If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
صدر كتاب الثقة : الفضائل الاجتماعية وتحقيق الازدهار عام 1995. تشرح نظرية الاقتصادات التقليدية الحديثة 80% من الأحداث الاقتصادية، والباقي يعتمد على دور الدولة والتنظيم الاجتماعي للمجتمع. مالت البنية الفكرية والاجتماعية في غالب المجتمعات الغربية لتهميش المجالات الاجتماعية والأنثروبولوجية للاقتصاد، ولكن الاقتصاد بحد ذاته لا يمكنه تفسير لماذا بعض المجتمعات أكثر إزدهاراً من غيرها. يقول فوكوياما أن البلدان المزدهرة تميل إلى أن تكون تلك التي يمكن أن تتم فيها العلاقات التجارية بين الناس بشكل غير رسمي ومرن على أساس الثقة، مثل ألمانيا واليابان والولايات المتحدة. في مجتمعات أخرى، مثل فرنسا وإيطاليا وكوريا، تخضع السندات الاجتماعية للعلاقات الأسرية وغيرها من وجوه الولائات المختلة، وهو ما يخلق الجمود ويستفز الدولة للتدخل بما يثبط النمو الاقتصادي. الفكرة الرئيسية للكتاب هو الأداء الاقتصادي للمجتمعات متعلق بشكل كبير بوجود درجة عالية من الثقة في المجتمع المدني، في العلاقات الغير العائلية والغير الحكومية. جميع أشكال الجماعات الثقافية الاجتماعية التقليدية مثل القبائل والجمعيات القروية، والطوائف الدينية وما إلى ذلك، تقوم على أساس تقاليد مشتركة وتستخدام هذه المعايير لتحقيق غايات تعاونية. الأدبيات حول التنمية لم تعتبر هذه العلاقات مفيدة لرأس المال الاجتماعي.
القدرة الثقافية على تشكيل منظمات وشركات غير أسرية وغير حكومية هي المفتاح لتشكيل منظمات تجارية كبيرة، ناجحة وحديثة. في المجتمعات ذات الروابط الأسرية القوية أكثر من اللازم أو حيث كانت الكاثوليكية أو الشيوعية قوية، يجد الأفراد صعوبة في تشكيل روابط اجتماعية يمكن أن تؤدي إلى علاقات فعالة على صعيد الاقتصاد الجزئي. المجتمعات ذات الثقة المنخفضة تقلل قدرة أعضائها على التضامن وتقلل من فعالية التعاون مع الغرباء. في الأجزاء الصينية من شرق آسيا والعديد من بلدان أميركا اللاتينية على سبيل المثال، رأس المال الاجتماعي يتواجد داخل دائرة ضيقة من الأسر، فتلك المجتمعات لا تثق بالغرباء من خارج دوائرهم الضيقة غالباً لأن الغرباء يصنفون ضمن فئة مختلفة عن الأقارب في ثقافة العمل وهو ما يؤدي إلى انخفاض مستوى السلوك الأخلاقي للمواطنين وتبرير المعايير المزودجة. في مثل هذه المجتمعات، يشعر الموظف العمومي أن من حقه السرقة أو الاختلاس طالما أنها تصرفات ستصب في مصلحة عائلته أو عشيرته، فحسن السيرة والسلوك محفوظ للعائلة والمعارف فقط.
تعاني المجتمعات التقليدية من عدم وجود أفراد على أطراف الشبكات الاجتماعية، أفراد قادرين على التنقل بين المجموعات المختلفة وبالتالي يصبحون حملة لأفكار ومعلومات جديدة. المجتمعات التقليدية غالباً ما تكون قطعية، أي أنها تتألف من عدد كبير من الوحدات الاجتماعية المتطابقة والقائمة بذاتها مثل القرويين أو القبائل. المجتمعات الحديثة على النقيض من ذلك، فهي تتألف من عدد كبير من الفئات الاجتماعية المتداخلة التي تسمح بعضويات وهويات متعددة ولذلك يكون تبادل المعلومات والابداع والابتكار أصعب وإستغلال الموارد البشرية أسوأ في المجتمعات التقليدية مقارنة بالحديثة. لا يقترح فوكوياما بأن المنظمات أو الشركات العائلية غير منتجة فمن الواضح أنها ليست كذلك، ولكن نمو وتطور الشركات الأكبر حجماً لا يحدث في المجتمعات "العائلية" دون تدخل مكثف من جانب الدولة، وهو ما يعرقل قدرة القطاع الخاص على إيجاد شركات ضخمة وقوية وديناميكية مثل المجتمعات ذات الثقة العالية، فالملاحظ بشأن المجتمعات التقليدية أن الشركات الكبرى في الغالب ما تكون ضمن القطاع الحكومي مع كل ما يصاحب ذلك من لا فعالية وانعدام في الكفاءة.
لافتقارها القدرة على إيجاد علاقات اجتماعية عفوية، تقع هذه المجتمعات فريسة عدم الكفاءة أو المحسوبية أو تكلفة العقود الرسمية وتدخل الدولة. عندما توجد الثقة بين العمال ورؤسائهم، وبين الموظفين ومدرائهم من خارج العائلة، وبين الموردين والمنتجين، تزدهر الترتيبات الغير الرسمية منخفضة التكلفة. من المصادر الأساسية لرأس المال الاجتماعي وجود مجتمع مدني، فوجود المجتمع المدني شرط ضروري للديمقراطية الليبرالية كما قال إرنست غيلنر :
المصلحة الذاتية والعقود وأتعاب المحامين كلها مصادر مهمة للارتباط الاقتصادي، ولكن أكثر المنظمات فعالية هي تلك القائمة على مجتمعات تمتلك قيماً أخلاقية مشتركة. الديمقراطية الليبرالية تعني وجود مجال لحماية الحرية الفردية بتقييد الدولة عن التدخل، ولكن يجب على المجتمع أن يكون قادراً على تنظيم نفسه حتى لا يتحول النظام السياسي إلى أناركية. بغياب المجتمع المدني، تتدخل الدولة لتنظيم الأفراد الذين لا يستطيعون تنظيم أنفسهم والنتيجة غياب الحرية بتصرف الدولة كأب للمواطنين مسؤول عن تلبية كافة احتياجاتهم. انخفاض رأس المال الاجتماعي يؤدي إلى العديد من الاختلالات السياسية مثل ما حدث في فرنسا وإيطاليا حيث تشكلت أنظمة مركزية صارمة بشكل مفرط وغير قادرة على الاستجابة الشعبية، وهو ما جعلها أنظمة غير قابلة للتغيير والإصلاح إلا من خلال الثورات والانتفاضات الشعبية أو الاضرابات العامة بصورة أدق كما حدث خلال أحداث مايو 1968 في فرنسا.
فوكوياما قدم نظريته بشكل جيد لدرجة أن النقاد كانوا على إستعداد لتجاوز تعميمه للمجتمعات التي درسها بالتفصيل في كتابه وهي الولايات المتحدة واليابان وألمانيا (مجتمعات ثقة عالية)، وكوريا الجنوبية وفرنسا وإيطاليا والصين (مجتمعات ثقة منخفضة). ويؤكد فوكوياما ويشدد أن كتابه لا يتبنى دعوة رومانسية للـ"عودة إلى الأيام الذهبية" ما قبل المجتمعات والتقاليد الرأسمالية، فالديمقراطية الليبرالية والرأسمالية يظلان الجوهر، والتنظيم والإطار السياسي والاقتصادي الوحيد للمجتمعات الحديثة. الانتقاد يركز على الاستثنائات والشذوذ التاريخي، وهي تحديات للهيكل الاساسي للكتاب. ما افتقده فوكوياما وفقا لنقاد كان ربط جداله الرئيسي بحالات تاريخية سابقة من النهوض والصعود الاقتصادي، بما في ذلك الثورة الصناعية في أوروبا الغربية وبريطانيا والولايات المتحدة. التدابير والاختبارات التي أجراها فوكوياما لقياس دور الثقافة والثقة المجتمعية في التنمية الاقتصادية شابتها المراوغة. وصف فوكاياما لكوريا الجنوبية بأنها مجتمع "ثقة منخفضة" تلقى ردوداً مختلطة من علماء كوريين، لأن بعض الدراسات الكورية وجدت خصائص تدعم جدال فوكوياما وبعضها وجد أن مستوى الثقة المجتمعية لا يقل عن ذلك في اليابان. والبيانات الاحصائية لا تدعم وضع كوريا الجنوبية في سلة واحدة مع أميركا اللاتينية كـ"مجتمع ثقة منخفضة".
الأزمة الاقتصادية الآسيوية انتهكت جداله عن أقوى نماذج المجتمعات ذات الثقة العالية وفقا لنقاد ولكن في الحقيقة، الأزمة المالية عام 1997 كانت نتيجة ضغوطات من وول ستريت فالكوريون يسمونها بـ"أزمة صندوق النقد الدولي" ولم تكن أزمة اقتصادية أصيلة، يعتقد الكوريون أن صندوق النقد الدولي استغل أزمة السيولة لفرض أسواق رأس مال مفتوحة في كوريا لصالح غولدمان ساكس وسيتي غروب وغيرهم لأنه مهما ادعى صناع سياسة أميركيين أن نواياهم كانت صادقة، لا يمكن اغفال الضغط السياسي من جانب البنوك الاميركية الكبرى التي لديها مصلحة ذاتية مباشرة من التحرير المالي الآسيوي. في كل الأحوال، هذا الكتاب وفقا لفورين آفريز سيثري ويزيد من تعقيد الجدل السياسي حول التنمية الاقتصادية لأنه يتحدى كافة النظريات التقليدية الحديثة وغيرها من النظريات التي تركز على دور الدولة. هو صوت ونداء إلى المجتمع المدني للاضطلاع بدور أكبر في صياغة شروط الحياة السياسية والاقتصادية الحديثة.