا وأن أهداف الحكومة البريطانية من عقد المعاهدات مع الشيوخ هي منع القرصنة وتجارة الرقيق والحفاظ على أمن الخليج العربي ووعدوا في حال اتخذوا تدابير عقابية ضد شيخ البحرين مرة أخرى فإن الحكومة البريطانية ستبلغ الحكومة القاجارية مسبقا وإذا تعذر ذلك بسبب التأخير الناجمة عن الإحالة إلى محكمة طهران فسيجري إبلاغ الحكومة القاجارية بشأن هذا الموضوع.
هدف البريطانيون من وراء ردهم الإيجابي الوارد أعلاه تجنب إثارة طهران خوفا من تدخل الدول الكبرى في المشكلة ولا سيما وسيا فقد خشي البريطانيون خسارة الفرس لصالح منافسيهم الروس خاصة وأن إيران أحد الطرق المؤدية إلى الهند ولم يكن هدفهم الاعتراف بحق فارس في السيطرة على البحرين. وبالرغم من أن الحكومة البريطانية لم تكن مخلصة في تعهداتها للدولة القاجارية إلا أنها نجحت في إشعار طهران بالارتياح.
ويتضح مما سبق تدخل كافة القوى الإقليمية في هذه الحرب فقد هدد السعوديون بالتدحل لصالح أهالي قطر في محاولة منهم لتأكيد نفوذهم داخل البحرين الذي امتد لأكثر من 70 سنة واحتجت الدولة القاجارية على الإجراءات البريطانية في البحرين على اعتبار أنها ملكية فارسية قاجارية منذ عام 1300 فيما أيدت مسقط الإجراءات البريطانية.
اتخذت بريطانيا منذ توقيع اتفاقيات مكافحة القرصنة عام 1820 مع إمارات الساحل المتصالح والبحرين سياسة تقوم على الحفاظ على استقلال البحرين عن جميع القوى الإقليمية والدولية من جهة والحفاظ على الأمن والسلام في الخليج العربي من جهة أخرى للحفاظ على سلامة ملاحتها وتجارتها في الخليج العربي وإبعاد أي قوى دولية نظرا لأهمية هذه المنطقة في الربط بين بريطانيا وممتلكاتها في الهند لذلك وقفت الحكومة البريطانية موقفا حازما من الهجوم على قطر وما نتج عنه من الإخلال بالأمن وسياسة الحفاظ على الوضع الراهن في الخليج العربي التي تطبقها فاستغلت هذه الأحداث للتخلص من شيخ البحرين وفرض الهيمنة على البحرين مباشرة وإبعادها عن النفوذ السعودي والعثماني والقاجاري وفصل قطر عن البحرين وتجزئة المنطقة إلى كيانات صغيرة تسهيلا لإحكام السيطرة عليها.
اعتبرت بريطانيا ما قام به محمد بن خليفة بن سلمان آل خليفة خرقا لاتفاقية الصداقة التي وقعتها معه عام 1861 وخشيت أن يصبح هذا الاعتداء أنموذجا يحتذى في الخليج العربي الأمر الذي سيقود إلى فوضى هناك مما ينغكس سلبا على الملاحة البريطانية لذلك انشغل البريطانيون خلال الفترة الواقعة ما بين نوفمبر 1867 وبداية سبتمبر 1868 ببحث الإجراءات الواجب اتخاذها تجاه الأحداث هناك.
حرمت سرية وسرعة ترتيب وتنفيذ حملتي شيخ أبو ظبي والبحرين على قطر الحكومة البريطانية من فرصة منعها وسرعان ما أصبح ينظر إلى هذه المسألة في جميع أنحاء الخليج العربي كاختبار للاستعداد البريطاني للحفاظ على السلام في الخليج العربي فعقدت الحكومة البريطانية العزم على معاقبة الشيوخ المخالفين وإعادة هيبتها في المنطقة.
علل البريطانيون التأخير الكبير لتدخلهم بسحب السفن الثقيلة للبحرية الهندية التي كانت تستخدم باستمرار لمراقبة انتهاكات السلام سوى الزورق هيوج روز الذي لا يستطيع الإبحار أكثر من 8 ساعات متتالية من جهة ولطلب البريطانيين في شرق أفريقيا لكامل القطع البحرية من حكومة الهند بسبب الحملة البريطانية إلى الحبشة من جهة ثانية فاضطر المعتمد البريطاني إلى أن يطلب قوة من حكومة الهند مع تفويض كامل بالإجراءات التي يتخذها لردع هذين الحاكمين.
وضعت الباخرة السند في مايو 1868 تحت تصرف لويس بيلي لتغطية النقص وفرض حصار على أبو ظبي أولا إلا أنها وصلت بدون ذخيرة بسبب سياسة الترشيد التي كانت تطبقها حكومة الهند لذلك طالب بيلي حكومته بتفويضه بمخاطبة شيخ أبو ظبي وإبلاغه بعلم الحكومة بانتهاكه الصارخ للهدنة البحرية على الساحل المتصالح وأن سلوكه يعد انتهاكا خطيرا لشروط الهدنة البحرية وعدم قبول تبريراته مهما كانت وضرورة إبلاغه أنه في حالة عدم استعادته للمتلكات المنهوبة فسيحاصر مما سيشعر رجال قبائله بالانزعاج لأنهم سيفقدون موسم صيد اللؤلؤ الذي سيبدأ في أبريل 1868.
وفوضت حكومة الهند بيلي في 21 يناير 1868 بمخاطبة شيخ أبو ظبي باستعادة الممتلكات المنهوبة دون تأخير وإرسال شخص معتمد من قبله إلى المقيم البريطاني لكنها رفضت التهديد بالحصار في ذلك الوقت لصعوبة تنفيذه نظرا لانشغال الأسطول البريطاني في حرب الحبشة مما تسبب في إحراج الموقف البريطاني لأن الجميع ينتظر الإجراءات التي ستتخدها الحكومة البريطانية بشأن قضية قطر لا سيما إذا أفلت شيخ أبو ظبي من العقوبة فإن الحكام الآخرين سيطالبون بالتحرر من تعاقداتهم.
رغب بيلي في 9 مايو أن ترسل حكومة الهند رسالة مماثلة إلى شيخ البحرين على غرار الرسالة التي سبق أن وجهتها إلى شيخ أبو ظبي ففوضته في 6 يونيو 1868 بتوجيه مثل هذه الرسالة إليه وبالرغم من وصول باخرة السند في 18 مايو 1868 لفرض حصار على أبو ظبي قبل أن ينتهي موسم صيد اللؤلؤ لأن الحصار سوف لن تكون له أي أهمية تذكر بعد ذلك إلا أنهم أرجئوا الحصار لأن السند لم تكن مزودة بالذخيرة غضلا عن عدم وصول القوة الإضافية التي وعدت بها حكومة الهند.
شعر شيخ أبو ظبي بالقلق لخرقه الهدنة البحرية وتأخير رده على رسالة المقيم البريطاني المؤرخة في 21 يناير 1868 لذلك سارع عندما اقترب الهجوم البريطاني بالرد على رسالة المقيم البريطاني في 23 مايو 1868 إلا أنه كان ردا مراوغا وغير مرض في الوقت الذي علم فيه البريطانيون بالتفاهم السري بين شيخي البحرين وأبو ظبي بأن يقوم الأول بتعويض الثاني عن المبلغ الذي قد تجبره الحكومة البريطانية على دفعه.
وجه بيلي إنذار شديد اللهجة في 8 يونيو إلى شيخ أبو ظبي مفاده أنه نظرا لعدم تقديم التعويض المطلوب عن خسائر قطر فإنه سيتوجه قريبا إلى أبو ظبي لإجباره على الوفاء بتعهداته ودفع 1.25 لك من القرانات وإعادة الأشخاص والممتلكات التي نقلت من قطر وتقديم اعتذار عن أحداث الماضي والتعهد بسلوك أفضل في المستقبل فضلا عن تفويض حكومته له بفرض حصار على أبو ظبي.
قررت حكومة الهند الخروج عن سياستها القائمة على التريث فعجلت باتخاذ خطوات لحفظ السلام في الخليج العربي بعد الهجوم الانتقامي الذي شنته قبائل قطر على البحرين في يونيو 1868 فطلب الحاكم العام للهند في 17 يوليو 1868 من حكومة الهند إرسال قوة بحرية مناسبة إلى الخليج العربي وتزويد العقيد بيلي بالتعليمات من أجل تحذير البحرين وأبو ظبي مرة أخرى بضرورة تقديم تعويضات فورية وإلا فإنهم سيواجهون العقاب.
وافقت حكومة الهند في 21 يوليو على إرسال السفينة أرغس والسند وفيجلانت إلى مياه الخليج العربي وإعطاء النقيب براون تعليمات بالمطالبة بالتعويض عن المنهوبات بالتشاور مع بيلي ومرافقته في جميع مراحل الحملة.
أعطت حكومة الهند في 23 يوليو 1868 براون قائد الأسطول البريطاني تعليمات بشأن التدابير التي يتعين اتخاذها ضد الأطراف المخالفة بالتعاون الكامل مع العقيد بيلي وذلك بتوجيه العمليات مباشرة لشيخ البحرين وأبو ظبي والطلب من هذا الشيخ دفع مبلغ 100 ألف دولار فورا وتسليم البغلات المسلحة العاملة في الحملة الأخيرة وضمان سلوكه في المستقبل وفي حال رفض الشيخ الاستجابة فعليه استخدام كل الوسائل المتاحة وأن يفرض على شيخ أبو ظبي ما سيفرض على شيخ البحرين والتشاور مع بيللي بشأن طبيعة هذه الغرامة ومقدارها.
أبحرت السفينة فيجيلانت في 28 يوليو إلى الخليج العربي بقيادة النقيب براون ووصلت في 1 سبتمبر 1868 حيث أخذ المقيم السياسي البريطاني بعد ذلك يعد العدة للحملة القادمة على إمارات الخليج العربي فجمع الزورقين كلايد وهيو روز إلى جانب السفينة السند في بوشهر واتفق مع براون على السير إلى الوكرة المدينة الرئيسية على ساحل قطر من أجل وضع حد للنزاع البحريني القطري وفرض الهيمنة البريطانية المباشرة عليهما.
ويبدو أن هناك أهدافا عديدة للبريطانيين من وراء إعادة فرض السلام البحري بعد اندلاع الحرب القطرية البحرينية من أهمها: أن الانسحاب البريطاني من السلام البحري سينشر الفوضى في المنطقة فضلا عن رغبتهم في الحفاظ على أمن الطريق إلى الهند عبر نهر الفرات وتشجيع التجارة في الخليج العربي لأن انسحابهم من الحفاظ على الأمن هناك سيقود إلى تعرض الملاحة البحرية للنهب وجعل التجارة مستحيلة في غضون 3 أشهر مما يظهر أن هدف السياسة البريطانية هو الحفاظ على مصالحها السياسية للهيمنة على دول المنطقة والحفاظ على سلامة طرقها التجارية.
تحرك الأسطول البريطاني في 5 سبتمبر بقيادة النقيب براون يرافقه العقيد لويس بيلي وقرروا مغادرة ساحل قطر إلى البحرين وعندما سمع محمد بن خليفة بن سلمان آل خليفة بهذه التحركات فر إلى قطر حيث وصل الأسطول في 6 سبتمبر إلى ميناء المنامة ومن هناك وجه المقيم البريطاني رسالة إلى محمد بن خليفة بن سلمان آل خليفة يخبره فيها عن وصوله ويطلب فيها القدوم فورا فتسلم علي بن خليفة آل خليفة نيابة عن أخيه.
حملت حكومة الهند البريطانية شيخ البحرين جميع تبعات الهجوم على قطر وما تولد فيه من عنف ولا سيما عدم التزامه بمطالب الحكومة الهندية لذلك اتخذت حكومة الهند قرارا بمعاقبته بفرض غرامة عالية عليه بقيمة 100 ألف دولار تدفع فورا وتسليم بغلاته الحربية وأسلحته والقدوم الفوري لمقابلة المقيم السياسي السياسي وإلا فإن القوة ستستخدم ضده وإن عليه الإعلان عن رغبته بالقدوم بنفسه أو من ينيب عنه لمقابلته على الشاطيء مع تعليمات في تلبية مطالب الحكومة البريطانية لأن الأعمال المرتبكة تعود بالكامل إلى أخيه وعليه أن يعرف هو ورعاياه بأن لا بديل آخر لخلع محمد بن خليفة بن سلمان آل خليفة من السلطة سوى خراب بلاده.
لبى علي بن خليفة آل خليفة الدعوة واحضر معه 7 من وجهاء البحرين ووافق جميعهم على إعلان ملزم على عزل محمد بن خليفة بن سلمان آل خليفة. وبعد مشاورات استمرت يومين عاد علي بن خليفة آل خليفة والوجهاء في 9 سبتمبر 1868 وسلموا بيلي بيانا رسميا ملزما نص على أن محمد بن خليفة بن سلمان آل خليفة ارتكب مرارا أعمال قرصنة وبذلك خسر منصبه ويجب تسليم كل بغلات الحرب التي تعود إلى محمد بن خليفة بن سلمان آل خليفة إلى النقيب براون وأن يدفع للمقيم 25000 دولار نقدا فورا في 7 سبتمبر 1868 وأن يدفع 75000 دولار على 3 أقساط سنوية يتكون كل قسط منها من 25000 دولار في 7 سبتمبر من كل سنة متتالية حتى يتم دفع المبلغ الإجمالي واستبعاد محمد بن خليفة بن سلمان آل خليفة من حكم البحرين والوعد بالقبض عليه وتسليمه للمقيم السياسي البريطاني.
تسلم بيلي من علي بن خليفة آل خليفة مبلغ 100 ألاف قران في 9 سبتمبر 1868 كجزء من الدفعة الأولى من 100 ألف دولار التي طالب بها من شيخ البحرين وهي: 20870 قران فضة و2029 تومان ذهب أي ما يساوي 26130 قران و53000 قران بواسطة فواتير مستحقة الدفع آجلا في بوشهر. كما فرضت غرامة قدرها 18000 قران على رؤساء أحياء حي مكران للتعويض عن الخسائر التي لحقت بالرعايا البريطانيين المقيمين في الحي. وتم جمع 13699 قران من هؤلاء الرؤساء حيث كان منها 16200 قران لمشتكين اثنين.
برر البريطانيون تقسيط الغرامة بأن الدفع الفوري والكامل للغرامة ينطوي عليه زيادة ضغط مالي على السكان وإن الضرائب الإضافية من جانب الحاكم تم اختياره حديثا سيثير السخط. حيث كان هدف السياسة البريطانية الوفاء بالمطالب دون إضعاف علي بن خليفة آل خليفة مع إتاحة فرصة السيطرة المالية لهم عليه.
أما عن السياسة التي اتبعها البريطانيون فيما يتعلق بمراكب الحرب لمحمد بن خليفة بن سلمان آل خليفة فقد كانت استئصالية فقد دمرت السفن البريطانية قلعته في أبي ماهر في المحرق ومدفع وأحرقت 3 سفن حربية له وفرضوا عليه غرامة قدرها 1 لك دولار بينما أعادوا بنفس الوقت المراكب التي يملكها علي بن خليفة آل خليفة حفاظا على هيبته أمام شعبه. ثم أعادوا بعد ذلك تسليح الزورق كلايد في صباح يوم 10 سبتمبر ووضعوه قرب حصن علي بن خليفة آل خليفة ليستفيد من الدعم المعنوي البريطاني والاعتراف الرسمي به حاكما للبحرين.
وهكذا تمكنت بريطانيا من تحقيق أهدافها في البحرين وتطبيق سلسلة من الإجراءات القاسية بحقها دون حرب نتيجة فرار شيخ البحرين محمد بن خليفة بن سلمان آل خليفة وتسلم أخيه مكانه فضلا عن فرض غرامة حربية مؤلمة على البحرين تقدر ب100 ألف دولار كما اتخذ البريطانيون من هذه الإجراءات منهجا طبقوه في باقي المناطق التي استهدفت حملتهم العسكرية.
استكمل بيلي وبراون إجرائاتهما في البحرين ثم أبحروا إلى الوكرة وطلبوا من محمد بن ثاني آل ثاني أن يأتي على متن قارب مع الشيوخ الذين يرغبون بالقدوم معه مع منحه حق المرور الآمن حتى يعود إلى بيته لمناقشة مختلف القضايا وعلى رأسها الالتزامات المالية للبحرين على قطر.
استجاب الشيوخ للطلب وذهبوا على متن قارب وبرروا هجومهم على البحرين لغضبهم من عمليات النهب والتدمير لممتلكاتهم وبلداتهم من جانب البحرين. وأعلنوا في الوقت نفسه عن استعدادهم لتوقيع أي وثائق تضمن السلام العام وتسليم محمد بن خليفة بن سلمان آل خليفة.
أوضح البريطانيون لشيوخ قطر بأن حكومتهم تهدف من هذه الإجراءات إلى إعادة إحلال السلم ويجب مساعدتهم بالقبض على محمد بن خليفة بن سلمان آل خليفة. كما وجهوا الاتهام إلى شيوخ آخرين من قطر بارتكاب انتهاكات قرصنة خطيرة للهدنة البحرية. وطلبوا من محمد بن ثاني آل ثاني الاستمرار بالعلاقات السلمية التي كانت قائمة بين البحرين وقطر.
وحذر العقيد بيلي محمد بن ثاني آل ثاني بأنه في حال التآمر مرة أخرى مع محمد بن خليفة بن سلمان آل خليفة فسيتخذ بحقه تدابير قاسية منها نزع السلطة منه. وفي المقابل تعهد محمد بن ثاني آل ثاني رسميا في 12 سبتمبر 1868 بموجبي وثيقة بتنفيذ عدة شروط من أهمها: أن يعود إلى الدوحة وأن يقيم بسلام في هذا الميناء وعدم الدحول في أي وقت إلى البحر بأي نية عدائية والرجوع إلى المقيم السياسي البريطاني في حالة نشوء نزاعات أو سوء تفاهم وعدم مد يد المساعدة لمحمد بن خليفة بن سلمان آل خليفة أو ربط نفسه بأي حال من الأحوال وتسليمه إذا ما قبض عليه والحفاظ على العلاقات الجيدة مع علي بن خليفة آل خليفة والرجوع إلى المقيم السياسي البريطاني في حال وجود أي خلاف بينهما.
وهكذا أدخلت الاتفاقية قطر أسوة بباقي إمارات الخليج العربي باتفاقيات الهدنة البحرية لذلك حذر بيلي شيوخ قطر من عواقب أي خرق مستقبلي للهدنة البحرية وطالبهم بإعادة مبلغ 18000 قران التي نهبت من بعض المواطنين الهنود البريطانيين المقيمين في الوكرة حيث دفعت 6 آلاف قران نقدا و12 ألف قران من فاتورة على تاجر اللؤلؤ الثري في لنجة حيث يتم تأمين قيمة الفاتورة بحقيبة من اللؤلؤ تسلم لبيلي ليسلمها لتاجر اللؤلؤ لدفع قيمة الفاتورة.
كما تعهد شيوخ قطر رسميا في 15 سبتمبر 1868 بدفع مبالغ مالية لعلي بن خليفة آل خليفة على أن يسلمها للمقيم السياسي البريطاني في بوشهر حيث ترتب على القبائل 9000 قران وزعت على النحو التالي: المهاندة 1700 والبوعينين والنعيم 1500 والسماسمة 500 وشليب 500 والسودان 1500 ومحمد بن ثاني آل ثاني وآل مسلم 2500 والعمامرة 800 كضريبة تدفع للدولة السعودية لقاء ضمان عدم اعتداء القبائل التابعة لها على قطر.
وبالرغم من فهم البريطانيين أن رؤساء البحرين يطلبون منهم ما مجموعه 15 ألف قران في السنة بدلا من 9000 كما هو مبين أعلاه فإن شيوخ قطر وافقوا على دفع أي مبالغ إضافية لا يزيد مجموعها عن 15000 قران.
عاد محمد بن ثاني آل ثاني ليقيم بمدينته الدوحة متعهدا أن يعيش بسلام ولا يعتدي على أي أحد من جيرانه والمحافظة على السلام البحري. وهكذا جاء ظهور قطر كوحدة سياسية متأخرة في الخليج العربي بعد أن كانت متذبذبة في ولائها ما بين الدولة السعودية والبحرين. كما يتضح أن بريطانيا استغلت الأحداث لفصل قطر عن البحرين لتربطها بها من خلال هذه الاتفاقية لتكون كيان سياسي منفصل. وبمقارنة الإجراءات البريطانية في قطر عما كانت عليه فإن الإجراءات في قطر كانت أقل حدية إذ لم تفرض على قطر أي غرامة حربية كما لم تنزع منها الأسلحة كما فعلت في البحرين لقناعتها بأن سبب الحرب هو البحرين وليس قطر.
بعد أن استكمل البريطانيون إجراءاتهم في قطر أبحر أسطولهم مساء 12 سبتمبر 1868 إلى أبو ظبي ووصلوها في 14 سبتمبر حيث سلم بيلي وبراون رسالة إلى زايد بن خليفة آل نهيان وضعت وفقا لتعليمات الحكومة البريطانية. بيد أن زايد بن خليفة آل نهيان كان غير قادر على إدراك جدية الجانب البريطاني في التعامل مع انتهاكاته بدليل أنه بعث برسالة مراوغة مع وكيله ردا على الرسالة التي تسلمها ابنه مما حدا بالبريطانيين إلى تصعيد الموقف بتحريك أسطولهم قريبا من الشاطيء مؤكدين له أنه في حال حدوث مزيد من التأخير فإنه سيطبق بالقوة امتثالا لمطالب الحكومة البريطانية.
تضمنت المطالب البريطانية دعوة زايد بن خليفة آل نهيان القدوم على متن السفينة في إطار المرور الآمن الذي منحه له المقيم السياسي البريطاني ومعه 25000 دولار غرامة وتسليم أي مركب حربي تورط في الهجوم على قطر وترتيب ضمانات للمستقبل صيانة للسلم في البحر وفي حال امتنع أو تردد في الوفاء بالمطالب المذكورة أعلاه فإنها ستنفذ فورا بالقوة.
حبذ المقيم السياسي البريطاني في الوقت نفسه عدم اللجوء إلى القوة لا سيما أن هناك إمكانية لتحقيق هدف حكومته بطريقة أخرى خشية أن تضيع على التجار البريطانيين في أبو ظبي العديد من اللكات من الروبيات المستثمرة في موسم صيد اللؤلؤ وانتقال غواصي اللؤلؤ إلى ميناء آخر مهم لذلك لجأ بيلي إلى توسيط الحاج أحمد وزير سلطنة مسقط ليدعو شيخ أبو ظبي وإقناعه بأن الحكومة جادة وتحذيره بأنه في حال عدم استجابته للمطالب البريطانية فإنه حصنه سيتعرض للقصف.
تجاوب شيخ أبو ظبي زايد بن خليفة آل نهيان مع وساطة وزير مسقط فجاء على متن القارب في صباح 16 سبتمبر 1868 وتعهد بحضور بيلي والنقيب براون بتنفيذ عدة بنود تمثلت بعدم ارتكاب أي اضطرابات من أي نوع كان تنتهك السلام في البحر وتحمل مسئولية عواقب أي عمل يقوم به ودفع مبلغ 25000 دولار منها 9000 تدفع نقدا وفورا و8000 في شهر محرم 1285 للهجرة الموافق 1868 و8000 تدفع في شهر رجب وعدم منع الأشخاص الذين أخرجوا من قطر من العودة إلى ديارهم إذا رغبوا في ذلك. وإعادة الأحصنة التي نهبها وباعها ومهرتين عربيتين كان قد تلقاهما من شيخ البحرين نهبتا من قطر.
أبحرت السفن البريطانية في طريق عودتها من أبو ظبي على طول الساحل. وجاء شيوخ الشارقة ودبي الذين قاموا بانتهاكات طفيفة للسلام بصورة متكررة على متن السفينة فوجه بيلي لشيخ الشارقة تحذيرا رسميا ومهذبا وأن يعيد فرسا لصاحبها نهبت من قطر وأعطاها له شيخ البحرين فوعد الشيخ أن يقوم بذلك فورا.
أدركت بريطانيا استحالة حفظ الأمن في الخليج العربي دون تواجد قوات دائمة هناك افترح نائب الملك في الهند على وزير الخارجية البريطاني في 13 سبتمبر 1868 أن ترسل السلطات البحرية ثلاث أو أربع سفن صغيرة إلى البحرين تعمل تحت إشراف العقيد بيلي بغرض قمع القرصنة وأيد وزير الخارجية هذا الاقتراح معتقدا أن الإجراءات البريطانية في الخليج العربي أعطت درسا مناسبا للحكام العرب بعدم زعزعة السلام في الخليج العربي وأصبحت بريطانيا أكثر حذرا ودقة في مراقبة القبائل على الساحل العربي. يتضح مما سبق نجاح السياسة البريطانية التي تمثلت بوضع حد للحرب بطرق سلمية ودون أن يتكبدوا أي خسائر بشرية أو مادية فضلا عن اغتنام البريطانيين هذه الحرب لتطبيق سياستهم التقليدية بالحفاظ على الأمن باعتبار ما حصل قرصنة يخالف بنود الاتفاقيات ويهدد أمن وسلامة الملاحة والتجارة البحرية وتقسيم المنطقة بغية إضعافها وتسهيل السيطرة عليها والتحكم بها.