If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
إن دراسة الجاليات المسلمة في أنحاء أوروبا تبين -وبشكل عام- أن المسلمين في البلدان الأوربية يقفون عند الحدود العرقية؛ فمثلاً الجزائريون يميلون إلى المحافظة على فصل المساجد والجمعيات الدينية عن غيرهم، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الأتراك، والسنغاليين، والباكستانيين وغيرهم، ويؤدي هذا إلى حدوث العديد من المشاكل؛ منها تمثيل القيادة الإسلامية عند الدولة التي يقيمون فيها.
بالنسبة إلى ليتوانيا فإن الوضع هنا مختلف عن بلدان الاتحاد الأوربي، (ويشبه نوعًا ما بلدان أوروبا الشرقية)؛ فالحكومة تعترف بالإسلام كواحد من الأديان التسعة التقليدية، التي تحافظ عليها الدولة بنفسها، وإن مثل هذا التصرف من الحكومة تُقدَّر عليه.
وعلى أية حال، فإن حكومة ليتوانيا تعترف فقط بالإسلام "الليتواني"، الذي هو نسخة عن الإسلام الذي يدين به المسلمون التتار الليتوانيون، والموصوف بشكل رسمي بالإسلام السني؛ ولهذا اضطر المسلمون الليتوانيون عند تسجيل مراكز إفتائهم (مفتياتهم) في وزارة العدل عام 1998 أن يضعوا كلمة "سني" في اسم منظمتهم الدينية، فأصبحت كما يلي: "المركز الروحي للمسلمين الليتوانيين السُّنة"، وكما بيَّن "أسانافيكيوس" إمام جالية فيلنيوس الرسمي قائلاً: "قد يستطيع المسلمون أن يستلموا الدعم المادي من الحكومة فقط عندما يضعون كلمة (السنة) في اسم جمعيتهم"، وإلا فإن جمعيتهم لن تعتبر واحدة من تسع منظمات رسمية محمية رسميًّا كـ"أديان تقليدية".
إضافة إلى ذلك فإن الحكومة الليتوانية تفترض أن المنظمة الدينية الإسلامية في ليتوانيا هي منظمة للتتار الليتوانيين، وبما أن الحكومة تخصص أموالاً للجاليات الدينية التقليدية التي تعترف بها؛ فإن التتار هم الذين يعتَبرون الممثلين الوحيدين للإسلام في ليتوانيا؛ لذلك فإنهم يتلقون دعمًا سنويًّا من الحكومة، ففي عام 1999 كانت حصتهم 18 آلاف ليتا (4500 دولار)، وفي عام 1998 كانت 20 ألف ليتا، وعلى كل حال، فإن المال ليس هو القضية هنا، ولو أنه لا يعتبر شيئًا إذا ما قورن بالمقاييس الليتوانية.
إن القضية هنا هي: من المعترَف به رسميًّا ومن -بالتالي- يتلقى الدعم من الحكومة، وقد أصبح الوضع أكثر تعقيدًا؛ لأن المال يعطى للجاليات التترية التي هي نفسها منظمات عرقية مستقلة.
في الوقت الحالي توجد خمس منظمات تترية مسجلة في جمهورية ليتوانيا، التي كانت تقسم الدعم المالي بين هذه المنظمات بالتساوي، ولم تكن مراكز الإفتاء (المفتيات) مبدئيًّا تعامَل على أنها إحدى هذه المنظمات؛ لذلك فإن أي دعم وصل فعليًّا للمفتيات كان نتيجة النية الطيبة للجاليات التترية، خصوصًا الجالية التترية في فيلنيوس، وهذا ما جعل المفتيات -وهي منظمة دينية- تعتمد كلِّيًّا على الجاليات التترية، التي هي جاليات عرقية.
أما في عام 2000 فقد تغيرت الأوضاع، تتلقى حاليًّا المفتيات المعونات مباشرة من الحكومة؛ إلا أن هذا الأمر أثار توترًا بين المفتيات والجاليات التترية؛ بالنسبة إلى مقدار المبلغ الذي تعطيه الحكومة للمسلمين التتار، والذي لم يزدد، وفي الحقيقة فإن الجاليات التترية الآن تحصل على مال أكثر، وهي بالتأكيد غير سعيدة بالتعديل الجديد لسياسة التوزيع، ومرة أخرى يطرح السؤال: من هو المدعوم من الحكومة؟ هل هم كل التتار (كأقلية عرقية)، أم التتار المسلمون، أم المسلمون في ليتوانيا (على الأقل السنيون)؟ وعلى مستوى الدولة فليس هناك موقف واضح، إن الوضع الذي كان سائدًا لعقد من الزمن كان مريحًا للجانبين؛ ولكنه اضطرب الآن.
وكما رأينا فإن الإسلام على مستوى نظام القضاء الليتواني يتعامل معه على أساس أنه دين عرقي، وإضافة إلى ذلك، على مستوى الجالية، فإن الإحساس الشعبي عند التتار الليتوانيين ضمنيًّا أن "إسلام ليتوانيا" يمثل التتار، وأن التتار هم الإسلام، ومثال على ذلك: هناك منظمتان منفصلتان في كاوناس، إحداهما "جالية مسلمي كاوناس الدينية"، والأخرى "الجالية التترية لمقاطعة كاوناس"؛ حيث إن أعضاء وقيادة هاتين المنظمتين واحدة، والأمور المتعامل معها مختلطة فيما بين المنظمتين، إن لم تكن هي في الغالب نفسها.
وخلال القرون جعل التتار المسلمون الإسلام تقليدهم الثقافي-العرقي، وحتى في هذه الأيام وفي صبيحة الظروف المتغيرة، ما زالوا يتمسكون بهذه الصفة، مدعومين كما رأينا من قبل الدولة، وهذا بالطبع يدفعهم للنزاع بينهم وبين المسلمين من بلدان أخرى، يفهم هذا من كلام أحد التتار المهتمين عندما قال: "هناك قضية تتطور عندما يتذكر التتار أصولهم ودينهم مرتين في السنة –خلال عيدي الفطر والأضحى، في صلاة الجمعة في مسجد كاوناس -مثلاً- هناك كثير من المسلمين وللأسف ليسوا تترًا ولكنهم طلاب من دول الشرق الأوسط". يبدو من هذا الكلام أن الطلاب المسلمين هم الذين يمارسون الإسلام في ليتوانيا وليس المقيمون؛ لذلك فإن وجود هؤلاء الطلاب مرغوب فيه لحدود معينة، فهم يستخدمون في تعليم أولاد التتار وخصوصًا اللغة العربية، وليس لهؤلاء الطلاب في الجالية والمفتيات كلمة أو ممثلون عنهم، وإضافة إلى ذلك فإن المسلمين غير التتر والمقيمين في ليتوانيا ليس لهم جمعية دينية مسجلة.
إن الجريدة الشهرية للتتار الليتوانيين تعكس الانطباع المتغير لدى المسلمين المحليين التتار نحو إخوانهم الأجانب، وإلى عهد قريب لم تكن هناك أي إشارة تدل على الامتعاض من المسلمين الأجانب؛ ولكن هذا بدأ يتغيَّر؛ حيث إن بعض التتار أصبح لديه احتراز نحو المسلمين الأجانب المقيمين في ليتوانيا؛ وهذا منعكس في تصريح الرئيس السابق لاتحاد جاليات تتر ليتوانيا، جوناس ريدزْفانوفيكيوس، عندما حذر من التزاوج بين المسلمين غير التتر والفتيات الليتوانيات.
يشير ريدزْفانوفيكيوس إلى أنه على التتار أن يحتفظوا بدينهم لأنفسهم ولا يشاركوا فيه أحدًا، من ناحية أخرى شعر بالأسف أن قليلاً من التتار من يأتي إلى المسجد لأداء صلاة الجمعة، وفي مناسبة أخرى أعلن ريدزْفانوفيكيوس أن "على التتار المحليين أن يكون لهم الدور الرئيسي في المسجد، لا أن يردُّوه للغرباء، المسجد تابع للتتار المحليين وليس للعرب".، وكما ذكر آنفًا فإن المساجد المفتوحة في ليتوانيا لا يعتنى بها من قبل التتار بل هم يمتلكونها.
وصل التوتر والصراع الخفي على السلطة والقوة في الجالية الإسلامية الليتوانية إلى أقصاه عند وصول إمام جديد أرسل من قبل تركيا، وحين رغب المفتي الليتواني أن يأخذ على عاتقه دور الإمام بإمامة الصلوات الجماعية وإلقاء خطبة الجمعة بنفسه، اعترض بعض الأتراك الحاضرين في المسجد على أساس أن الصلاة يجب أن تؤدى من قبل من يعرف قراءة القرآن بشكل جيد، (مضمنًا بكلامه أن المفتي غير قادر على القيام بها بشكل مقبول)، وقد أجاب المفتى عن هذا أن على المحليين (التتار) أن يؤموا في الصلاة ويتعلموا كيف يفعلون، وإلا فإنهم سيبقون غرباء في مساجدهم.
إذا كانت هذه الرواية صحيحة فإنها تقترح عدة نقاط للنقاش حول وجود ووضْعِ الأقليات المسلمة في ليتوانيا اليوم.
ومن العدل أن نلاحظ أن التتار الليتوانيين يُعَرِّفون بأنفسهم -بشكل جزئي- مع الأتراك، ولعل هذا يكمن في الاهتمام التركي والمشاركة الفعالة في شئون التتار (إمام تركي، أدب إسلامي تركي، تعليمات باللغتين التركية والعربية، إصلاح المساجد بأموال تركية..)، ومع ذلك فإن هناك بعدًا تاريخيًّا لهذا الأمر، فإن التتار كانوا دائمًا يعتبرون أنفسهم أقرباء الأتراك، وبينما العرب والباكستانيون المسلمون في ليتوانيا ينظمون احتفالاتهم بشكل مستقل، فإن الأتراك يحبذون مشاركة التتار في احتفالاتهم -خاصة- بعيدي الفطر والأضحى.