العربية  

books religious life

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

الحياة الدينيَّة (Info)


  • طالع أيضًا: إسماعيلية
  • الحشاشون
  • موحدون دروز

كان دينُ الدولة الفاطميَّة الرسمي هو الإسلام، ومذهبُها هو المذهب الشيعي الإسماعيلي، وهو مذهبُ الخُلفاء وكِبار رجالات الدولة، واعتنقهُ قسمٌ من الشعب المُوالي للسُلطة، كالكتاميين البربر وبعضٌ من الصقالبة والروم وغيرهم من الأجانب الذين دخلوا مصر جنودًا في الجيش الفاطمي. وكانت مذاهب أهلُ السُنَّة والجماعة: الحنفيَّة، والمالكيَّة، والشَّافعيَّة، والحنبليَّة، هي الأكثر انتشارًا على المُستوى الشعبي، ومردُّ ذلك أنَّ الفاطميّون في بداية عهدهم اتبعوا وصيَّة الدَّاعي أبو عبد الله الشيعي القائلة: «إنَّ دَوْلَتُنَا دَوْلَةُ حُجَّةٍ وَبَيَانٍ، وَلَيْسَتْ دَوْلَةَ قَهْرٍ واستِطَالَةٍ، فَاتْرُكُوا النَّاسَ عَلَى مَذَاْهِبِهِم، وَلَا تُلْزِمُوْهُم بِاتِّبَاعِ الدَّعْوَةِ الهَادِيَةِ المَهْدِيَّة»، فلم يفرضوا التشيُّع بالقوَّة، بل عمدوا إلى الدعوة ونشر الدُعاة في طول البلاد وعرضها لحث الناس على اعتناق المذهب الإسماعيلي. وكان الدُعاة الفاطميّون نوعين: الدُعاة الشعبيّون ولهم أعمال تتعلَّق بالإعداد الشعبي لإثارة النَّاس ضدَّ الحُكم، والدُعاة الدينيّون المُختصون بنشر فكرة الدعوة الإسماعيليَّة في صُفوف الشعب. وقد نشط الدُعاة نشاطًا عظيمًا في بداية عهد الدولة وخِلال عصرها الذهبي، فاستجابت لهم بعضُ قبائل كنانة في الفسطاط وجنوبها، وأخذت تُنادي بالخليفة الفاطمي المُعز لدين الله إمامًا وارتبطوا به عقائديًّا. وقد أمدَّ الخُلفاء الفاطميّون هذه الدعوات بكُلِّ ما تحتاجه من تمويلٍ ماديٍّ ومعنويٍّ خلال عصر الدولة الذهبي، واشتهر المُعز لدين الله بعنايته الشديدة لجهاز الدعوة المذكور، حتَّى أُشير بأنَّ الدُعاة وصلوا الأراضي الصينيَّة الخاضعة لأُسرة سونگ في أيَّامه. وكان الخُلفاء يخلعون على الدُعاة النعم والأموال تقديرًا لخدمتهم المذهب الإسماعيلي وإخلاصهم للإمام، فها هو ذا أحد أشهر الدُعاة والمُلقَّب بفيلسوف الدعوة أحمد حميدُ الدين الكرماني يتحدثُ عن النعم الكثيرة التى أولاه إيَّاها الحاكم بأمر الله فيقول: «وَقَضَاءٌ بِحَقِّ النِّعْمَةِ فِيْمَا أوْلَانِيَهُ وَلِيُّ اللهِ فِي أرضِهِ، صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ وَبَرَكَاتِهِ التِي أَصْبَحْتُ بِهَا فِي نِعْمَةٍ تَامَّةٍ وَرَوْضَةٍ مُدَهَامَةٍ، مَاؤُهَا مَعِيْنٌ وَهَوَاؤُهَا عَلَى المُرَادِ مُعِيْنٌ، وَكَأَنَّهَا حُوْرُ العِيْنِ، ثُمَّ شُكرًا عَلَى المَوْهِبَ، وَطَالِبًا لِلأَجْرِ وَالمَثْوَبَة». ودرجاتُ الدُعاة عند الإسماعيليَّة سبع، هي: «الباب»، وهي أعلى درجاتُ الدُعاة، ولمَّا يصل إليها إلَّا أفرادٌ قلائلٌ، وأُحيط من يشغل هذه الدرجة بسريَّةٍ تامَّةٍ حتى في عصر الظهور. و«الحُجَّة» أو «داعي الدُعاة» ويكونُ بجانب الإمام وله الإشراف على كُلِّ شيءٍ يتصلُ بالدعوة، و«داعي البلاغ» وله رتبة الاحتجاج، و«الدَّاعي المُطلق» وله رُتبة تعريف التأويل بالباطن، و«الدَّاعي المحدود» ولهُ التعريف بالعبادات الظاهرة، و«الدَّاعي المأذون» وله أخذ العهد والميثاق، و«الدَّاعي المُكالب» أو «المُكاسر»، وهو الذي يستميل الناس إلى المذهب الإسماعيلي.

أمَّا بالنسبة للمُسلمين من غير الشيعة، ولِغير المُسلمين، فلا يُمكن الحديث عن ملامح عامَّة لأوضاعهم، وذلك لتبايُن أُسلوب التعاطي معهم من خليفةٍ إلى آخر، فبعضُ الخُلفاء كان مُتسامحًا لأبعد الحُدود مع أهل السُنَّة ومع النصارى واليهود، فأطلق لهم الحُريَّة الدينيَّة والمذهبيَّة، واستوزر منهم ورفع شأنهم، وبعضهم الآخر اضطهدهم اضطهادًا شديدًا. فعلى سبيل المِثال، اشتهر الخليفة المنصور ومن بعده المُعز لدين الله بتسامُحه الكبير مع أقباط مصر، وباستمالتهم إليه ومُولاتهم له بعد أن اتصل بقيادتهم الدينيَّة وأعلمهم بأنَّهُ سيمنحهم الحُريَّة الدينيَّة بعد أن نالهم الضيم جرَّاء المُمارسات القمعيَّة التي انتهجها الأخشيديين ضدَّهم أواخر عهد دولتهم. ولمَّا فتح الفاطميّون مصر، سلك جوهر الصقليّ سُلوكًا دبلوماسيًّا هادئًا مع المصريين، فأعلن في خِطبة الجُمعة الأمان لأهل السُنَّة وللمسيحيين واليهود، واستقبل مُمثِّلُ الأقباط الذي كان يرفع صوته ويقول: «إنَّنَا نَنْتَظِرُ وُجُودَكُم فِي مِصْرَ بِلَهْفَةِ المُضْطَهِدِ حَتَّى نَنْعَمَ بِالحُرْيَّةِ حَتَّى فِي حَيَاتِنَا اليَوْمِيَّةِ وَأَمْوَالَنَا وَمُمَارَسَةِ دِيَانَتِنَا». وكان المُعز لدين الله، ابن العزيز، أكثر تسامحًا مع أهل الكتاب من غير المُسلمين، فقد جعل عيسى بن نسطورس وزيرًا له، وتزوَّج من امرأةٍ مسيحيَّةٍ ملكانيَّة، وهي أُمُّ ولده الحاكم وشقيقة اثنين من البطاركة: أحدهما بطريرك كنيسة الإسكندريَّة، والآخر بطريرك كنيسة بيت المقدس، وكان يحتفلُ مع النصارى ويُشاركهم أعيادهم. ومن شدَّة تسامح الخُلفاء الفاطميين الأوائل مع أهل الكِتاب، قيل بأنَّهم كانوا يُشجعون إقامة الكنائس والبيع والأديار، بل ربما تولوا إقامتها بأنفسهم أحيانًا. تغيَّر وضعُ اليهود والنصارى مع تولّي الحاكم بأمر الله شؤون الخِلافة، فقسا عليهم في المُعاملة، ويُحتمل أن يكون ذلك بسبب ضغط المُسلمين بعامَّةً الذين ساءهم أن يتقرَّب الخُلفاء من غير المُسلمين ويُعينوهم في المناصب العُليا، فأصدر الحاكم أمرًا ألزم أهل الذمَّة بلبس الغيار، وبوضع زنانير مُلوَّنة مُعظمها أسود، حول أوساطهم، ولبس العمائم السود على رؤوسهم، وتلفيعات سوداء، وذلك لتمييزهم على المُسلمين. وفي وقتٍ لاحق منعهم من الاحتفال بأعيادهم، وأمر بهدم بعض كنائس القاهرة، كما صدر سجل بهدم كنيسة القيامة في بيت المقدس.

كان أهل السُنَّة يُشكلون غالبيَّة الشعب الفاطميّ، وكانت أوضاعهم مُتقلِّبة كأوضاع أهل الكِتاب، وفق سياسة الخليفة الفاطمي، وما تُمليه عليه طبيعة الأُمور. فمن مظاهر تسامُح الخُلفاء الفاطميين تعيين بعض عُلماء أهل السُنَّة في مناصب الوزارة والقضاء، فعلى سبيل المِثال، أنشأ الحاكم بأمر الله مدرسةً لتعليم الفقه المالكيّ، وأهداها دار كُتبٍ، وعيَّن أبا بكرٍ الأنطاكيّ ناظرًا لها، وخلع عليه وعلى مُدرِّسيها وأجلسهم في مجلسه. كما أقدم على تعيين ابن أبي العوَّام قاضيًا للقُضاة، وعندما قال أعوانه له: «إنَّهُ ليس على مذهبك ولا على مذهب من سلف من آبائك»، قال: «هو ثقةُ مأمونٍ مصريٍّ عارفٍ بالقضاء وبأهل البلد، وما في المصريين من يُصلحُ لهذا الأمر غيره». ومن مظاهر التعصُّب ضدَّ أهلُ السُنَّة شُيوع سبّ الصحابة وكتابة ذلك على جُدران المساجد والحوانيت والمقابر والدور، وتلوينها بالأصباغ والذهب، ومنع صلاتيّ التراويح والضُحى في جميع مساجد مصر زمن الخليفة سالِف الذِكر، تحت طائلة ضرب وتشهير من يؤديها. وكان الوُلاة والأُمراء يُطبقون سياسة الخليفة في ولاياتهم القاضية بالتساهل أو التشدد مع أهل السُنَّة، فقد قبض نائب دمشق «تموصلت الأسود البربريّ» على رجلٍ مغربيٍّ في المدينة وضربه لارتكابه ذنبًا لم يذكره المؤرخون، لكن يُرجَّح أنه مذهبيّ، بدليل أنَّهُ طيف به في شوارع المدينة، ونودي عليه: «هذا جزاءُ من يُحب أبا بكرٍ وعُمر». ظهرت خِلال العصر الفاطمي عدَّة طوائف وجماعات دينيَّة انشقت عن الإسماعيليَّة، ومن هذه الطائفة الدُرزيَّة، وتفصيل ذلك أنَّ الحاكم بأمر الله أرسل إلى الشَّام داعيةً اسمه «مُحمَّد بن إسماعيل الدَرَزي» لينشر الدعوة بين أبنائها، فنزل الدَرَزي في وادي التيم من البقاع، حيثُ كثُر أتباعه، ولكنَّ الدَرَزي شذَّ عن الدعوة التي أوفده الحاكم لنشر مبادئها، ودعا لنفسه، فنبذه أتباعه وقتلوه وتبرَّأوا من الانتساب إليه. وكثُر الدُعاة وكثُر الموحدون الدروز في وادي التيم، ومنه انتشروا في صفد وجبل لُبنان وحوران والكرمل. وكان من أبرز الدُعاة حمزة بن عليّ الزوزني، الذي يعود الفضل إليه في توطيد الدعوة وصيانتها ووضع أُسس المذهب وفلسفته.

Source: wikipedia.org