If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
عرف الجغرافيون والمؤرخون المسلمون القدامى أرض القوقاز وخاصة الجزء الجنوبي منه، بأسم بلاد الرحاب، وهو اسم شائع في كتبهم، ويشمل عدة دول اليوم تضم أذربيجان وأرمينيا وجورجيا وداغستان وأجزاء أخرى من روسيا ، وقد اشتهرت فيها مدن فتحها وشيد عمارتها الفاتحون العرب مثل مدن دربند أو (باب الأبواب)، وبرذعة، ومراغة، وشروان، وتبريز وغيرها.
وكان أول من دخل أرمينيا من المسلمين هو القائد عياض بن غنم في خلافة عمر بن الخطاب حيث استطاعت هذه الحملة من فتح مدينة بدليس ، وأول من دخل داغستان هو القائد سراقة بن عمرو وفتح مدينة دربند.
أما أشهر المدن القوقازية لدى العرب في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان وكذالك الخلافة الأموية فهي مدينة دربند أو كما يسمونها (باب الابواب) وعرفت أيضا بـ(الباب)، وهي تقع في داغستان اليوم، وتطل على بحر قزوين، قال عنها ياقوت الحموي في معجم البلدان: (وباب الأبواب على بحر طبرستان وهو بحر الخزر وهي مدينة أكبر من أردبيل نحو ميلين في ميلين ولهم زروع كثيرة وثمار قليلة إلا ما يحمل إليهم من النواحي، وعلى المدينة سور من الحجارة ممتد من الجبل طولا في غير ذي عرض لا مسلك على جبلها إلى بلاد المسلمين لدروس الطرق وصعوبة المسالك من بلاد الكفر إلى بلاد المسلمين)، وأضاف: (وهي محكمة البناء موثقة الأساس من بناء أنوشروان وهي أحد الثغور الجليلة العظيمة لأنها كثيرة الأعداء الذين حلوا بها من أمم شتى وألسنة مختلفة).
ثم أصبحت دربند بعد ضعف الخلافة العباسية مقرا للأمراء العرب من سلالة هاشم بن سراقة السلمي.
أما مدينة برذعة وتقع في أذربيجان اليوم، وصفها المؤرخين بأنها قصبة أذربيجان، وتقع في أقصاها، قال الإصطخري عنها: (برذعة مدينة كبيرة جدا أكثر من فرسخ في فرسخ، وهي نزهة خصبة كثيرة الزرع والثمار جدا، وليس ما بين العراق وخراسان بعد الري وأصبهان مدينة أكبر ولا أخصب ولا أحسن موضعا من أفق برذعة)، وفي برذعة يقع قبر القائد الشهير يزيد بن مزيد الشيباني، والذي استطاع أبناؤه فيما بعد تأسيس دولة في المنطقة كانت لها آثارها الباقية حتى اليوم.
أما مدينة مراغة فقد وصفها ياقوت بأنها أعظم وأشهر بلاد أذربيجان، ويضيف عن قصة بنائها بأن: (عسكر مروان بن محمد وهو والي إرمينية وأذربيجان في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك عندما أنصرف من غزو مرقان وجيلان وكان قريبا من مراغة وكان فيها أوحال كثيرة فكانت دوابهم تتمرغ فيها فجعلوا يقولون ابنوا قرية المراغة وهذه قرية المراغة فحذف الناس القرية وقالوا مراغة وكان أهلها أتبعوها إلى مروان فابتناها وتألف أهلها فكثروا فيها وعمروها)، وفي خلافة هارون الرشيد ولى خزيمة بن خازم بن خزيمة التميمي والياً على أرمينية وأَذْرَبيجان، فبنى سور مراغة وأنزلها جنداً كثيفاً، ولما أعلن بابك الخرمي ثورته على الخلافة العباسية سنة 201 هـ من جبال أَذربيجان، لجأ الناس إِلى مراغة فنزلوها وتحصنوا فيها، ويضيف ياقوت: (وبها آثار وعمائر ومدارس وخانكاهات حسنة وقد كان فيها أدباء وشعراء ومحدثون وفقهاء).
أما مدينة شروان وهي مدينة من نواحي باب الأبواب، وقصبتها شماخي كما يروي المؤرخين، وهي بالقرب من بحر قزوين، وقد عرفت شروان بكونها مركزا دينيا كبيرا في بلاد الرحاب وخرج منها العديد من الفقهاء والأدباء من العرب وغيرهم، وكانت مقرا لإمارة بني يزيد بن مزيد الشيباني، وإلى شروان تنسب عربية تلك البلاد فيقال: (عربية شروان)، والتي كانت لهجة عربية يتحدث بها سكان تلك البلاد، وظلت متداولة حتى أواسط القرن العشرين قبل أن تذوب فيما ذاب من لغات وثقافات ضمن إطار الإتحاد السوفييتي السابق.
أما مدينة تبريز، وتقع اليوم ضمن أذربيجان الإيرانية، قال عنها ياقوت: (أشهر مدن أذربيجان وهي مدينة عامرة حسناء ذات أسوار محكمة بالآجر والجص وفي وسطها عدة أنهار جارية والبساتين محيطة بها والفواكه بها رخيصة)، وأضاف: (وكانت تبريز قرية حتى نزلها الرواد الأزدي المتغلب على أذربيجان في أيام الخليفة المتوكل العباسي ثم إن الوجناء بن الرواد الأزدي بنى بها هو وإخوته قصورأ وحصنها بسور فنزلها الناس معه)، وفيها أقام بنو الرواد من قبيلة الأزد، وكانت لهم فيها إمارة ونفوذ.
أما مدينة تفليس، وتعد اليوم عاصمة جورجيا، قال مشعر بن مهلهل الشاعر في رسالته: (وسرت من شروان في بلاد الأرمن حتى انتهيت إلى تفليس وهي مدينة لا إسلام وراءها يجري في وسطها نهر يقال له الكر يصب في البحر وفيها غروب تطحن وعليها سور عظيم وبها حمامات شديدة الحر لا توقد ولا يستقي لها ماء)، وافتتحها المسلمون في أيام عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقد شهدت تفليس حروبا متواصلة بين المسلمين والكرج والأرمن والخزر، وخضعت للصفويين والعثمانيين ثم للروس .
وإضافة إلى المدن التي ذكرت؛ اشتهرت في بلاد الرحاب مدن أخرى وقرى كثيرة، كان لها ذكر في التاريخ الإسلامي، وخرجت العديد من القادة والفقهاء والعلماء والأدباء .
كانت سياسة الدولة الإسلامية في القرون الأولى تدفع باتجاه توطين القبائل العربية المشاركة في فتوح البلاد المختلفة لعدة أسباب، على رأسها نشر الدين الإسلامي واللغة العربية، ثم كي يكونوا درعا واقيا لحدود الدولة وأطرافها، وقد لعبت تلك القبائل العربية دورا مركزيا في نشر الإسلام والدفاع عن البلدان المفتوحة، وأنشئوا دولا وإمارات ساهمت في نهضة وتطور تلك البلدان، إلا أنها تفككت وظهرت إمارات إسلامية أخرى للأكراد والترك لا سيما بعد ظهور السلاجقة.
وذكر البلاذري في (فتوح البلدان) أن العرب لما نزلوا أذربيجان نزعت إليها عشائرها من البصرة والكوفة والشام، وغلب كل قوم على ما أمكنهم وابتاع بعضهم من العجم الأراضي، وألجئت إليهم القرى للخفارة، فصار أهلها مزارعين لهم. في عهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه ولى أذربيجان الأشعث بن قيس الكندي، فأنزل مدينة أردبيل جماعة من أهل العطاء والديوان من العرب ومصرها وبنى مسجدها. وسكن تلك البلاد العديد من الصحابة والتابعين، ولكن بداية التوطين الحقيقية كانت في زمن معاوية بن أبي سفيان حيث قدم أكثر من ألفين من أبناء القبائل العربية ونزلوا في منطقة قالي قلا وتملكوا أراضي زراعية إضافة إلى مهامهم القتالية.
وفي عهد هشام بن عبد الملك نزل أذربيجان ما يقارب الخمس وعشرون ألف من العرب وتوطنوا فيها.
وفي عهد الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور قدم تلك البلاد سبعة آلاف مقاتل من العرب سكنوا هنالك، وأصبحوا فيما بعد جزءا من نسيجها السكاني، وكان الوالي فيها بتلك الفترة هو يزيد بن أسيد السلمي.
واستمر تدفق القبائل العربية على أذربيجان وأرمينيا لا سيما في عهد الدولة الحمدانية التي وصل نفوذها إلى تلك البقاع لبعض الوقت، ونظرا لكثرة العرب النازلين هناك وتنوع قبائلهم فقد نشبت العديد من الخلافات والصراعات القبلية بين تكتلاتهم الرئيسية: اليمانية وربيعة ومضر، وكان لها أثر سيئ فيما بعد على وحدتهم واستقرارهم وأدت إلى ضعف قوتهم العسكرية ونفوذهم السياسي، وظهور منافسين أقوياء لهم في المنطقة لا سيما بعدما أرهقتهم حروبهم المستمرة مع الخزر والصقالبة والأرمن والكرج.
ومن أهم القبائل العربية التي سكنت أذربيجان وجنوب القوقاز التي تعرف ببلاد الرحاب:
وبقي العرب في هذه المناطق حتى لعبت الصراعات القبلية بين القبائل المختلفة، والحروب المستمرة مع الشعوب المجاورة في ضعف قوة العرب وذوبان أغلبهم في شعوب تلك البلدان، حيث نشأت إمارات ديلمية وكردية، كبني مسافر وبني شداد وبني كاكويه وغيرهم، لغاية وصول الزحف السلجوقي الذي أسهم في تتريك أذربيجان وأجزاء من داغستان، وكان للغزو المغولي دوره المدمر في ذلك.
وكان من أشهر القادة العرب الذين شاركوا في فتح هذه المناطق هم بالترتيب الزمني: