العربية  

books smoking

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

تدخين (Info)


التدخين (بالإنجليزية: Smoking)‏ هو عملية يتم فيها حرق مادة والتي غالباً ما تكون التبغ وبعدها يتم تذوق الدخان أو استنشاقه. وتتم هذه العملية في المقام الأول باعتبارها ممارسة للترويح عن النفس عن طريق استخدام المخدرات، حيث يَصدر عن احتراق المادة الفعالة في المخدر، مثل النيكوتين مما يجعلها متاحة للامتصاص من خلال الرئة هناك آلاف من المواد الكيميائية التي تؤثر على الجهاز العصبي المركزي وتعد السجائر هي أكثر الوسائل شيوعًا للتدخين في الوقت الراهن، سواء كانت السيجارة منتجة صناعيا أو ملفوفة يدويًا من التبغ السائب وورق لف السجائر. وهناك وسائل أخرى للتدخين تتمثل في الغليون، السيجار، الشيشة، والبونج "غليون مائي".

يعد التدخين من أكثر المظاهر شيوعا لاستخدام المخدرات الترويحية. وفي الوقت الحاضر، يعد تدخين التبغ من أكثر أشكال التدخين شيوعًا حيث يمارسه أكثر من مليار شخص في معظم المجتمعات البشرية. وهناك أشكال أقل شيوعا للتدخين مثل تدخين الحشيش والأفيون. وتعتبر معظم المخدرات التي تُدخن إدمانية. وتصنف بعض المواد على أنها مخدرات صلبة مثل: الهيروين والكوكايين الصلب. وهي مواد ذات نسبة استخدام محدودة حيث أنها غير متوفرة تجاريًا.

يرجع تاريخ التدخين إلى عام 5,000 قبل الميلاد، حيث وُجد في العديد من الثقافات المختلفة حول العالم. وقد لازم التدخين قديما الاحتفالات الدينية؛ مثل تقديم القرابين للآلهة، طقوس التطهير، أو لتمكين الشامان والكهنة من تغيير عقولهم لأغراض التكهن والتنوير الروحي. جاء الاستكشاف والغزو الأوروبي للأمريكتين، لينتشر تدخين التبغ في كل أنحاء العالم انتشاراً سريعاً. وفي مناطق مثل الهند وجنوب الصحراء الكبرى بأفريقيا، اندمج تدخين التبغ مع عمليات التدخين الشائعة في هذه الدول والتي يعد الحشيش أكثرها شيوعاً. أما في أوروبا فقد قدم التدخين نشاطاً اجتماعياً جديداً وشكلاً من أشكال تعاطي المخدرات لم يكن معروفاً من قبل.

اختلفت طرق فهم التدخين عبر الزمن وتباينت من مكان لآخر، من حيث كونه مقدسا أم فاحشا، راقيا أم مبتذلا، دواء عاما -ترياقا- أم خطرا على الصحة. ففي الآونة الأخيرة وبشكل أساسي في دول الغرب الصناعية، برز التدخين باعتباره ممارسة سلبية بشكل حاسم. في الوقت الحاضر، أثبتت الدراسات الطبية أن التدخين يعد من العوامل الرئيسية المسببة للعديد من الأمراض مثل: سرطان الرئة، النوبات القلبية، ومن الممكن أن يتسبب أيضًا في حدوث عيوب خلقية. وقد أدت المخاطر الصحية المثبتة عن التدخين، إلى قيام الكثير من الدول بفرض ضرائب عالية على منتجات التبغ، بالإضافة إلى القيام بحملات سنوية ضد التدخين في محاولة للحد من تدخين التبغ.

التاريخ

التاريخ القديم

يرجع تاريخ التدخين إلى عام 5000 قبل الميلاد في الطقوس الشامانية. وقد قامت الكثير من الحضارات مثل الحضارة البابلية والهندية والصينية بحرق البخور كجزء من الطقوس الدينية، وكذلك قام بنو إسرائيل ولاحقا الكنائس المسيحية الكاثوليكية والأرثوذكسية بالفعل نفسه. ويرجع ظهور التدخين في الأمريكتين إلى الاحتفالات التي كان يقيمها كهنة الشامان ويحرقون فيها البخور، ولكن فيما بعد تمت ممارسة هذه العادة من أجل المتعة أو كوسيلة للتواصل الاجتماعي. كما كان يُستخدم تدخين التبغ وغيره من المخدرات المسببة للهلوسة من أجل إحداث حالة من الغيبوبة أو للتواصل مع عالم الأرواح.

ويرجع تاريخ استخدام مواد مثل الحشيش، الزبد المصفى (السمن)، أحشاء السمك، جلود الثعابين المجففة، وغيرها من المعاجين التي تُلف وتُشكل حول أعواد البخور إلى 2000 عام على الأقل. وقد كان يوصف التبخير (dhupa) وقرابين النار (homa) في طب أيورفيدا لأغراض طبية وتمت ممارسة هذه العادات لمدة لا تقل عن 3000 سنة، بينما التدخين (dhumrapana) (ويعني حرفيًا "شرب الدخان") فتمت ممارسة لمدة لا تقل عن 2000 سنة. فقبل العصر الحديث، كانت تُستهلك هذه المواد من خلال أنابيب، وقصبة مختلفة الأطوال أو chillums.

وكان تدخين الحشيش رائجًا في الشرق الأوسط قبل وصول التبغ، وكان شائعًا قديما كنشاط اجتماعي تَمركز حول تدخين نوع من أنابيب التدخين المائية الذي يطلق عليه "شيشة". وبعد دخول التبغ أصبح التدخين مكونًا أساسيًأ في المجتمع والثقافة الشرقية، وأصبح ملازما لتقاليد هامة مثل الأفراح والجنائز حيث تمثل ذلك في العمارة والملابس والأدب والشعر.

دخل تدخين الحشيش إلى جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا من خلال إثيوبيا وساحل إفريقيا الشرقي عن طريق التجار الهنود والعرب في القرن الثالث عشر أو ربما قبل ذلك. وقد انتشر على طرق التجارة نفسها التي كانت تسلكها القوافل المحملة بالبن والتي ظهرت في مرتفعات أثيوبيا. حيث تم تدخينه في أنابيب تدخين مائية تصنع من اليقطين مع جزء مجوف مصنوع من الطين المحروق لوضع الحشيش، ويبدو جليًا أن هذا اختراع أثيوبي وتم نقله فيما بعد إلى شرق وشمال ووسط إفريقيا.

وعند وصول أخبار من أول مستكشفين أوروبيين وطئوا أرض الأمريكتين، وردت أنباء عن الطقوس التي كان يقوم فيها الكهنة المحليون بالتدخين حتى يصلون إلى مستويات عالية من النشوة. ولذلك فمن غير المحتمل أن تكون تلك الطقوس قاصرة على التبغ فقط.

الرواج

في عام 1612، بعد ست سنوات من إقامة مستوطنة جيمس تاون، أصبح جون رولف أول مستوطن ينجح في رفع مكانة التبغ إلى محصول نقدي. وفي وقت وجيز زاد الطلب على التبغ الذي وُصف بـ"الذهب البني"، بعد أن تسبب في ازدهار شركة Virginia join stock بعد فشل رحلتها في البحث عن الذهب. وتلبيةً لطلب من العالم القديم، تمت زراعة التبغ بشكل متعاقب، مما تسبب في إنهاك الأرض. وقد جعل هذا الأمر حافزًا لتوجه الاستيطان نحو الغرب في القارة المجهولة، وبالمثل كان التوسع في إنتاج التبغ. وقد كانت العبودية المرتبطة بعقد مؤقت هي الشكل الأساسي للقوى العاملة، واستمر هذا الأمر حتى ثورة بيكون، والتي تحول بعدها التركيز نحو العبودية. وتراجع هذا الاتجاه بعد الثورة الأمريكية حيث اعتبر الاسترقاق غير مربح. بيد أن تدخين التبغ قد عاد وانتشر في عام 1794 مع اختراع محلاج القطن.

وفي عام 1560 قدم رجل فرنسي يدعى جان نيكوت (الذي ينسب إليه لفظ النيكوتين) التبغ إلى فرنسا. وانتشر التبغ من فرنسا إلى إنجلترا. وفي عام 1556 شوهد أول رجل إنجليزي يدخن التبغ، وهو بحار شوهد وهو "ينفث الدخان من فتحتي أنفه". كان التبغ واحدًا من بين المواد المسكرة مثل الشاي والقهوة والأفيون التي كانت تستخدم في الأساس كشكل من أشكال الدواء. قُدم التبغ في عام 1600 من قبل التجار الفرنسيين إلى ما يعرف اليوم ب غامبيا والسنغال. وفي الوقت نفسه، قدمت القوافل القادمة من المغرب التبغ إلى المناطق المحيطة بمدينة تيمبوكتو، كما قدم البرتغالييون السلعة والنبات إلى جنوبي أفريقيا، ومنها انتشر التبغ في كل أنحاء أفريقيا بحلول منتصف القرن السابع عشر.

بعد فترة وجيزة من تقديم التبغ إلى العالم القديم، تعرض للنقد المتكرر من قبل الدولة وكبار رجال الدين. حيث كان السلطان مراد الرابع (1623-1640) أحد سلاطين الإمبراطورية العثمانية، من أوائل الذين حاولوا منع التدخين بدعوى أنه يمثل تهديدًا للصحة والأخلاقيات العامة. كما قام الإمبراطور الصيني شونجزين بإصدار مرسوم يقضي بمنع التدخين قبل وفاته بسنتين وقبل الإطاحة بسلالة مينج الحاكمة. وفي وقت لاحق، اعتبر المانشووي المنحدرين من سلالة تشينج الذين كانوا في الأصل قبيلة بدوية من المحاربين الفرسان، اعتبروا التدخين جريمة أكثر شناعةً من إهمال الرماية. وخلال عهد إيدو في اليابان، تعرضت بعض مزارع التبغ الأولية إلى الازدراء الشديد من قبل قادة القوات المسلحة اليابانية التي رأت أن هذا الأمر يعد تهديدًا للاقتصاد العسكري، حيث أن ذلك الأمر يمثل إهدارًا للأرض الزراعية القيمة في زراعة المخدرات بدلاً من استخدامها في زراعة محاصيل غذائية.

لطالما كان رجال الدين من أبرز المعارضين للتدخين حيث رأوا أن التدخين عمل غير أخلاقي. ففي عام 1634، قام بطريرك موسكو بحظر بيع التبغ وحكم على الرجال والنساء الذين يخالفون القرار بأن تشق فتحات أنوفهم طوليًا وأن تجلد ظهورهم حتى ينسلخ عنها الجلد. وبالمثل قام بابا الكنيسة الغربية إربان السابع بإدانة التدخين في بيان رسمي باباوي في عام 1950. وعلى الرغم من تضافر الجهود، فقد تم تجاهل القيود وقرارات الحظر على مستوى العالم. وعندما اعتلى العرش الملك الإنجليزي جيمس الأول، وكان معارضًا شرسًا للتدخين قام بتأليف كتاب ضد التدخين تحت عنوان "إدانة التبغ", وقد حاول تحجيم وحظر هذا الاتجاه الجديد عن طريق فرض زيادة باهظة على ضريبة تجارة التبغ وقدرت ب4000 في المائة في عام 1604. وعلى الرغم من ذلك، فإن تلك التجربة باءت بالفشل، حيث كان في لندن حوالي 7000 بائع للتبغ في مطلع القرن السابع عشر. وبعد ذلك، أدرك الحكام الذين يهتمون بدقة القرارات بعدم جدوى قرارات منع التدخين، وبدلاً من ذلك، قاموا بتحويل تجارة وزراعة التبغ إلى مشاريع حكومية احتكارية مربحة.

وبحلول منتصف القرن السابع عشر، تعرفت كافة الحضارات على تدخين التبغ، واعتبر تدخين التبغ في حالات كثيرة جزءًا من الثقافة المحلية على الرغم من محاولات كثير من الحكام لمنع تدخين التبغ عن طريق فرض العقوبات القاسية أو الغرامات. وقد اتبع التبغ المُصنع والنبات طرق التجارة الرئيسية ودخل الموانئ والأسواق الكبرى ووجد طريقه إلى الأراضي النائية. وقد تم اصطلاح كلمة "التدخين " في الإنجليزية في أواخر القرن الثامن عشر، وقبل ذلك كان يطلق على تلك العملية شرب الدخان.

اُستخدم التبغ والحشيش في جنوب الصحراء الكبرى بإفريقيا مثلما اُستخدم في كل أرجاء العالم من أجل تأكيد أواصر العلاقات الاجتماعية، ولكن هذا الاستخدام قد أدى أيضًا إلى بناء علاقات جديدة. وفيما يعرف اليوم بدولة الكنغو تم التعرف على مجتمع يسمى "بينا ديمبا" (شعب الحشيش) في أواخر القرن التاسع عشر في منطقة تسمى "لوبوكو" (أرض الصداقة). كما كان شعب "بينا ديمبا" يؤمنون بمذهب الجماعية والسلامية ويرفضون شرب الكحول وتعاطي الأدوية العشبية ويفضلون عليها الحشيش.

وقد شهد التبغ نموًا مستقرًا حتى نشوب الحرب الأهلية الأمريكية في ستينيات القرن التاسع عشر حيث تحول الشكل الأساسي للقوى العاملة من العبودية إلى نظام المزارعة. وصحب هذا الأمر تغير في الطلب، مما أدى إلى تصنيع التبغ في شكل سجائر. وفي عام 1881 قام أحد الحرفيين، جيمس بونساك، بإنتاج ماكينة للإسراع من إنتاج السجائر.

الأفيون

    مضار التدخين على كبار السن

    يسبب الإدمان. يؤدي إلى حدوث سرطانات الفم والرئة والمريء والمعدة. يؤدي إلى الإصابة بأمراض القلب وتصلب الشرايين والسكتات القلبية. يزيد من نسبة انتشار التدرن الرئوي عند مستخدمي الشيشة. يؤدي إلى الإصابة بأمراض تنفسية كالتهابات القصبات المزمن والربو والسل وانسداد المجاري التنفسية، علما بأن 75 – 80% من المصابين بانتفاخ الرئة هم من المدخنين. يورث القلق والتوتر والعصبية والشعور بالتعب والإرهاق.

    الاقتصاد

    تزعم تقديرات حملة "أطفال بلا تبغ" أن المدخنين يكلفون اقتصاد الولايات المتحدة 97.6 مليار دولار سنوياً في الإنتاجية المفقودة وأن هناك 96.7 مليار إضافية تنفق على الرعاية الصحية العامة والخاصة معاً. ويمثل هذا أكثر من 1 ٪ من الناتج المحلي الإجمالي. فالرجل المدخن في الولايات المتحدة الذي يستهلك أكثر من علبة سجائر يوميًا من الممكن أن يتوقع زيادة تقدر بـ 19.000 دولار في مصاريف الرعاية الطبية خلال عمره. أما المدخنة الأمريكية التي تدخن أكثر من علبة يوميًا فمن الممكن أن تتوقع زيادة تقدر بـ25.800 دولار إضافية على مصاريف الرعاية الصحية على مدار حياتها. ولابد أن تُعوض هذه التكاليف بعوائد الضرائب المتزايدة التي يدرها التدخين.

    الآراء الدينية

    الإسلام

    ذهب رأي علماء الإسلام في البداية إلى اعتبار التدخين مكروها لأنه كان يستخدم بدون مادة الكوكاين والقطران أي أن ما عرفه الفقهاء القدماء كان التبغ نفسه وليس المعروف حاليا ضرره مختلف عن الدخان الحديث، ثم بعد ظهور الدخان الحالي وتطور الأبحاث العلمية وثبوت تسبب التدخين بشكل مباشر في الإصابة بالعديد من أنواع السرطانات دفع بمجمع الفقه الإسلامي الدولي المجتمع في جدة إلى تحريمه تحريماً قاطعاً.

    التدخين في الثقافة

    هضمت الثقافة التدخين ومثلته في العديد من أشكال الفن وتطور ليلقى معان مميزة وغالبًا ما تكون متصارعة ومتناقضة اعتمادًا على الزمان والمكان والممارسين للتدخين. فحتى وقت قريب، كان تدخين الغليون من أكثر أشكال التدخين شيوعًا، لكنه اليوم أصبح مرتبطًا بالتأمل الرزين وكبر السن ويعتبر غالبًا شيئا مغرقا في القدم وعتيق الطراز وإن كان شكله جذابًا. أما تدخين السجائر فلم يصبح رائجًا إلا في نهاية القرن التاسع عشر وارتبط بالحداثة والإيقاع الأكثر سرعة الذي يميز العالم الصناعي. أما السيجار فكان وما زال مرتبطًا بالذكورة والقوة ورمزًا مرتبطًا بالصورة التقليدية التي يُنظر بها إلى الرأسماليين. وطالما كان التدخين على مرأى ومسمع من البشر أمرًا قاصرًا على الرجال وعندما تفعله النساء فإنه يرتبط بتعدد العلاقات الجنسية. وفي اليابان، خلال عهد "إيدو" كانت العاهرات وزبائنهن يتعرفون على بعضهم البعض على هيئة عرض السجائر والأمر ينطبق كذلك على أوروبا في القرن العشرين.

    الفن

    من الممكن أن توضح الآنية الخزفية الكلاسيكية لشعوب "مايا" أول تصوير للتدخين منذ حوالي القرن التاسع. وكان الفن ذو طابعا دينيًا في المقام الأول حيث أظهر الآلهة أو الحكام وهم يدخنون أشكالاً بدائية من السجائر. وبعد تقديم التدخين خارج الأمريكتين، بدأ بالظهور في الرسوم في أوروبا وأسيا. وكان رسامو العصر الذهبي الهولندي من أوائل من رسم لوحات لأشخاص وهم يدخنون ويظهر فيها الغليون والتبغ وهما مشتعلان. وفي جنوب أوروبا، وجد الرسامون في القرن السابع عشر أن الغليون مغرق في الحداثة بشكل يحول دون دمجه مع الأفكار المفضلة المستوحاة من الميثولوجيا الإغريقية والرومانية القديمة. في البداية، كان يعتبر التدخين ممارسةً متدنية وكان مرتبطًا بالطبقات الاجتماعية الدنيا لا سيما الفلاحين. وكان عدد كبير من الرسوم الأولية تظهر مشاهد من الحانات وبيوت الدعارة. وفي وقت لاحق بعد أن برز نجم الجمهورية الهولندية محققةً القوة والثروة ذات القدر الهائل، أصبح التدخين شائعًا بين الأثرياء وظهرت لوحات لنبلاء أنيقين وهم يرفعون الغليون في أناقة. فالتدخين يمثل المتعة في تلك الحياة الدنيا التي تتميز بأنها سريعة الزوال وقصيرة وتطير حرفيا كما يطير الدخان. وكان التدخين مرتبطًا بتصوير حاستي الشم والتذوق.

    في القرن الثامن عشر أصبح تصوير التدخين في الرسومات ضئيلاً نظرًا لظهور عادة النشوق الراقية التي أصبحت رائجة. ومرة أخرى أصبح تدخين الغليون يمثل مرتبةً متدنية ويظهر في اللوحات التي تمثل العوام من الطبقات الدنيا والفلاحين. وعلى الرغم من ذلك، فإن الاستنشاق المهذب لقطع التبغ الصغيرة والذي يتبع بالعطس، كان نادرًا في الفن. وعندما ظهر التدخين كان يصور في الغالب في اللوحات الغريبة المتأثرة بالاستشراق والتي تقدم صورة للتفوق الأوروبي على المستعمرات وتشكل وعيًا بالسيطرة الذكورية على الغرب المؤنث. وقد تفاقم موضوع "الآخر" الدخيل والغريب في القرن التاسع عشر، وقد أثار هذه النزعة الشعبية التي اكتسبتها فكرة الإثنية (علم الأعراق البشرية) خلال حركة التنوير الفلسفية.

    في القرن التاسع عشر أصبح التدخين شائعًا بوصفه رمزًا للمتع البسيطة، ورمزًأ لل"نبيل الهمجي" الذي يدخن الغليون، وأيضًا التأمل الرزين لأطلال الرومان الكلاسيكية، فضلاً عن مشاهد الفنانين الذين يتوحدون مع الطبيعة أثناء شرب الغليون ببطء. وقد وجدت الطبقة الوسطى التي اكتسبت السلطة والقوة منذ عهد قريب بعدًا جديدًا في التدخين بوصفه متعة غير ضارة تمارس باستمتاع في صالونات التدخين والمكتبات. وأصبح تدخين السجائر أو السيجار مرتبطًا بالشخص البوهيمي الذي نأى بنفسه عن قيم الطبقة الوسطى المحافظة ويظهر ازدراءه للمحافظة. وعلى النقيض من ذلك، كان التدخين متعةً لا بد وأن تكون قاصرة على عالم الرجال، وكان ينظر للنساء المدخنات على أنهن عاهرات، وكان يعتقد أن التدخين نشاط لا ينبغي للنساء المحترمات إشراك أنفسهن فيه. ومع مطلع القرن العشرين ظهرت النساء المدخنات في الرسومات والصور بانطباع يوحي بالأناقة والسحر الخلاب. وبدأ الانطباعيون أمثال "فينسينت فان جوخ" الذي كان مدخنًا للغليون، بالربط بين التدخين وكآبة وجبرية نهاية القرن التاسع عشر.

    وفي الوقت الذي تعززت وتجمعت فيه رمزية السيجارة والغليون والسيجار على حد سواء في نهاية القرن التاسع عشر، لم يبدأ الفنانون في استخدام هذه الرمزية بالكامل إلا في مطلع القرن العشرين. فكان الغليون يرمز للتأمل والهدوء، بينما ترمز السيجارة إلى الحداثة والقوة والشباب وإن كانت ترمز أيضًا إلى القلق العصبي، أما السيجار فكان رمزًا للسلطة والقوة. وفي العقود التي أعقبت الحرب العالمية الثانية خلال ذروة التدخين قبل أن يقع تحت نيران الحركة المناهضة للتدخين والتي كانت في ازدهار آنذاك، كان ينظر للسيجارة التي تدس بلا مبالاة بين الشفتين على أنها رمز لتمرد الشباب، وكان هذا يتجسد في الممثلين أمثال "مارلون براندو" و"جيمس دين"، أو في العمود الفقري للدعاية مثل "رجل مارلبورو". ومع سبعينيات القرن العشرين بدأت الخواص السلبية للتدخين في الظهور والتي تمثلت في الشخص المعتل صحيًا الذي ينتمي للطبقة الوسطى، والرائحة الكريهة لدخان السجائر وانعدام الحافز والدافع لاسيما في الفن، وكان كل هذا مستلهمًا ومنفذا من قبل الحملات المناهضة للتدخين.

    السينما

    منذ فترة الأفلام الصامتة كان للتدخين دوراً أساسياً في رمزية الأفلام. وفي أفلام الجريمة التشويقية التي تتميز بجفاف المشاعر والتي يطلق عليها "الفيلم الأسود" نجد أن دخان السيجارة غالبًا يحيط الشخصيات ويستخدم باستمرار لإضفاء هالة من الغموض والعدمية على الشخصيات. وتظهر أولى ملامح تلك الرمزية من خلال فيلم أحد رواد هذا المجال وهو فريتز لانغ في فترة "فايمار" ويحمل الفيلم عنوان "Dr Mabuse, der Spieler" ويعني "دكتور مابيوز المقامر" وهو إنتاج عام 1922. وفي هذا الفيلم يظهر الرجال وهم مفتتنون بلعب القمار ويدخنون السجائر أثناء اللعب. ومنذ البداية تم الربط بين النساء المدخنات وصورة الإغراء وقد جسدت الممثلة الألمانية "مارلينيه ديتريش" هذه الصورة بشكل واضح. وبالمثل، فإن بعض الممثلين أمثال "هيمفري بوجارت" و"أودري هيبورن" قد عُرفا بشخصياتهم التمثيلية المدخنة، كما اتسمت بعض أشهر صورهما وأدوارهما بسحابة كثيفة من دخان السجائر. وعززت "هيبورن" من هذا المظهر الساحر باستخدام مبسم السيجارة في فيلم "Breakfast at Tiffany"s" (الفطار عند تيفاني) على وجه الخصوص. ومن الممكن استخدام التدخين كوسيلة للإطاحة بما تفرضه الرقابة حيث كان وضع سيجارتين مشتعلتين في منفضة السجائر دون أن يلمسهما أحد يرجح حدوث علاقة جنسية.

    ومنذ الحرب العالمية الثانية، أصبح ظهور التدخين على الشاشة أقل تكرارًا نظرًا لانتشار الوعي بالمخاطر الصحية الواضحة للتدخين. ومع اكتساب الحركة المناهضة للتدخين مزيدًا من الاحترام والتأثير، أصبح هناك محاولات جادة لمنع ظهور التدخين على الشاشة لتجنب التشجيع على التدخين أو ربطه بأشياء إيجابية لاسيما في أفلام الأسرة. واليوم، أصبح التدخين على الشاشات شائعًا بين الشخصيات المجسدة والتي تظهر في صورة الأشخاص المعادية للمجتمع أو حتى المجرمين.

    الأدب

    ومثل باقي أعمال الخيال وجد التدخين طريقه إلى الأدب واحتل مكانًا بارزًا. وفي الغالب يصور المدخنون على أنهم شخصيات شديدة الفردية أو غريبي الأطوار بشكل لافت، ولعل أبرز تجلي فعلي لهذا الوصف يكمن في الشخصية الأدبية الأشهر في التاريخ وهي "شيرلوك هولمز". وبدلاً من أن يكون جزءًا متكررًا من قصص قصيرة وروايات، أسفر التدخين عن مديح لا نهاية له يثني على صفاته ويؤكد على شخصية الكاتب كمدخن متفان. وفي نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين على وجه الخصوص، ظهر عدد كبير من الكتب التي تحمل عناوين مثل "Tobacco: Its History and associations" (التبغ، تاريخه وما يتعلق به) الذي كُتب في عام 1876، و"Cigarettes in Fact and Fancy" (السجائر بين الواقع والخيال) الذي كُتب في عام 1906، و"Pipe and Pouch: The Smokers Own Book of Poetry" (الغليون والجيب: ديوان شعر المدخنين) الذي كُتب عام 1905، وكُتبت كل هذه الكتب في المملكة المتحدة والولايات المتحدة. وقد كَتب بعض الرجال هذه العناوين لرجال آخرين واحتوت على أخبار مسلية عامة وتأملات شعرية عن حب التبغ وكل الأشياء المتعلقة بذلك، وكانت تمدح باستمرار حياة العزوبية الراقية. وقد نُشر كتاب "The Fragrant Weed: Some of the Good Things Which Have been Said or Sung about Tobacco" في عام 1907 بين عدد كبير من الكتب، وكانت السطور التالية من قصيدة "A Bachelor"s Views" التي كتبها "توم هول" تُوضح الموقف المعهود في كثير من الكتب:

    So let us drink
    To her, – but think
    Of him who has to keep her;
    And sans a wife<

    Source: wikipedia.org