If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
في عام 115، كان الإمبراطور تراجان يتولى قيادة الحملة الشرقية ضد الإمبراطورية الفرثية. وكان العامل الذي حث على الغزو الروماني هو فرض ملك مناصر للفرثيين على عرش أرمينيا بعد الاجتياح الفرثي لتلك البلاد. وما كان من شأن انتهاك دائرة النفوذ التقليدية للإمبراطورية الرومانية بهذا الشكل –كانت الإمبراطوريتان تتشاركان الهيمنة على أرمينيا منذ عهد نيرون قبل نحو 50 عامًا- إلا أن تقود إلى الحرب.
ومع تقدم جيش تراجان مظفرًا في بلاد الرافدين، بدأ الثوار اليهود في أعقابه يهاجمون الحاميات الصغيرة التي تتخلف عنه. وسرعان ما امتدت ثورة نشبت في برقة البعيدة إلى مصر ثم قبرص، محرضة على قيام الثورة في يهودا. شكلت انتفاضة واسعة مركزها اللد تهديدًا لمؤن الحبوب من مصر إلى الجبهة، وانتشر العصيان المسلح اليهودي بخفة إلى الولايات التي كانت قد تعرضت للغزو حديثًا. انضمت المدن التي تضم عددًا معتبرًا من اليهود –نصيبين والرها وسلوقية وأربيلا (حاليًا: أربيل في العراق)- إلى الثورة وفتكت بالحاميات الرومانية الصغيرة الموجودة فيها.
في برقة، كان الثوار تحت قيادة لوكواس أو أندرياس، الذي أطلق على نفسه لقب «الملك» (حسب يوسابيوس القيصري). دمرت مجموعته العديد من المعابد، من بينها المعابد التابعة للآلهة هيكاتي وجوبيتر وأبولو وأرتميس وإيزيس، إلى جانب البنى المدنية التي كانت بمثابة رموز لروما، ومن بينها معابد السيزاريوم والبازيليكا والحمّامات العمومية.
وفي القرن الرابع، دوّن المؤرخ المسيحي أوروسيوس أن العنف أفرغ ولاية برقة من سكانها إلى درجت دفعت هادريان إلى تأسيس مستعمرات جديدة: «اليهود... شنوا حربًا على السكان في أنحاء ليبيا بأكثر الأساليب همجية، فعم الخراب البلاد إلى حد كبير، إذ ذُبح من يحرث الأرض، وكانت الأرض لتبقى غير مأهولة لو لم يجمع الإمبراطور هادريان المستوطنين من أماكن أخرى وأرسلهم إلى هناك، لأن السكان مُسحوا عن بكرة أبيهم». وقال كاسيوس ديو متحدثًا عن حركات التمرد اليهودية: «في الوقت الذي عين يهود منطقة قورينا شخصًا يدعى أندرياس قائدًا لهم وراحوا يدمرون الرومان والإغريق معًا. كانوا يطبخون لحمهم، ويصنعون الأحزمة لأنفسهم من أحشائهم، ويدهنون أنفسهم بدمائهم، ويرتدون جلودهم كأنها ملابس. قطعوا العديد منهم إلى نصفين من الرأس حتى الأسفل، وكانوا يلقون بآخرين إلى الوحوش البرية ويرغمون غيرهم على القتال مثل مقاتلي الغلادياتر. وبالنتيجة الإجمالية، هلك مئتان وعشرون ألف شخص. وفي مصر أيضًا، اقترفوا العديد من الأفعال المشابهة، وفي قبرص تحت قيادة أرتيميو. وهناك، بالطريقة نفسها، لقي مئتان وأربعون ألف شخص مصرعهم. ولهذا السبب لا يستطيع يهودي أن يطأ تلك الأرض بقدمه، حتى لو ساقت الريح أحدهم إلى الجزيرة فسيكون الموت مصيره. لعب العديد من الأشخاص دورًا في إخضاع أولئك اليهود، وكان من بينهم لوسيوس الذي أرسله تراجان».
ذكرت الموسوعة اليهودية الأصلية عام 1906 ما يلي عن مذابح قورينا: «بفعل هذه الثورة التي تفشت، فرغت ليبيا من سكانها إلى درجة تعين معها بعد بضع سنوات تأسيس مستعمرات جديدة هناك (يوسابيوس، «تاريخ» من الأرمني، السنة الرابعة عشرة من عهد هادريان). وتحدث الأسقف سينيسيوس، وهو من سكان قورينا المحليين في بداية القرن الخامس، عن الدمار الذي جره اليهود («دو رينيو»، الجزء الثاني)» (بالإنجليزية: Do Regno). وتقر الموسوعة اليهودية بأهمية كاسيوس ديو بوصفه مرجعًا، بيد أنها ترى أن روايته للأحداث في قورينا وقبرص قد تكون غير دقيقة: «لأن الرواية عن الحرب اليهودية تحت حكم تراجان وهادريان ديون هي المرجع الأهم (lxviii. 32, lxix. 12–14)، غير أن هذا الوصف للأعمال الوحشية التي ارتكبها اليهود في قورينا وجزيرة قبرص مبالغ به على الأغلب».
قاد لوكواس الثوار نحو الإسكندرية، ودخل المدينة التي كان الحاكم الروماني ماركوس روتيليوس لوبوس قد هجرها وأضرم النار بها. دُمرت المعابد المصرية وقبر بومبيوس الكبير. ووُثق انتصار اليهود في معركة نشبت في الأشمونين عام 116، كما تشير ورقة بردي.
أرسل تراجان جماعات عسكرية جديدة تحت قيادة مارسيوس توربو، لكن الأمور لم تهدأ في مصر وقورينا قبل خريف عام 117.
في قبرص، سيطرت مجموعة يهودية يدعى قائدها أرتيميون على الجزيرة، فقتلت عشرات الآلاف من المدنيين القبارصة الإغريق. وشارك اليهود القبارصة في الانتفاضة الكبيرة ضد الرومان في عهد تراجان (عام 117)، فذبحوا 240,000 إغريقي. وأرسِل جيش روماني إلى الجزيرة، فلم يلبث طويلًا حتى أعاد السيطرة على العاصمة. وبعد دحر الثورة بشكل كامل، سُنت القوانين لحظر عيش أي يهودي على الجزيرة.
اندلعت ثورة في بلاد الرافدين حين كان تراجان في الخليج العربي، وأعاد تراجان السيطرة على نصيبين (في تركيا) والرها، عاصمة مملكة الرها، وسلوقية (في العراق)، وكانت كل منها تؤوي جاليات يهودية كبيرة.
جُلب ابن مناصر للرومان من أبناء الملك الفرثي أوسرويس الأول، اسمه فرثاماسباتاس، مع الحملة على اعتباره جزءًا من حاشية الإمبراطور. توّجه تراجان في طيسفون ملكًا على الفرثيين، ووصف كاسيوس ديو الحدث كما يلي: «لخشية تراجان من أن يبدأ الفرثيون بالثورة هم أيضًا، رغب بمنحهم ملكًا منهم. وبناء على ذلك، حين جاء إلى طيسفون، استدعى جميع الرومان والفرثيين ممن تواجدوا في أحد السهول الكبيرة آنذاك سوية، واعتلى منصة عالية، وبعد حديثه عما كان قد أنجزه بلغة طنانة، عين فرثاماسباتاس ملكًا على الفرثيين ووضع الإكليل فوق رأسه». بعد فعله هذا، تحرك تراجان نحو الشمال ليتولى شخصيًا قيادة الحصار القائم على مملكة الحضر.
واستمر الحصار طيلة صيف عام 117، لكن سنوات الحملات المستمرة في قيظ الشرق ألقت بأثرها على تراجان، الذي عانى من ضربة شمس، فقرر أن يبدأ رحلة العودة الطويلة إلى روما من أجل أن يُشفى. وبعد إبحاره من سلوقية، تدهورت صحة الإمبراطور بسرعة. أنزِل إلى البر عند سيلينوس في صقلية، حيث لقي حتفه. وتولى خليفته، هادريان، الحكم بعد ذلك بوقت قصير.
هرب القائد اليهودي لوكواس إلى منطقة يهودا، فسعى مارسيوس توربو خلفه وحكم بالموت على الأخوين جوليان وبابوس، اللذين كانا من كبار قادة الانتفاضة. آنذاك كان لوسيوس كوييتوس، الذي غزا يهود بلاد الرافدين، يتولى قيادة الجيش الروماني في يهودا، وضرب الحصار حول اللد، حيث كان الثوار اليهود قد تجمعوا تحت قيادة حوليان وبابوس. تعاظم التوتر إلى درجة أن الربان الكبير جمالائيل الثاني، الذي حُجز هناك ومات بعد ذلك بوقت قصير، سمح الصوم حتى في عيد حانوكا، في حين أدان حاخامات آخرون هذا الإجراء. بعد ذلك استولي على اللد وأعدِم العديد من اليهود المتمردين، وكثيرًا ما يرد ذكر «من ذُبحوا في اللد» بكلمات مديح توقيري في التلمود، ولقد كان القائدان الثوريان بابوس وجوليان من بين من أعدمهم الرومان في العام نفسه.
جُرد لوسيوس كوييتوس، الذي كان الإمبراطور تراجان يضعه في مكانة عالية والذي خدم روما بمنتهى الكفاءة، من سلطته بهدوء حالما ضمن هادريان اللقب الإمبراطوري. وقُتل في ظروف مجهولة في صيف عام 118، ربما بناء على أوامر من هادريان.
اتخذ هادريان قرارًا بإنهاء الحرب لم يقابَل بترحيب شعبي، فهجر الكثير من فتوحات تراجان في الشرق وهدّأ الحدود الشرقية. وعلى الرغم من هجره لولاية بلاد الرافدين السابقة، فقد نصّب فرثاماسباتاس –الذي كان قد طُرد من طيسفون بعودة أوسرويس- ملكًا على مملكة الرها التي استعيدت. وظلت مملكة الرها طوال قرن تحتفظ باستقلال متقلقل بوصفها دويلة حاجزة محشورة بين الإمبراطوريتين.
ظل الوضع في يهودا متوترًا بالنسبة إلى الرومان، الذين أجبِروا في حكم هادريان على نقل الفيلق المدرع السادس إلى قيسارية ماريتيما بشكل دائم.