If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
الفضّة عنصر كيميائي رمزه Ag وعدده الذري 47، ويقع ضمن عناصر الفلزّات الانتقالية في الجدول الدوري وذلك في عناصر الدورة الخامسة والمجموعة الحادية عشرة. الفضّة ذات لون مميّز يقع بين الأبيض والرمادي، والذي ينسب لها فيقال لون فضّي؛ ولها خواص مميّزة، فهي ذات أعلى قيمة بين الفلزّات من حيث الناقلية الكهربائية والحرارية وكذلك الانعكاسية.
توجد الفضّة في القشرة الأرضية إمّا على الشكل الحرّ العنصري الطبيعي، أو على شكل سبيكة مع الذهب، أو ضمن مكوّنات بعض المعادن مثل أرجنتيت وكلورارجيريت. يستحصل على معظم الفضّة كناتج ثانوي من عمليات تكرير وتنقية الفلزّات الأخرى مثل الذهب والنحاس والرصاص.
الفضّة من الفلزّات النفيسة وكذلك من فلزّات النقود، لذلك استعملت في سكّ النقود، وحدها أو مع الذهب أحياناً. على الرغم من أنّها أكثر وفرةً في الطبيعة من الذهب، إلّا أنّ الوفرة على شكلّ فلز طبيعي قليلة. للفضّة العديد من الاستخدامات، فبالإضافة إلى استخدامها في مجال الحليّ وسكّ النقود والاستثمارات المالية، فلها تطبيقات في مجال صناعة الألواح الشمسية وتنقية المياه والصناعات الإلكترونية والصناعات الكيميائية، بالإضافة إلى استخدامها في صناعة الفضّيات.
كانت الفضّة واحدةً من الفلزّات "العتيقة" التي اكتشفت وعرفها الإنسان منذ التاريخ القديم، وأتاح وجود فلزّي الفضّة والذهب بالشكل الأصلي الحرّ في الطبيعة استخدامهمّا في المقايضات المالية بأشكالها البدائية؛ أو لمجرد أغراض الزينة. ولكن بما أن للفضّة تفاعلية كيميائية أكبر من الذهب، لذلك كان العثور عليها بشكلها الحرّ صعباً في كثيرٍ من الأحيان، بالتالي، وعلى سبيل المثال، كانت الفضّة أغلى من الذهب في مصر القديمة حتّى حوالي القرن الخامس عشر قبل الميلاد. يعتقد أنّ المصريين القدماء كانوا قد تمكّنوا من فصل الذهب عن الفضّة في الخامات بتسخين الفلزّات مع الملح ثم باختزال كلوريد الفضّة الناتج إلى الفضّة مجدّداً.
تغيّر الوضع مع اكتشاف أسلوب البوتقة الحرارية، وهي تقنية مكّنت من استخراج الفضّة من خاماتها. عثر على أكوام من الخبث الناتج عن تعدين الفضّة بهذه الطريقة في آسيا الصغرى (هضبة الأناضول) وفي جزر بحر إيجة، وأشارت الدلائل أنّ تلك الفضّة كانت قد فصلت عن الرصاص منذ الألفية الرابعة قبل الميلاد. كانت جزيرة سردينيا من المراكز المهمّة التي شهدت في العصر النحاسي أيضاً تعدين الفضّة فيها. إلّا أنّ تلك الأساليب في التعدين كانت محدودة الانتشار نوعاً ما، واقتصرت ضمن المناطق الجغرافية قبل أن تتوسّع في وقت لاحق؛ إذ أنّ الاكتشافات الأثرية للفضّة في الهند والصين واليابان تعود في تاريخها إلى نفس الحقبة التاريخية تقريباً.
عندما أتى الفينيقيون إلى شبه الجزيرة الإيبيرية وجدوا كمّيات كبيرة من الفضّة، إلى درجة أنّهم لم يستطيعوا حملها معهم كاملةً في سفنهم، حتّى أنّهم استعملوها لتثقيل مراسيهم بدلاً من الرصاص. كانت النقود الفضّية في عصر الإغريق والرومان دعامةً للاقتصاد، فالإغريق كانوا قد تمكّنوا من استخراج الفضّة من معدن الغالينا منذ القرن السابع قبل الميلاد، كما يعزى صعود نجم مدينة أثينا جزئياً إلى استخراج الفضّة من مناجم لافريو القريبة منها، حيث كان يستخرج تقريباً حوالي 30 طنّ سنوياً بين سنتي 600 إلى 300 قبل الميلاد. اعتمد استقرار العملة الرومانية بدرجة كبيرة على توافر سبائك الفضّة والتي كان مصدرها غالباً من إسبانيا، حتّى بلغ الإنتاج هناك ذروته في القرن التاسع الميلادي، وخاصّة في عهد شارلمان، إذ جرى تدوير حوالي 10 آلاف طن من منتجات الفضّة في اقتصاد الإمبراطورية الرومانية.
كانت أوروبّا الوسطى والغربية مركزاً لإنتاج الفضّة في العصور الوسطى، إذ اكتشف عددٌ لا بأس به من المناجم خاصّة في منطقة جبال الخام وبوهيميا وساكسونيا والألزاس وغيرها. كانت خامات الفضّة في تلك المناطق غنيّة بالفضّة، وكان يسهل فصلها وصهرها، كما كان يعثر على الفضّة بشكلها العنصري في بعض الأحيان. مع مرور الوقت نضبت بعض المناجم من الفضّة، إلّا أنّ بعضها الآخر استمرّ بالإنتاج بطاقةٍ إنتاجية وصلت إلى حوالي 50 طن سنوياً حتّى انطلاق الثورة الصناعية في أوروبّا. شهدت الحضارات الأخرى خلال تلك الفترة أيضاً تطوّراً في استخراج الفضّة ومعالجتها سواءً في مناطق الخلافة الإسلامية أو الهند أو الصين، كذلك الأمر في حضارات أمريكا الوسطى. عثر على العديد من خامات الفضّة في القارّتين الأمريكيتين، ومع توسّع الاستعمار الإسباني ازداد إنتاج الفضّة، خاصّة في دول أمريكا الجنوبية، مثل البيرو وبوليفيا وتشيلي، وكذلك في الأرجنتين، والتي يعود أصل تسميتها إلى الفضّة. مع ازدياد الإنتاج انتعشت تجارة الفضّة في مختلف أرجاء العالم، سواءً غرباً وخاصة في إسبانيا، إذ لعبت الفضّة دوراً كبيراً في توطيد نفوذ الإمبراطورية الإسبانية؛ أو شرقاً، وخاصّةً في الصين وشرقي آسيا. توسّع إنتاج الفضّة في القرن التاسع عشر ليصل إلى دول العالم الجديد مثل الولايات المتحدة وكندا والمكسيك وأستراليا.
منذ منتصف القرن التاسع عشر شهد السوق تطوّراً في إنتاج الفولاذ المقاوم للصدأ، والذي عمل بفضل خواصّه المميّزة وسعره المناسب بعد الحرب العالمية الأولى على إزاحة الفضّة من التطبيقات التقليدية لها مثل صناعة الأطباق وأدوات تناول الطعام. إلّا أنّ الفضّة وجدت لها تطبيقاً في التصوير الضوئي التقليدي منذ أوائل القرن العشرين، والذي ما لبث أن تراجع مجدّداً في نهايته مع التطوّر في التصوير الرقمي.
تبلغ الوفرة الطبيعية للفضّة في القشرة الأرضية حوالي 0.08 جزء في المليون (ppm)، وهي القيمة نفسها تقريباً لعنصر الزئبق؛ وبذلك تكون الفضّة أكثر وفرةً من الذهب بـ 20 مرّة، ولكن بالمقابل أقلّ وفرةً من النحاس بمقدار 700 مرّة.
توجد الفضّة في بعض الأحيان على شكلها الطبيعي الأصلي على هيئة قطعٍ صغيرة أو صفيحاتٍ رقيقة أو على شكل حبال متشجّرة؛ إلّا أنّه غالباً ما توجد مرتبطةً مع عناصر أخرى في معادن مختلفة. ينتمي خام الفضّة إلى معادن الكبريتيدات في أغلب الأحيان، وذلك على شكل كبريتيد الفضة Ag2S خاصّة في معدني الأكانثيت والأرجنتيت (نسبة الفضّة 87%) أو شترومايريت (نسبة الفضّة 53%). تحوي توضّعات الأرجنتيت في بعض الأحيان على قطعٍ من الفضّة الخالصة، خاصّة في الأوساط المختزلة؛ في حين أنّ التماس مع الماء المالح يحوّلها إلى كلورارجيريت (قرن الفضّة، AgCl)، وهو الشكل الذي يكثر وجوده في تشيلي وفي أستراليا.
توجد الفضّة في أشكال معدنية أخرى، وذلك على شكل نكتيدات (مركّبات مجموعة النتروجين) أو كالكوجينيدات (مركّبات مجموعة الأكسجين)، وتكون تلك الأشكال المعدنية ذات مظهر لمّاع وخواص شبه موصلة. من خامات الفضّة النادرة معدن ألارجينتم، الذي يحوي نسبة مرتفعة من الفضّة تصل إلى 99% مع نسبة متبقّية من الإثمد؛ وكذلك معدن ميارجيريت AgSbS2 الحاوي على الكبريت بالإضافة إلى الإثمد. كما يكثر أن تشترك الفضّة في خاماتها مع عددٍ من العناصر الفلزّية الأخرى مثل النحاس أو النيكل أو الرصاص أو الزنك. إجمالياً هناك حوالي 167 معدن معروف يحوي الفضّة في تركيبه.
من أكثر المناطق في العالم غنىً بخامات الفضّة كلّ من البيرو والمكسيك وبوليفيا والصين وتشيلي وأستراليا وبولونيا وصربيا. بدأ تعدين الفضّة في دول أمريكا الوسطى والجنوبية: المكسيك والبيرو وبوليفيا منذ أواسط القرن السادس عشر، ولا تزال تلك الدول حتى الآن من متصدّري إنتاج الفضّة في العالم. كما عثر مؤخّراً في آسيا الوسطى وخاصّة في طاجيكستان على توضّعات لخامة الفضّة، والتي تعدّ من الأكبر من نوعها في العالم. على العموم هناك حوالي 5500 موقع مسجل لخامة الفضّة في البيانات.
نظراً لخواص الفضّة المضادّة للبكتريا فإنّ المعدّات الطبية غالباً ما تطلى بها؛ فعلى سبيل المثال تستخدم الفضّة وسبائكها في صناعة أنابيب القسطر البولية وأنابيب القصبة الهوائية. كما تحوي بعض الضمادات الطبّية على سلفاديازين الفضّة أو جسيمات نانوية من الفضَة لمعالجة حالات الإصابة أو الحروق السطحية.
في مجالات طبَية أخرى تستخدم الفضّة وسبائكها في صناعة الحشوات الملغمية في طبَ الأسنان؛ كما يستخدم فلوريد ثنائي أمين الفضّة في العلاج الموضعي لتسوس الأسنان والتخفيف من آلامها.
عنصر الفضّة مهمٌ جدّاً في صناعة الإلكترونيات نظراً لخواصّه من حيث الموصلية الكهربائية الممتازة، لذلك استخدمت الفضّة سابقاً في صناعة الصمّامات المفرّغة وحالياً في صناعة الأجهزة شبه الموصلة والدارات الكهربائية ومكوّناتها. على سبيل المثال، تدخل الفضّة في تركيب وصلات أجهزة توليد موجات التردّد العالي والعالي جدّاً، وخاصّة في دارات الرنّان المستحثّ والمكثّف؛ وكذلك في تركيب لوحة الدارات المطبوعة وهوائي تحديد الهويّة بموجات الراديو.
تستخدم سبائك الفضّة في اللحام بالمونة للمواد المعدنية، غالباً للمعدّات المصنوعة من الكوبالت أو النيكل أو سبائك النحاس وغيرها. غالباً ما تكون سبائك الفضّة مع النحاس هي المستخدمة في هذه العملية، ويمكن أن يضاف إليها عناصر أخرى مثل البالاديوم أو القصدير أو المنغنيز وذلك حسب مجال التطبيق. على العموم تعمل الفضّة على توفير المزيد من مزايا قابلية التشكيل ومقاومة التآكل أثناء العملية.
تعدّ الفضّة من المواد ذات الأهمية في صناعة المعدّات في بعض الصناعات الكيميائية، وذلك اعتماداً على انخفاض النشاط الكيميائي وعلى سهولة التشكيل. فعلى سبيل المثال تصنع البواتق المستخدمة في احتواء المصهورات القلوية من سبيكة الفضّة مع نسبة منخفضة (0.15%) من النيكل. كما تدخل الفضّة مع النحاس في تركيب المعدّات التي تجرى فيها تفاعلات كيميائية مع الفلور.
تستخدم الفضّة أيضاً في الصناعات الكيميائية في مجال التحفيز، إذ تعدّ من الحفّازات الجيّدة، وخاصّةً في تفاعلات الأكسدة. من الأمثلة على ذلك الحفّاز الحاوي على نسبة 15% من الفضّة المحمّلة على الألومينا α-Al2O3 أو السيليكات، والذي يستخدم من أجل أكسدة الإيثيلين إلى أكسيد الإيثيلين. في تفاعل آخر تجرى عملية بلمهة (نزع ماء) من الميثانول لتشكيل الفورمالدهيد على شبكة من فلزّ الفضّة أو على بلّورات منه؛ وكذلك الأمر في تفاعل بلمهة إيزوبروبانول إلى الأسيتون. أمّا في تفاعلات الطور الغازي فتستخدم الفضّة كحفّاز في تحويل الغليكول إلى غليوكسال والإيثانول إلى أسيتالدهيد والأمينات إلى نتريلات.
سمحت الحساسية الضوئية لهالديات الفضّة باستخدامها في عمليات التصوير الضوئي التقليدية، رغم تراجُع هذا التطبيق بشكلٍ كبير بسبب هيمنة المعالجة الرقمية في التصوير في الوقت الراهن. بلغ الطلب العالمي على الفضّة لعمليات التصوير الضوئي ذروته سنة 1999 وكان بمقدار حوالي 8300 طن؛ ثم شهد تقلّصاً كبيراً بعد ذلك بحوالي 70% في سنة 2013.
كان المستحلب الحسّاس للضوء المستخدم سابقاً في التصوير الأبيض والأسود عبارة عن مستعلق من بلّورات هاليدات الفضّة في الجيلاتين، وكان يمزج مع مكوّنات أخرى لتحسين الحساسية الضوئية والإظهار في عمليات تحميض الأفلام. تطلّب التصوير الضوئي بالألوان إضافة مكوّنات صباغ خاصّة، بحيث ترتبط الصورة الفضّية بالأبيض والأسود مع مكوّنات الصباغ المختلفة؛ بعد ذلك تغسل الصور الفضّية الأصلية (النيجاتيف) وتستعاد الفضّة ويعاد تدويرها. كلّ تلك العمليات كانت تنطلق من استخدام محلول نترات الفضّة.
تستخدم الفضّة الخالصة في بعض المطابخ ضمن الإضافات الغذائية للزينة والتلوين، ولها رقم إي خاصّ بها وهو E174 في الاتحاد الأوروبّي. فالبعض من أطباق الحلويات التقليدية في الهند والباكستان المسماة vark تكون مكسوّةً بطبقةٍ سطحية من الفضّة؛ وفي بعض الثقافات يستخدم ملبّس الفضّة في تزيين الحلويات. تحوي بعض العدسات المتلوّنة بالضوء على هاليدات الفضّة، بحيث أنّ الضوء الساقط عليها يحرّر طبقةً رقيقةً سطحيةً من الفضّة تعتّم العدسات.
تستخدم مناخل من الزيوليت الحاوية على أيونات الفضّة لإزالة ملوحة مياه البحر في ظروف النجاة القاسية، إذ أنّ ملح كلوريد الفضّة يترسّب بالعملية. كما تستخدم الفضّة بسبب خواصها المضادّة للبكتريا في تطهير المياه، وبشكل مشابه يستخدم مستعلق الفضّة لتطهير حمّامات السباحة؛ إلّا أنّ هذه التطبيقات محدودة الانتشار بسبب ارتفاع الثمن ولوجود بدائل. تستخدم بلّورات دقيقة من يوديد الفضّة في الاستمطار، وذلك بسبب البنية البلّورية المشابهة لبلّورات الجليد، حيث يتكثّف بخار الماء في طبقات الجو العليا حول النوى المتبلورة ليوديد الفضّة، ومع ازدياد البخار المتكثّف لا يلبث أن يتحوّل لقطرات من المطر أو الثلج لتسقط للأسفل بفعل الجاذبية.
ورد ذكر الفضّة في العهد القديم في سياق وعظ إرميا لبني يهوذا. كما ارتبطت الفضّة دينياً في الثقافة المسيحية بمصطلح «ثلاثون قطعة فضّية» للإشارة إلى أجر الخيانة وذلك في المقطع الوارد في إنجيل العهد الجديد عن الرشوة التي قبضها يهوذا الإسخريوطي للإيقاع بيسوع. بالمقابل ورد ذكر الفضّة في القرآن ستّ مرات في أربع سور. يبلغ نصاب الزكاة للفضّة مقدار 200 درهم، وهو ما يعادل 595 غراماً.
كانت للفضّة حضور في الأساطير على اختلاف الثقافات. أورد الشاعر الإغريقي هسيودوس في عمله الأعمال والأيام ذكر عصور الإنسان المختلفة ونسبها إلى الفلزّات المعروفة في ذلك الزمن، ومن بينها الفضّة؛ ثم أعاد أوفيد لاحقاً سرداً مختلفاً