العربية  

books public activity

If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.

View more

النشاط العلني (Info)


العماد والتجربة

    كان المسيح يتكلم بالأمثال، ويستخدم الكثير من التشبيهات خلال مخاطبته الجموع، ولتوضيح غاية معينة أو تلقين فكرة بعينها، بحيث تساعد الحبكة القصصية أو خلاصة نهاية المثل في فهم الحقائق الروحية، وفي الوقت ذاته تبدو قصصًا بلا معنى لمن لم يتأمل بها. وأما مواد الأمثال فلم تكن فلسفيّة أو غريبة أن الوسط الاجتماعي البسيط، إذ استخدم المسيح أمثالاً من المحيط بعضها من الطبيعة مباشرة والبعض الآخر عادات اجتماعيّة، مأولة لإيصال حقيقة روحية، ولمعظم الأمثال نقطة جوهرية واحدة فقط، وبالتحليل العكسي، فإن كل مثل يعطي تطبيقًا روحيًا لأمر مألوف.

    إن مجموع الأمثال، وأغلبها إزائية، ثمانية وثلاثون مثلاً، تبوب في عشرة أبواب، فمنها عن الدينونة والمستقبل، وعن الخدمة والطاعة، وعن الصلاة ومحبة الله ورحمته، وعن محبة الإنسان لكل إنسان، والقيم الأخلاقية. وتشبك الأمثال أحيانًا، فإن عظة واحدة كما في متى 13 حيث ترد خمسة أمثال تختصّ مواضيع مختلفة، أو تأتي ردًا على سؤال وجّه للمسيح أو استكمالاً لما ورد في العهد القديم.

    المعجزات والخوارق

    سوى معجزة دخوله العالم ومعجزة خروجه من العالم، فإنه حسب الرواية الرسمية للعهد الجديد فقد اجترح المسيح عددًا كبيرًا من المعجزات والأعاجيب، بل إن معجزاته لا سيّما الشفائية منها، لم تسجل كلها لكثرتها، وتذكر الأناجيل حوادث من هذا النوع كما في متى 4: 23-25، حيث يعلن النص «ذيوع صيته في سوريا كلها» وأن الناس «حملوا إليه مرضاهم المعانين من الأمراض والأوجاع على اختلافها»، في ما يدعى «شفاء جماعي». وكان الشفاء يتم بالكلمة فقط، وأول معجزة أجراها المسيح كما ترد في يوحنا 2: 1-23، هي تحويل الماء إلى نبيذ في عرس قانا الجليل؛ وتركز الأناجيل على حوادث شفاء البرص، لكونه من أكثر الأمراض إثارة للخوف في الزمان القديم، وكانت الصفة تطلق على طائفة واسعة من الأمراض المتشابهة، وفي كثير من الأماكن ومنها فلسطين، كان المصاب بالبرص ينفى من المدينة ليعيش في البرية مع غيره من البرص إلى أن يشفى أو يموت؛ كما شفى المسيح الرجل ذي اليد اليابسة، وأوقف نزيف امرأة مصابة بنزيف دموي مدة اثنتي عشر سنة - أي نجسة على الدوام حسب الشرع - وقد اكتفت هذه المرأة بأن تلمس طرف رداءه لتشفى؛ والكثيرون تكرر معهم الأمر ذاته دون أن تفصّل الروايات كما هو في مرقس 3: 10؛ وإلى جانب ما شفي بالكلمة أو اللمسة فقط، فإن بعض المعجزات تطلبت ما هو أكثر من ذلك، ففي شفاء الأعمى منذ ولادته تفل المسيح على التراب وجبل منه طينًا ووضعه على عيني الأعمى، وقد فتح المسيح عيون عمي كثيرين وكانت النبؤات السابقة للمسيح، كنبؤة أشعياء، أشارت إلى مقدرة المسيح أن يفتح عيون العمي حين يأتي. ولعلّ أشهر العميان الذين شفاهم المسيح، هو الشحاد بارتيموس الأعمى وابن الأعمى. ومن المعجزات الأخرى التي استأثرت بالاهتمام، شفاء المرأة الحدباء يوم السبت، والمخلّع، ومشلول بيت حسدا الذي مكث في الشلل ثمانية وثلاثين عامًا، وإعادة أذن ملخس، عبد رئيس الكهنة المقطوعة.

    ولم تكن المعجزات هي غاية يسوع، فإن الأناجيل تذكر أنه أمر بعضًا من الذين شفاهم بالصمت (متى 9: 30)، ووبخ الفريسيين لطلبهم آية (مرقس 8: 11-12)، والسبب الأبرز في تفسير ذلك، أنه لم يكن غرض المسيح أن يعرف كصانع عجائب أو طبيب، وإهمال الجانب الروحي في الأمر، وكان يكرر بأن الإيمان هو من يشفي، فضلاً أن الهدف الرئيسي للمعجزت هو إظهار سلطته، والدليل على أصله العلوي وتأييد السماء له. وإن كانت هذه المعجزات، جزءًا أصيلاً من رسالته، ودليلاً على قدرته، وأنها سبب فرح للجموع (لوقا 13: 17)، وذهولهم (لوقا 9: 43)، وكانت في كثير من الأحيان سبب إيمانهم (يوحنا 2: 23)، بل والتعجب أيضًا: ما شوهد مثل هذا قط من قبل (متى 9: 33).

    وكان المسيح يأمر أيضًا بعضًا من الذين شفاهم بأن يقدموا القرابين التي أمر بها موسى فيما يخص اليهود، ولم تتوقف معجزاته على اليهود وحدهم بل شفى أيضًا «من الأمم»، مثل شفاء خادم قائد المئة، والأعاجيب التي قام بها في زيارته المدن العشر والسامرة وصيدا وصور. وتذكر الأناجيل ثلاث حوادث لإقامة الموتى: ابنة رئيس المجمع يائير، وابن أرملة نائين، ولعازر، صديق يسوع. وإلى جانب ذلك، كان يطرد الأرواح النجسة بكلمة منه، والشياطين، شافيًا من أصيب بقوى خبيثة؛ ومن الخوارق الأخرى التي سطرتها الأناجيل والتي تشير إلى علاقة المسيح مع الطبيعة، كتهدئة العاصفة التي ضربت بحيرة طبرية، ولعن إحدى أشجار التين فيبست، ومعرفة النوايا، واصطياد بطرس ومن معه سمكًا كثيرًا بعد أن أمرهم بإلقاء الشباك، والمشي على الماء، وتكثير الأرغفة والسمكتان. يذكر أن يسوع قد أعطى تلاميذه مثل هذه السلطة، ويذكر سفر الأعمال اجتراح التلاميذ باسم المسيح عددًا من المعجزات كما في 3: 1-10 و8: 6-8.

    النبؤات

    النبؤة حسب علم اللاهوت، هي أعجوبة عقليّة لا تقع تحت الحواس، وتقوم على معرفة المستقبلات الناشئة عن حرية الإنسان وكشف النقاب عنها قبل وقوعها، قدم المسيح عددًا كبيرًا من النبؤات التي تختصّ بالمرحلة اللاحقة لوجوده الأرضي، ولعلّ أشهر النبؤات تدمير الهيكل وخراب القدس والذي تمّ خلال عام 70؛ وأشار إلى الاضطهادات على المسيحيين والتضييق الذي سيقع عليهم وهو ما تمّ حتى صدور مرسوم ميلانو، ودعا للثبوت في وجه الاضطهاد والمحافظة على الإيمان حتى لو وصل الاضطهاد إلى العائلة، بل قال في يوحنا 16: 2 أنه سيأتي وقت يظنّ من يقتلكم «يؤدي لله خدمة».

    وتنبأ عن موته وقيامته ثلاث مرات، وخيانة أحد تلاميذه، ووعد بإرسال الروح القدس المعزّي والمعين، ليقوي المؤمنين ويذكرهم، وقال أن ما يقوله كأنه صادر عن المسيح شخصيًا، وقدّم وصفًا مسهبًا ليوم القيامة، وما سيسبقه من ويلات، وظهور أنبياء ومعلمين وقادة دينيين كذبة يضلون الكثيرين وعلى رأسهم المسيح الدجال، إلى جانب تكاثر الحروب والمجاعات والكوارث وقيام أمّة على أمة، وسقوط الآلهة والقوات الأرضية قبل هزيمة الشيطان في المجيء الثاني، حيث لدى عودة المسيح ستشاهده «جميع الأمم وقبائل الأرض»، ودعا للسهر والترقب فلا أحد يعلم حين يحين الوقت. أخيرًا فإنّ سفر الرؤيا كما يصرح بذلك في 1:1-2 هو وحي من قبل المسيح.

    التجلي وعلاقته بالأنبياء

    يعتبر حدث التجلي حديثًا بارزًا في حياة المسيح وفق نظرة العهد الجديد، وبحسب رواية متى 17: 1-13، فبعد نحو أسبوع من اعتراف بطرس بيسوع على أنه المسيح، اصطحب يسوع ومعه بطرس ويوحنا بن زبدي وأخاه يعقوب، وانفرد بهم على جبل عال لعلّه أحد جبال حرمون، وهناك تجلّى أمامهم، فشعّ وجهه كالشمس، وصرت ثيابه بيضاء كالنور، ثم ظهر له موسى وإيليا، وكلاهما يمثلان أعظم نبيين في الفكر الديني اليهودي. وكان موسى وهو يمثل الشريعة قد تنبأ عن مجيء عظيم (عدد 24: 17؛ تثنية 18: 15-19) أما إيليا وهو يمثل الأنبياء قد تنبأ أيضًا عن مجيء المسيح (ملاخي 4: 5-6). وكان ظهورها مع يسوع تأييدًا لرسالته، بصفته المسيح، بحيث يتمم شريعة موسى وأقوال الأنبياء. وكما أعطى صوت الله من السحابة على جبل سيناء السلطان لشريعة موسى (خروج 19: 9) فإنّ صوت الله على جبل التجلي كان مقاربة حديثة لما تمّ مع موسى وإضفاءً لسلطان خاص على المسيح.

    أمر يسوع من شهد التجلي بالصمت حتى نهاية رسالته، وكذلك فقد منع التلاميذ أو من شفاهم، في مناسبات عددية من أن يذيعوا كونه المسيح. يعود ذلك بشكل أساسي، إلى أن النبوات المسيانيّة، التي تحفل بها الكتب المقدسة، قد قدمت حلقتين عن «المخلص المنتظر» أو «النبي الآتي»، الأول هي العبد المتألم، والثانية هي الملك المظفر. طبقًا للتعاليم المسيحية، فإنّ الملك المظفر يأتي في آخر الزمان، ليحوّل العالم الفاسد إلى عالم مفتوح على الأبدية لا يدخل فيه الشر أو الشيطان أو الموت، وهو ما سيتم في المجيء الثاني؛ أما المجيء الأول فقد ركّز على صورة العبد المتألم، وما كان للأولى أن تتم لولا الثانية. كلا الصورتين، في كلا الأحوال، تنطبقان في شخص المسيح، الذي دأبت كتابات العهد الجديد على إظهاره بوصفه متمم النبؤات، لكونها، إلى جانب الخوارق والمعجزات، الدليل الأبرز على أصله العلوي، وإنمامًا لذلك، فقد أعلن المسيح أنه يندرج في خط من سبقه، فهو ما جاء ليلغي بل ليُكمل، وأكثر من الاستشهادات بسير السابقين والاقتباس من الكتب المقدسة، ودعا أتباعه للتمثل بهم.

    علاقته بالسلطة الدينية

    كان للسلطات الدينية في أيام المسيح، شأن كبير، لا على الصعيد الديني فقط بل على الصعيد الإداري أيضًا، فالإمبراطورية الرومانية سمحت للجماعة اليهودية، أن تنظم طقوسها وعباداتها، وإصدار التشريعات الخاصة لها، ورغم هذا الحكم الذاتي، ظلّ ليهود ينظرون إلى الرومان كسلطة احتلال، وثنية. أكبر الأحزاب الدينيّة - السياسيّة، في أيام المسيح، كان الصدوقيون والفريسيون.

    شكّل الصدوقيون أغلبية المجلس الأعلى وعرفوا بكونهم الأقلية الثرية والمثقفة والمحتكرة لتجارة الهيكل، والتي اكتفت بأسفار موسى الخمسة فقط ما دفعها لرفض مفاهيم مثل القيامة والملائكة، ونظرًا لثرائهم فقد تحالفوا مع الرومان. أما الفريسيين، وهم أقلية في المجلس الأعلى، فعلى العكس من ذلك، كانوا ذوي شعبية واسعة لمقارعتهم الرومان، غير أنهم اشتهروا بتعصبهم، والقول بالتبرير الذاتي، والتعلق بالمظاهر الخارجية كإطالة أهداب الثياب، واحتقار سائر فئات الشعب لاسيّما الوضيعة، فكان أحد ميادين خلافاتهم معه اهتمامه بالطبقات الدنيا من الشعب، والتي كان ينظر إليها على أنها غير مشمولة برحمة الله. ويمكن أن يضاف سبب خلاف آخر، فسلطة يسوع التعليمية ومعارفه لم تأت من الدراسة الطويل على يد الفقهاء المعترف بهم، بل إن هذا التعليم كان من الله مباشرة: "تعليمي ليس من عندي بل من عند الذي أرسلني" كما قال لهم في يوحنا 7: 16، وأسلوبه المختلف والأكثر بساطة جعل شعبيته تطغى على شعبيتهم، فطبقًا لمرقس 1: 22: "ذهل الحاضرون من تعليمه لأنه كان يعلمهم كصاحب سلطان وليس كالكتبة".

    وبشكل عام فإنّ كلا الفريقين، كان محط نقد يسوع وتعنيفه، وكان على صدام دائم معهم فيما يخصّ قضايا استنبطها الكتبة - وهم متحالفين مع الفريسيين، كانت مهمتهم الأساسية نسخ التوراة - من الشريعة، كالتدواي في يوم السبت (لوقا 5: 6-11). وقد بدأ الصدام مع السلطة الدينية التقليدية باكرًا، فقالوا أن شيطانًا يسكنه (متى 9: 34)، وتآمروا على قتله منذ بداية نشاطه العلني (متى 12: 38-39). وفي المقابل، جاء رهط منهم إلى يسوع طالبًا آية فوصفهم بالجيل الشرير والخائن (متى 12: 38-39) وأنهم يخالفون وصايا الله من أجل المحافظة على تقاليدهم الشكلية والقشرية (متى 15: 1-8؛ 23: 5-7) وحذر منهم (متى 16: 6)، وقصدهم في بعض أمثاله التي ضربها (متى 21: 45-46) ولعلّ أقسى ما سجلته الأناجيل من توبيخ المسيح لهم ما في متى 23، حيث هددهم بنار جهنم ووصفهم بالمرائين، ووصف النصّ بأنه أعنف ما واجه به المسيح القادة الدينيين؛ كما قلب موائد الصيارفة وموائد باعة حمام الذبيحة كما في مرقس 11: 15-19، ووصف الصدوقيين الذين ينكرون القيامة بأنهم في ضلال عظيم.

    على أن بعضًا منهم، آمن بالمسيح كنيقوديمس ويوسف الرامي، وبعضهم آمن سرًا لكنه لم يجهر الإيمان خوفًا من الطرد من المجمع حسب يوحنا 12: 34-44 أما القسم الثالث، لا سيّما أعضاء المجلس الأعلى، تآمروا على قتله خلال عيد الفصح، لانشغال الشعب من جهة ولتواجد الحاكم الروماني في القدس من جهة ثانية.

    Source: wikipedia.org
     
    (1)
    Media Activity

    Media Activity