If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
إذا حصل كُرهٌ من المرأة لزوجها؛ وذلك لسوء العيشة والعشرة، وخشيت ألّا تُؤدّي له حقّه، فإنّه يجوز لها في هذه الحال أن تخالعه مقابل شيءٍ ماديّ تقدّمه له؛ وذلك لقوله -عزّ وجلّ-: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّـهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ)، وما جاء عن حبيبة بنت سهل الأنصاريّة -رضي الله عنها- حيث كانت زوجةً لثابت بن قيس بن شمّاس، فخرج النبيّ -صلى الله عليه وسلم- ذات يومٍ في الليل، ووجد حبيبة عند بابه، فقال النبيّ -عليه الصلاة والسلام-: (مَن هذهِ؟ قالت: أنا حبيبةُ بنتُ سَهْلٍ يا رسولَ اللَّهِ، قالَ: ما شأنُكِ؟ قالَت: لا أنا ولا ثابتُ بنُ قيسٍ لزوجِها، فلمَّا جاءَ ثابتُ ابن قيسٍ قالَ لَه رسولُ اللَّهِ: هذهِ حبيبةُ بنتُ سَهْلٍ قد ذَكَرت ما شاءَ اللَّهُ أن تذكُرَ فقالت حبيبةُ: يا رسولَ اللَّهِ، كلُّ ما أعطاني عندي فقالَ رسولُ اللَّهِ لثابتٍ: خُذْ منها فأخذَ منها، وجلَسَت في أهْلِها).
ويجدر بالذّكر أنّه في حال لم تكره المرأة من زوجها شيئاً وكانا متراضيَيْن على الخلع من غير سببٍ وداعٍ، فإنّ ذلك جائزٌ؛ لِما في كتاب الله -عزّ وجلّ-: (فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا)؛ وذلك لأنّه تمّ رفع العقد بالتراضي الذي جُعل لدفعِ أيّ ضررٍ، فيجوز وقتئذٍ من غير ضررٍ كالإقالة في البيع، وإن آذاها ومنعها من حقوقها لأجل أن تُخالعه على شيءٍ من مالها فخالعته، لم يجز ذلك؛ لقوله -عزّ وجلّ-: (وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ)؛ فإن حصل طلاقٌ في هذه الحال مقابل شيءٍ ماديٍّ، لم يستحقّ المقابل؛ لأنّه يصبح عقد معاوضة أُكرِهت عليه بغير حقٍّ له، فليس فيه المقابل؛ لأنّه كالبيع، فإن كان ذلك بعد الدخول فله أن يقوم بإرجاعها؛ لأنّ الرجعة تسقط بالمقابل، وقد تمّ إسقاط المقابل فتثبت الرجعة فيه.
وإن زَنَت الزوجة ومنعها زوجها من حقّها لتخالعه مقابل شيءٍ ماديٍّ؛ فهناك قولان لأهل العلم في ذلك؛ الأول: الجواز مع استحقاق العوض؛ لقول الله -تعالى-: (إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ)، والثاني: عدم الجواز وعدم استحقاق العوض؛ لإكراهها على الخلع بمنع حقّها كما لو منعها حقّها من غير أن تزني، وقالوا إن الآية التي استدلّ بها من قال بالجواز منسوخةٌ بآياتٍ أخرى في القرآن. وأمّا أركان الخلع، فهي أربعةٌ، وبيانها فيما يأتي:
إنّ الطلاق مشروعٌ بنصِّ الكتاب، والسُّنّة، والإجماع، والمعقول؛ وهناك الآيات الكثيرة التي تدلّ على مشروعيّته؛ فقد قال -تعالى-: (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ)، وقال أيضاً: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ)، وقد ورد في السُّنّة قولاً وفعلاً للطّلاق؛ فالنبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- قد طلّق حفصة -رضي الله عنها- ثم راجعها، وورد أنّ بعض الصّحابة -رضي الله عنهم- طلّقوا زوجاتهم، ومع ما في الطلاق من تشتّتٍ وضياع أُلفةٍ وطمأنينةٍ في حال ارتكابه، إلّا أنّه قد يحصل للضرورة، وإلّا فالأصل فيه الكراهة.
ونقل ابن قدامة الإجماع على مشروعيّة الطلاق في كتابه المغني، حيث قال: "أجمع الناس على جواز الطلاق"، أمّا المعقول فإنّ في إباحة الطلاق شيئاً واقعيّاً في أحوال النّفس الإنسانيّة، فهي ليست على حالٍ واحدٍ دائماً، وإنّما قد يحصل التنافر والشِقاق، وقد يزيد الاضطراب والمشاكل، فيصبح زواجاً بلا روحٍ، وبلا مقاصد، وبلا أهدافٍ، وقد يؤدّي إلى مفاسد كبيرة، فشُرِع الطلاق حفاظاً على هيكلة المجتمع من وسائل فساده وتدميره واضطرابه، وحتّى يقع الطّلاق صحيحاً لا بُدّ من توفّر أربعة أركانٍ، وبيانها فيما يأتي: