If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
اليوم يسلم علماء علم التاريخ والاجتماع بوجود خطر خاص يهدد كل ثورة بعد قيامها وموقعيتها. يحكي لنا التاريخ عن وجود أشخاص كانوا يخالفون الثورة قبل أن توفق وتثمر، ولكن بمجرد أن يئسوا من مخالفتهم، انضموا إليها واكتسبوا صبغتها فأخفوا صورتهم الحقيقية وراء هذه الثورة ويسعى هؤلاء للحفاظ على شكل وظاهر الثورة، بحيث لايتمكن الأشخاص العاديون من فهم أي تغيير جوهري قد يحدث فيها، بينما يحاول هؤلاء في الواقع، تغيير جوهر ولب هذه الثورة ويجرونها في اتجاه الانحراف والفساد. هنا نحتاج إلى أعين ثاقبة النظر وإرادة قوية، نحتاج إلى منظار يدخل إلى الداخل والمضمون، ويتخطى الشكل والظاهر والقشور، للتمكن من إدراك أن ما هو موجود يختلف تماماً عن الواقع والحقيقة.
ويبرز هنا دور ثورة حسين بن علي في تغيير مسار التاريخ الإسلامي، حيث كان أداؤه استمراراً لحركة الإمام علي، عندما أصبح الإمام علي خليفة المسلمين لم يعط أي أهمية للفتوحات ومحاربة الكفار خارج الحدود، بينما أعطى الإمام كل الاهتمام للإصلاح الداخلي، كان الإمام يعتقد بأن الإسلام الذي أصبح في الظاهر واسعاً مترامياً، هو كالعين المتورمة حيث يتحرك في داخله نحو الفساد، فلابد من القيام بعملية إصلاح داخلية. وهكذا أيضاً كانت ثورة حسين بن علي من أجل الإصلاح داخل المجتمع الإسلامي.
من جهة أخرى تعدّ ثورة حسين بن علي من أهم الأحداث التاريخية التي ساهمت في صياغة الثورات التاريخية التي تفجرت على الساحة، بعد حادثة كربلاء، وفي تكوين الخط السياسي العام لمدرسة أهل البيت. ومن هنا لايمكن لباحث في التاريخ أن يتوفر على دراسة تاريخ الحقبة الأموية، ومما عجت به من ثورات وتناقضات واحداث عظيمة، مالم يتناول آثار ثورة حسين بن علي في المجتمع الإسلامي بشكل عام، وفي مجتمع مدرسة أهل البيت الذي تركز وجوده في الكوفة والبصرة، وبعض المدن العراقية الأخرى، وبعض مدن فارس.
ما هي العوامل التي اعتبرها القرآن الكريم تؤدي إلى زوال الأمم؟ وهل وجدت هذه الإشارات والعوامل في المجتمع الإسلامي، حيث شعر حسين بن علي بالخطر؟ يفهم هذا المعنى من الآية الشريفة: وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ حيث وصل الوضع في أواخر حياة الرسول إلى مستوى يأس العدو الخارجي وأصبح لايشكل تهديداً للإسلام، حيث تشدد الآية الشريفة " لاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ " والمقصود من "اخْشَوْنِ": عليكم أن تخافوا على داخل الأمة الإسلامية من الفساد، حيث يسلب الله تعالى من الأمة بحكم سنته القاطعة: "إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَومٍ حَتّىٰ يُغَيِّروا ما بِأَنفُسِهِم" كل النعم الموجودة.
الظلم في القرآن سبب زوال الأمم، وهناك العديد من الآيات القرآنية التي تحدثت عن الموضوع، مثل الآيات الواقعة بين 100-119 في سورة هود؛ جاء في إحدى هذه الآيات الشريفة: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ وجاء في آية أخرى: وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ والمعنى: لايمكن أن يفني الله قوماً من دون تقصير، ولا يكون الله ظالماً لهم. كما قال الرسول: «الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم» وجاء في أول سورة القصص: "إنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ" ويخاطب علي بن أبي طالب ملك الأشتر قائلاً: وليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة ظلم.
الصلاح والفساد الأخلاقي عند الشخص هو الأصل الثاني الذي يمكن استنباطه من القرآن الكريم، وإذا كان المجتمع يتألف من مجموعة أفراد فإن شخصياتهم تتحقق بواسطة الأخلاق والخُلقيات والملكات والفضائل. ويبقى المجتمع ويستمر إذا لم يبتلي أفراده بالفساد الأخلاقي. والفاسد هو الذي اعتاد على الخلاف والانحراف والقمار والشراب والرشوة وغصب حقوق الآخرين. وتطرح الآية الشريفة التالية حال المترفين: وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا فالمترفون يظهرون الفسق والفجور والفساد الأخلاقي في المجتمع، والنتيجة كما توضح الآية الشريفة هي التدمير والهلاك والزوال.
إذاً المجتمع مركّب من مجموعة أفراد، ولايصبح المركّب موجوداً في الطبيعة إلا إذا كانت جميع أجزائه سالمة صحيحة وغير فاسدة. بالإضافة إلى أنه يجب أن يكون وجود الأجزاء في المركّب بنسب معينة، ليتشكل ما اطلق عليه القدماء المزاج الذي يؤدي إلى وجود حالة جذب وتأثير وتأثر بين الأجزاء. أما إذا كانت أجزاء المركب فاسدة (البناء الذي يشيد بواسطة مواد فاسدة) فإن المركب قد يظهر إلى الوجود لكنه لا يتصف بالاستحكام والثبات، على أساس أن أجزاءه فاسدة. وهكذا إذا كانت الأجزاء والمواد الأولية صحيحة سالمة إلا أن البنّاء والذي يعمل على اتصال الأجزاء ببعضها كان فاسداً فهذا سيؤدي إلى فساد البناء أيضاً.
جاء في القرآن: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ قال الطبري: "يقول تعالى ذكره للمؤمنين به: أطيعوا أيها المؤمنون ربكم ورسوله فيما أمركم به ونهاكم عنه ولا تخالفوهما في شيء، ولا تنازعوا فتفشلوا، يقول: ولا تختلفوا فتفرقوا وتختلف قلوبكم فتفشلوا، يقول: فتضعفوا وتجبنوا وتذهب ريحكم" الأمة التي تفقد الوحدة فيما بينها، وتبتلي بالتفرقة والتشتت هي أمة ضعيفة، عند ذلك تختفي تلك الرائحة العطرة التي ترتفع من المجتمع الإسلامي الحقيقي. وإن التاريخ يشهد أن من أهم أسباب سقوط الدول على اختلاف عقائدها ومللها التفرق والاختلاف، سقطت الخلافة العباسية بعد أن تفرقت الدول الإسلامية في ذلك الوقت، وسقطت الدولة الإسلامية في الأندلس بعد أن أصبحت دويلات متفرقة متناحرة، ولم تسقط الدولة العثمانية إلا بعد أن تمزق جسدها إلى أشلاءَ متناثرة.
ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يؤدي إلى زوال وفناء واضمحلال المجتمع، فنقرأ في سورة هود: فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عامل ضروري، مهما بذل الإنسان جهداً من أجل الوقاية إلا أنه يبقى في المجتمع أشخاص يميلون إلى الفساد أو إخراج المجتمع من أجواء العدالة، وهكذا يمكن أن يعود وجود التفرق والتشتت في المجتمع الإسلامي إلى وجود مجموعة من العلل والأسباب. إذاً يفترض وجود حركة أو حالة تأخذ على عاتقها مسؤولية الإصلاح، إذا فسدت الأخلاق هنا يجب أن يسرع الأمر بامعروف والنهي عن المنكر ليكون وسيلة إصلاح الأخلاق، إذا فقدت العدالة والمساواة فعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يسرع لإصلاح المفاسد التي وجدت عن هذا الطريق وهكذا إذا حل التفرق والتشتت فعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يوجد الوحدة من جديد.