If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
صدّ أبو حفص البلوطي الهجمات البيزنطية وتمكّن من توحيد الجزيرة كلها تحت سيطرته، وبدأ يرسم الخطوط العريضة لسياسة دولته. حينذاك كان ينظر للخليفة في بغداد على أنه الحاكم العام الواجب الطاعة على جميع المسلمين الذين يمكن نتيجة الظروف (الجغرافية، الاستراتيجية...الخ) أن يكونوا مستقلين استقلالاً ذاتياً في بعض الأقاليم من ناحية الحكومة والإدارة كحال الأغالبة في تونس مثلاً، ومن يرفض مبدأ الطاعة ذاك يعد خارجياً. أقرّ أبو حفص بالولاء للخلافة العباسية لكنّه فعلياً -بحكم البعد والموقع والمواصلات- كان يحكم إمارته بشكل مُستقل. كان الاستيلاء على إقريطش حدثاً ذا أهميةٍ بالغةٍ إذ غيّر موازين القوى البحرية في شرق المتوسط، فموقعها الاستراتيجي ومساحتها الكبيرة نسبياً (8336 كمᒾ) تتيح المجال لحكمٍ مستقرٍ مكتفٍ ذاتياً قادرٍ على السيطرة على مداخل بحر إيجة ودروبه فاتحاً الباب أمام الإغارات المُتكررة والتهديد المستمر في هذا البحر العظيم الأهمية للقسطنطينيّة، فهو مدخلها من المتوسط وإقريطش بوابة هذا المدخل، ومنها يمكن تهديد الممتلكات البيزنطية في اليونان وتراقيا جدياً وحتى سواحل الأناضول ولاسيما في ظل سيادة العباسيين على قبرص، وبدء فتح صقليّة واستخلاصها من البيزنطيين على يد الأغالبة -انطلاقاً من تونس- في الوقت ذاته تقريباً.
استطاعت الإمارة الوليد احتلال أجزاء من كيكلادس أيضاً خلال سنواتها الأولى، ممّا دفع ميخائيل الثاني إلى تنظيم حملةٍ ضخمةٍ أخرى، وبناء سفنٍ جديدةٍ، وتجنيد أسطولٍ بحري جديدٍ بأكمله. سلّم الإمبراطور قيادة الأسطول إلى أمير البحر أوريفاس الذي تمكّن من طرد المسلمين من جزر بحر إيجة لكنّه فشل في استعادة إقريطش. أرسل ثيوفيلوس (تيوفيل عند المؤرخين العرب) (829-842) خليفة ميخائيل الثاني سفارةً وديةً مع هدايا إلى عبد الرحمن الأوسط حاكم الأندلس مُقترحاً عمليةً عسكريةً مُشتركةً ضد الأندلسيين المنفيين، فقبلها عبد الرحمن وردّ عليها بإرسال سفيره يحيى الغزال بهدايا إلى تيوفيل، وانتهى الأمر عند هذا الحد ولم يفدْ البيزنطيون شيئاً. توالت الخسائر البيزنطية بعد تدمير المسلمين الأسطول البيزنطي بشكلٍ كاملٍ تقريباً قبالةَ جزيرة ثاسوس أقصى شمال البحر الإيجي في تشرين الأول/أكتوبر829م (214هـ) مُفسدين بذلك خطط أوريفاس ومُعرضين سواحل بحر إيجة من جديد لخطر الإغارة. وهاجم أهل إقريطش لاحقاً جزيرة وابية (إيوبيا) المحاذية للمورة (835-840 تقريباً)، وجزيرة لسبوس (837).
اتُخذت تدابير جديدة لمواجهة الخطر الإقريطشي بعد وفاة تيوفيل عام 842 من قبل العرش البيزنطي، فأُنشئت بحريةٌ جديدةٌ عام 843 (228هـ) بغية التعامل مع الغارات العربية الإسلامية، وانطلقت حملةٌ جديدةٌ لاسترداد إقريطش تحت قيادة اللغثيط (الوزير) ثيوكتيستوس شخصياً، وعلى الرغم من نجاحه باحتلال جزءٍ كبيرٍ من الجزيرة إلا أنّه اضطر للتخلي عن جيشه بعد علمه بمؤامراتٍ سياسيةٍ في القسطنطينية تاركاً قواته تُهزم على أيدي الإقريطشيين. اشتركت عدّة حملاتٍ في عملياتٍ مُنسقّةٍ شرقي المتوسط عام 853 في محاولةٍ لإضعاف المسلمين، وهاجمت القاعدة البحرية المصرية في دمياط واستولت على الأسلحة المُعدّة لدعم إقريطش. ورغمَ تحقيق البيزنطيين بعض النجاحات ضد المسلمين في السنوات اللاحقة، إلا أنّ الإقريطشيين استأنفوا غاراتهم أوائل العقد السابع من القرن التاسع مُستهدفين البيلوبونيز، وكيكلادس، وآثوس. أطلق القيصر البيزنطي بارداس (الرجل الأكثر نفوذاً في القسطنطينيّة) حملةً ضخمةً أخرى عام 866 (252هـ) لإخضاع الإمارة، لكن مقتله على يد باسل الأول بعد أسبوعين فقط من انطلاق الأسطول وضع حداً لخططه.
أوائل العقد الثامن (وكان مضى على الفتح الإسلامي أكثر من أربعين عاماً وظهر جيلٌ جديد من أبناء الجزيرة المسلمين) وصلت الغارات الإقريطشية إلى سويةٍ جديدة إذ أبحرت أساطيلهم -التي كان يقود الكثير من سفنها بيزنطيون تحولوا للإسلام- في بحر الأدرياتيك (بين كرواتيا وإيطاليا) ووصلت سواحل دالماسيا (أو دالماشيا) (الساحل الشرقي للبحر الأدرياتيكي). وفي إحدى المرات توغلت أساطيلهم في بحر مرمرة وهاجموا جزيرة مرمرة دونما جدوى. كانت تلك المرة الأولى منذ حصار القسطنطينية عام 717م التي يصل فيها أسطولٌ مسلمٌ حتى هذه المسافة من العاصمة البيزنطية. لكنّ الإمارة تعرضت لهزائمَ ثقيلةٍ عامي 873 و874 (260هـ) على يد الأميرال الجديد نيكيتاس أوريفاس الذي تمكّن من أسر عددٍ من المسلمين بعد إحدى المعارك وقام بتعذيبهم بشدةٍ انتقاماً منهم. وفي الحين ذاته دمّر الأسطول البيزنطي طرسوس. أدت هذه الانتصارات البيزنطية على ما يبدو إلى هدنةٍ مؤقتةٍ، ويبدو أنّ الأمير الثاني شعيب بن عمر (855–880م) اضطر لدفع إتاوةٍ نقديةٍ للبيزنطيين لنحو عقدٍ من الزمان.
استؤنفت الغارات ثانيةً بعد فترةٍ وجيزة، وانضم إلى أسطول الإمارة أساطيلُ من شمال أفريقيا ومن الشام. عانت البيلوبونيز (أو "المورة" وهي شبه الجزيرة اليونانية الرئيسية) كثيراً من الغارات الإسلامية، وكذا وابية وكيكلادس، وتمكّن المسلمون من فرض سيطرتهم على بطمس ومناطق أخرى وأجبروا ناكسوس، وباروس، وإيوس على دفع الجزية. لم يترك الوجود الإسلامي عموماً في هذه المناطق الكثير من الآثار المادية أو الثقافية، لكنّ موجة الغارات هذه تركت أثراً كبيراً في بحر إيجة حيث هُجرت بعض الجزر تماماً، وانتقل سكان السواحل إلى المناطق الداخلية المحمية بشكلٍ أفضل. تزايد خطر الهجمات الإسلامية حتى إنّ أثينا ذاتها كادت تُفتح بين عامي 896-902، وهاجمت عمارةٌ بحريةٌ من الشام مدينة سالونيك في عمق الأراضي البيزنطية وثاني أهم مدن بيزنطة. تعاونت الإمارة بشكلٍ وثيقٍ مع ولاية الشام حيث استخدمت في كثيرٍ من الأحيان قاعدةً بحرية، وعندما عاد الأسطول الشاميّ من سالونيك يحمل الكثير من الأسرى فاق عددهم العشرين ألفاً إلى إقريطش بيعوا فيها عبيداً. تلقت الإمارة أيضاً دعماً قوياً من حكام مصر الطولونية (868-905)، لكنّ خلفاءهم الإخشيديون لم يُعيروها كبير اهتمامٍ. انطلقت حملة بيزنطية أخرى ضد الإمارة فاق حجمها كلّ الحملات السابقة عام 911 (298هـ) مُكونةٌ من أكثر من مئة سفينةٍ، وسبعة آلاف فارسٍ، و34 ألف مُقاتلٍ بحري، وخمسة آلاف ٍمن المردة، وسبعمائة مرتزقٍ روسي، لكنها اضطرت لمغادرة الجزيرة بعد بضعة أشهرٍ فقط من انطلاقها، ثمّ تعرض الأسطول البيزنطي للتدمير في معركةٍ وقعت قبالةَ جزيرة خيوس مع الأسطول الشاميّ.