If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
ظلت إسبانيا في الحرب العالمية الأولى محايدة طوال فترة الحرب، ولكن كان لهذا الحياد عواقب اقتصادية واجتماعية وسياسية مهمة بالنسبة للبلد لدرجة أنه في سنوات الحرب كانت هناك أسوأ أزمة نظام حكم للبوربون وصل إلى أنه في 1923 جرت محاولة انقلاب لحل تلك الأزمة مما أفسح المجال لإنشاء ديكتاتورية بريمو دي ريفيرا.
لم تكن هناك عواقب سلبية أساسية مهمة بسبب عدم وجود ضغوط سياسية كبيرة، مثل التي عانت منها بلدانًا أخرى أعلنت الحياد في بداية الحرب مثل اليونان وإيطاليا. إلا أن أكبر مشكلة عانتها هي إغراق الغواصات الألمانية للسفن التجارية الإسبانية. تشير التقديرات إلى أن هذه الغواصات أغرقت في فترة الحرب مابين 139,000 و 250,000 طن، أي 25 ٪ من الأسطول التجاري الاسباني.
كان لحياد إسبانيا نتائج اقتصادية واجتماعية هامة حيث ظهرت هناك دفعة كبيرة من عملية "التحديث" التي بدأت خجولة سنة 1900 بسبب الزيادة القوية في الإنتاج الصناعي الإسباني الذي فتحت له فجأة أسواق جديدة (من الدول المتحاربة). إلا أن ذلك سبب بارتفاع التضخم ارتفاعا سريعا مع ازدياد الأجور بوتيرة أبطأ، وظهر نقص في الضروريات الأساسية مثل الخبز الذي تسبب في أعمال شغب في المدن ونزاعات عمالية متنامية قادتها نقابتان كبيرتان هما CNT وUGT التان طالبتا بزيادة الأجور كي تبطئ انخفاض الأجور الحقيقية بسبب التضخم. وفقا لبيانات معهد الإصلاح الاجتماعي سنة 1916 فقد ارتفعت أسعار المنتجات الأساسية فالحليب وصل إلى 13.8 ٪. وسمك القد وصل إلى 57.8٪، والخبز 24.3٪، والبيض 30.9٪، ولحم البقر 33,5٪.
وهكذا بعد التغلب على الأثار السلبية للحياد، فقد أنتجت الحرب العالمية الأولى انطلاقة اقتصادية حقيقية لإسبانيا بسبب إعلانها الحياد. فالبلدان المتحاربة بحاجة إلى الغذاء والأسلحة والزي المدرسي والمعادن والفحم. بالإضافة إلى انعدام المنافسة الأجنبية. مما جعل النمو ملحوظا لاسيما في صناعة النسيج الكاتالوني، تعدين الفحم الأستوري وصناعة الصلب الباسكي وزراعة الحبوب. كما نمت الصناعات الكيميائية وبناء السفن. وشهدت أيضا صناعة الأسلحة الصغيرة نموا كبيرا، ولم يكن ذلك للأسلحة الثقيلة. فقد انتجت كميات هائلة من المسدسات والبنادق التي خصصت بالأساس للحلفاء، حتى أن نموذج المسدس الإسباني (Pistola Campo Giro) أصبح رسميا في الجيش الفرنسي. كما بيعت كميات كبيرة من بنادق ماوزر إلى الحلفاء.
أضحت إسبانيا مرتعا خصبا ونشاطا للجاسوسية (والاستخبارات المضادة) لجميع الأطراف المتحاربة. حتى أصبحت برشلونة عشًا حقيقيًا للجواسيس، وأت ماتا هاري بنفسها لتتجسس على السفير الألماني. وأهم الأنشطة الرئيسية التي كانت تجري خلف الكواليس هي المتعلقة بسفارات الدول المتنافسة وتحركات الغواصات الألمانية. وتمكن الإنجليز من اكتشاف شيفرة رسائل السفارات الإسبانية إلى العاصمة، وبالتالي تمكنوا من معرفة نوايا الحكومة الإسبانية.
ولكن المحصلة في هذا كله هو وجود فائض قوي بالميزان التجاري وزيادة ملحوظة في أرباح الشركات. وبفضل هذا ألغيت ديون إسبانيا الخارجية، وتراكم الذهب في بنك إسبانيا في مدريد. وخرجت إسبانيا من عجزها تجاري فيما يتعلق بالتجارة الخارجية لأول مرة في تاريخها الحديث.
ومع هذا كله فقد دخلت البلاد بعد 1917 في فترة أزمة بسبب انتهاء الحرب: فقد تسببت الصادرات بنقص الغذاء في المناطق الداخلية للبلاد وارتفعت الأسعار ارتفاعا جنونيا تخطت الأجور. لقد كان نقص الغذاء والفضيحة التي وقعت هما نظريا إحدى أسباب الأزمة الإسبانية عام 1917 والإضراب العام الذي تبعها. بالإضافة إلى ذلك كان على السكان مواجهة جائحة إنفلونزا 1918 والمعروفة بإسم الإنفلونزا الاسبانية. واشتهرت بهذا الاسم لأن الوباء حظي بمزيد من الاهتمام من الصحافة في إسبانيا أكثر من بقية العالم، حيث لم تكن إسبانيا متورطة في الحرب وبالتالي لم تفرض رقابة على المعلومات المتعلقة بالمرض. أصيب بالمرض في إسبانيا حوالي 8 ملايين شخص في مايو 1918 وحوالي 300,000 حالة وفاة (على الرغم من أن الأرقام الرسمية خفضت الضحايا إلى 147,114 فقط).
على الرغم من تداعيات تلك الأزمة إلا أن تأثيرها بالعموم كان إيجابيا، فقد تطور قطاع النسيج الكاتالوني وصناعة الصلب والصناعات الكيميائية التي تم تحديثها. أصبحت الصناعات والشركات الأخرى يمتلكها الرأس المال الوطني.
ومن النتائج الثانوية التي جرت بعد الحرب هي تسليم جمهورية فايمار الألمانية إلى إسبانيا سلسلة من السفن التجارية تعويضاً عن السفن التي أغرقتها غواصاتها. احدى تلك السفن كانت (España nº 6) ثم سميت بإسم Dédalo، وهي أول سفينة لنقل الطائرات المائية في أسطول البحرية الإسبانية واستخدمت في إنزال الحسيمة.
ووفقا للمؤرخ مانويل سواريز كورتينا:"مثلت الآثار الاجتماعية والسياسية للحرب عامل حسم في الأزمة الأخيرة للنظام البرلماني القائم منذ سنة 1875. فنقص الغذاء والتفكك الاقتصادي والبؤس الاجتماعي وانعدام الأمن، وحفز التضخم الصحوة السياسية والتشدد الإيديولوجي للجماهير. وفي ظل تلك الظروف انهارت المحسوبية وهيمنة الزعماء المحليين في السياسة الاسبانية. ولم يعد من الممكن استعادة النظام القديم بعد انتهاء الحرب. وفي الوقت نفسه ادعى مؤرخ لوس باريو أن الحرب "ليست السبب المباشر لانهيار الحزبين الثنائيين. فالنظام الحزبي قد تحلل بالفعل عندما انفجرت الحرب، وعجل الوضع الخاص للحياد بإضعافه وسط بيئة انتقدت النظام باضطراد، وفي ظل عملية التغيير بدأ المجتمع بالمطالبة بتمثيل فعال ونهاية حاسمة للسياسة القديمة وهو ما يفترض أن يكون تحديا للنظام القائم".