If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
كان للكشوف الجغرافية الإسبانية – والبرتغالية أيضاً – أبعاد كثيرة، وترتبت عليها نتائج وآثار عديدة ومتنوعة، كان بعضها ذا طبيعة اقتصادية، والآخر ذا طبيعة سياسية، والبعض الثالث كان ذا طبيعة اجتماعية، وكان الأخير ذي طبيعة ثقافية.
تتلخص في انتقال مركز التجارة من حوض البحر المتوسط إلى المحيط الأطلسي، فانتقلت الأهمية التجارية من دول حوض البحر المتوسط إلى دول غرب أوروبا. ويعرف هذا بالثورة التجارية التي كان من أهم عواملها اتساع نطاق التجارة وتدفق معدني الذهب والفضة إلى أوروبا وكانا نادري الوجود بها في نهاية القرن الخامس عشر. فقد حصل البرتغاليون منذ البداية على كميات كبيرة من الذهب من الساحل الغربي لأفريقيا. وازداد تدفق الذهب إلى أوروبا نتيجة لاستيلاء الأسبان على المكسيك (بين عامي 1519-1522) وعلى بيرو بين عامي (1532-1541). وفي عام 1545 اكتشفت جبال بأكملها من الفضة يصل ارتفاعها إلى سبعمائة متر في بوتسوي بمرتفعات بيرو، وقد أمسى غنى بيرو بعد ذلك مضرب الأمثال. وترتب على ذلك أنه منذ منتصف القرن السادس عشر أصبح في أوروبا من القطع الفضية والذهبية ما يعادل اثني عشرة مرة ما كان بها قبل ستين عاماً، إذ اتسعت عمليات تصدير الذهب والفضة وغيرهما من المعادن النفيسة إلى أوروبا، وأخذت السفن الإسبانية منذ أواسط القرن السادس عشر تعود إلى إسبانيا وهي محملة بالفضة من المستعمرات الإسبانية في أمريكا الجنوبية بعامة وفي بيرو بخاصة، وغدت إسبانيا مركز الفضة وسوقها الرئيسية في أوروبا. وأخذت تصدر سبائك الفضة إلى سائر البلاد الأوروبية، وبدأ في عهد فيليب الثاني ملك إسبانيا (1556-1598) ما يسمى بعصر الفضة في أوروبا. وتوفر نتيجة لذلك النقد المتداول فزادت الأجور وقفزت أسعار السلع والحاجيات وارتفع بالتالي مستوى المعيشة بين أفراد الطبقة الوسطى ، فازدادت قوة ، وتدعم مركزها السياسي.
حاولت إسبانيا بما سنته من قوانين ونظم تجارية أن تحتفظ باحتكار هذه الثروات الطائلة التي كانت ترد إليها من العالم الجديد. ولكنها لم تستطع أن تحقق ذلك تمام التحقيق لأنها كانت لا تستطيع أن تزود مستعمراتها في العالم الجديد بما يلزمها من مصنوعات مختلفة، لذلك قام الأجانب غير الأسبان بهذا الدور من دول أوروبا البحرية في الجزء الشمالي الغربي منها وهي هولندا وإنجلترا وفرنسا، مما ترتب عليه انتشار المعدنين النفيسين في هذه البقاع المختلفة في القرن السادس عشر. وقد تأثرت فرنسا تأثرا بالغا بهذا المعدن فقد كانت تمد إسبانيا بكثير من مصنوعاتها وصناعها كذلك، فأثرت طبقة الماليين فيها ورجال المصارف ، مما شجع الكثيرين من التجار على ترك أعمالهم التجارية للاشتغال بالمعاملات المالية.
ولم يقتصر الأمر على إسبانيا وفرنسا بل أصاب الغلاء سائر الدول التي وصل إليها هذا المعدن، ففي فرنسا نجد ارتفاعاً في أثمان الغلال والمصنوعات والأراضي، وصلت هذه الأثمان في نهاية القرن السادس عشر إلى ثلاثة أمثال بل أربعة أمثال ما كانت عليه في بدايته.
نتج عن ذلك أيضاً ازدياد النشاط التجاري الاقتصادي، وقد ظهر ذلك في إنشاء الصناعات الجديدة مما أدى إلى زيادة في رؤوس الأموال، ووجه الأنظار نحو العمل على ضمان حرية التجارة، ومن هنا ظهرت كذلك الحاجة إلى الحصول على مستعمرات لتصريف مصنوعات الدولة، والحصول على المعادن والمواد الأولية اللازمة للصناعة. ومن ثم بدأ التقدم والنمو الاقتصادي للدول البحرية ولاسيما الواقعة غربي أوروبا وشمالها الغربي مع الخارج وخاصة مع إسبانيا التي كانت في حاجة إلى منتجاتها. وقد اصطدمت إنجلترا بإسبانيا في هذا الميدان واستطاع دريك بين عامي 1577، 1580 أن ينزل بالمستعمرات الإسبانية خسائر فادحة.
نتج عن النشاط التجاري الاقتصادي المتزايد إنشاء البورصات المالية على نطاق عالمي كما في بورصة " أنفرس " وفي بورصة " ليون" ومن ثم انتقلت الأهمية من الأسواق إلى البورصة التي ساعدت على تركيز العمليات التجارية والمالية وأصبحت مفتوحة أمام بضائع كل الأمم.
وازداد نشاط المصارف، وعددها زيادة عظيمة، وأحرز عمالها ومؤسسوها ثروات ضخمة مما جعلهم يشترون ضياعا واسعة، ويصبحون من كبار الأغنياء، وكان يحميهم عواهل أوروبا ومنهم الإمبراطور شارل الخامس (1519-1555).
استطاعت إسبانيا أن تغتني بسرعة عن طريق الكنوز المتدفقة إليها من العالم الجديد، وأن تجذب نحوها الحلفاء من كل أنحاء أوروبا، كما عاونتها هذه الأموال على تكوين الحملات وخوض الحروب المختلفة، فكانت هذه الثروة من العوامل الأساسية التي بنت عليها إسبانيا سيطرتها السياسية التي تمتعت بها حتى منتصف القرن 17. فمن إسبانيا كان الإمبراطور شارل الخامس يستمد معظم دخله، فكانت ديونه ونفقات جيوشه تدفع من الذهب الإسباني. وهكذا أصبحت أملاك هذا الإمبراطور محط الأنظار، ومطمعا للدول الأوروبية.
ومن ثم ازدادت حدة التنافس الاستعماري بين الدول الأوروبية، وكان ميدانها الأقاليم التي كشفت فيما وراء البحار، فقد حرصت كل دولة كبيرة – بعد النصر العظيم الذي حققته كل من البرتغال وإسبانيا – على أن تنال أكبر قسط ممكن من حقوق التجارة، والتوسع على حساب الشعوب المستضعفة، فأدت هذه الأطماع إلى كثير من الحروب بين دول أوروبا. وازداد اهتمام هذه الدول ببناء الأساطيل باعتبارها الوسيلة الأولى للاحتفاظ بأقطار فيما وراء البحار، وبالاستيلاء على مزيد من الأراضي الجديدة أو الجزر التي اتخذتها مراسي بحرية وقواعد عسكرية، تؤمن لها سبل الاتصال بأملاكها البعيدة.
إلى جانب إثراء الطبقة الوسطى وتدعيم مركزها في ميدان السياسة ، نجد أن هذه الحركات الاستعمارية قد أصبحت تنادي بسيطرة الرجل الأبيض، وتقر التفرقة العنصرية، وتبيح تملك الأراضي التي تسكنها شعوب غير أوروبية وغير مسيحية، وتبيح استغلال هذه الشعوب، وجعل إرادتها وجهودها وحياتها مسخرة لإرادة الشعب المالك وللسياسة التي يريد إنتاجها.
كان لهذه الكشوف نتائجها الثقافية العظيمة، إذ عملت على إنماء المعرفة نمواً عظيماً بل وعلى تصحيح بعض المعلومات الجغرافية: فنلاحظ وقوع انقلاب جذري في المبادئ الأساسية التي يقوم عليها علم الجغرافيا، وقضى على الأفكار التي كانت سائدة عندئذ عن الأراضي وحجمها وشكلها وقاراتها ومحيطاتها، وفي علم الفلك ظهرت لعلماء الفلك مجموعا من النجوم لم يكن في الاستطاعة رصد حركاتها إلا من النصف الجنوبي للكرة الأرضية. واتسع مجال البحوث التاريخية فلم تعد قاصرة على العالم القديم المعروف بل امتدت بحيث أصبحت تشمل البلاد التي كشفت، كما أضيفت معلومات جديدة على علوم النبات والحيوان والبحار والجيولوجيا، وعرفت أوروبا محاصيل جديدة مثل البطاطس والكاكاو والتبغ والذرة، وقد غدت من الضروريات، وأمست بالتالي عنصراً هاماً في القطاع التجاري.
اقتضى الأمر إلى عبور المحيطات، والقيام برحلات بحرية طويلة المدى إدخال تحسينات متتالية في صناعة بناء السفن التجارية من حيث حجمها وزيادة حمولتها وسرعتها ومتانتها.
استطاع الإسبانيون والبرتغاليون أن يبذلوا عن طريق دعايتهم ورجالهم الدينيين جهوداً كبيرة في سبيل نشر العقيدة الكاثوليكية، ونجحوا فعلا في تحويل عدد كبير من سكان مستعمراتهم الجديدة ولاسيما في العالم الجديد إلى العقيدة الكاثوليكية، فكسبوا بذلك بعض الرعايا الجدد في هذا الميدان مما عوضهم بعض الشئ عن الأعداد الكثيرة التي فقدوها في أوروبا نتيجة لحركة انتشار البروتستنتية.
ومن النتائج المباشرة للغزو الإسباني، وسلطان أصحابه في منطقة جزر الهند الغربية والعالم الجديد، اختفاء بعض معالم الحضارات الوطنية القديمة لبعض هذه الشعوب المتحضرة كما حدث في المكسيك وبيرو، كما أن سوء معاملة أهل المستعمرات في بعض الجهات أدى إلى القضاء على عدد كبير من السكان الأصليين ، ونأخذ على سبيل المثال جزيرة سان دومنيك عندما اكتشفها كولومبوس (1492) كان عدد سكانها يبلغ حوالي مليون نسمة، وبعد مضي خمس سنوات من ذلك التاريخ أمسوا 13,000 ، على أن ذلك لم يحدث في الجهات الأخرى فلازالت غالبية السكان في كل من المكسيك وبيرو من السكان الأصليين