If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
بعد الانتهاء من بغداد، عاد هولاكو إلى خانقين للتجهيز لغزو الشَّام، وهُناك استقبل رُسُل النَّاصر يُوسُف الأيُّوبي صاحب حلب يسأله مُعاونته على غزو مصر للانتقام من المماليك الذين انتزعوا البلاد من الأيُّوبيين، على الرُغم من أنَّ الصُلح كان قائمًا بين الطرفين بِدعمٍ من الخليفة العبَّاسي المُستعصم، الذي كان قبل الغزو المغولي قد أرسل رسولًا إلى النَّاصر يُوسُف يأمُرهُ بِمُصالحة الملك المُعز أيبك وأن يتفقا على حرب المغول. ويبدو أنَّ موجة الرُعب التي أثارتها أخبارُ المغول ووحشيَّتهم جعلت الطرفين يستجيبان في سُهولةٍ لِدعوة الخليفة المُستعصم، فتمَّ الصُلح بِشرط أن يكون لِلمماليك مصر حتَّى نهرُ الأُردُن وللأيُّوبيين ما وراء ذلك من بلاد الشَّام، بِمعنى أن تستولي سلطنة المماليك على غزَّة وبيت المقدس ونابلس والسَّاحل كُلِّه فضلًا عن مصر. ولكن يبدو أنَّهُ كان لِسُقوط بغداد أثرٌ كبيرٌ في جعل الناصر يُوسُف يعدل عن الصُلح ويطمع في استرجاع مصر، فدعا هولاكو إلى التعاون. وكان أن استجاب هولاكو لِتلك الدعوة، وقرَّر إرسال قُوَّة من عشرين ألف فارس إلى الشَّام، ولم يلبث المغول أن زحفوا من العراق على الشَّام، فانتقلوا في سُرعةٍ مُذهلةٍ من ديار بكر إلى آمُد يُريدون حلب. ولم يُوفَّق المُسلمون في الدفاع عن حلب فدخلها المغول وقتلوا ونهبوا وسلبوا وفعلوا عادة فعلهم. وهُنا أفاق النَّاصر يُوسُف لِحقيقة خطر المغول، فأرسل إلى قريبه المُغيث عُمر صاحب الكرك والمُظفَّر قُطُز صاحب مصر يطلب منهُما النجدة السريعة. على أنَّهُ يبدو أنَّ كثيرًا من الأُمراء بالشَّام خافوا عاقبة مُقاومة المغول ونادوا بِأنَّهُ لا فائدة من تلك المُقاومة، فأخذ الأمير زينُ الدين الحافظي يُعظِّم من شأن هولاكو وأيَّد مبدأ الاستسلام له، ولكنَّ الأمير رُكن الدين بيبرس البندقداري - أحد أُمراء المماليك البحريَّة بالشَّام - لم يُعجبه ذلك القول، فقام وسبَّهُ وضربه وقال له: «أَنْتُمُ سَبَبُ هَلَاكُ المُسْلِمِيْن!» ولم يرضَ بيبرس ومن معهُ من البحريَّة عن مسلك الناصر يُوسُف وأُمراء الشَّام، فساروا إلى غزَّة، وأرسل بيبرس إلى السُلطان قُطُز يعرض عليه توحيد جُهود المُسلمين ضدَّ خطر المغول. وفي الحال استجاب قُطُز للدعوة، فأرسل إلى بيبرس يطلب منهُ القُدوم، واستقبلهُ بِدار الوزارة وأقطعهُ قليوب وأعمالها.
اضطربت أحوالُ الشَّام نتيجةً لِغزو المغول، إذ لم يمضِ على استيلاء هولاكو على حلب ستة عشر يومًا حتَّى أخذ في الزحف على دمشق، فدخلها المغول ونهبوها، ثُمَّ ساروا إلى بعلبك واتجهت طائفةٌ منهم إلى غزَّة، وخربوا بانياس وأسعروا البلاد حربًا وملأوها قتلًا ونهبًا. ولم يلبث أن وصل إلى قُطُز بِمصر خطاب تهديد من هولاكو يطلب منهُ التسليم ويقُولُ له: «يَعلَمُ المَلِكُ المُظَفَّرُ قُطُز وَسَائِرَ أُمَرَاءَ دَوْلَتِهِ وَأَهلَ مَملَكَتِهِ بِالدِّيَارِ المِصْرِيَّةِ وَمَا حَوْلَهَا مِنَ الأَعمَالِ، أَنَّا نَحنُ جُندَ الله فِي أَرضِهِ، خَلَقَنَا مِن سَخطِهِ وَسَلطِهِ عَلَى مَن حَلَّ بِهِ غَضَبِهِ... فَاتَّعِظُوا بِغَيْرِكُمُ.. فَنَحْنُ لَا نَرْحَمُ مَن بَكَى وَلَا نَرُقُّ لِمَن شَكَى...». وختم رسالتهُ بِقصيدةٍ جاء في مطلعها:
ولكنَّ قُطُز لم يجبن أمام ذلك التهديد، فقتل رُسُل المغول وعلَّق رُؤوسهم على باب زويلة، فكانت أوَّل من عُلِّق على باب زويلة من رؤوس المغول. ولمَّا وجد قُطُز أنَّ بعض الأُمراء مُترددون في الخُروج لِحرب المغول صاح فيهم: «يَا أُمَرَاءَ المُسْلِمِين! لَكُم زَمَانٌ تَأكُلُونَ أَموَالَ بَيْتِ المَالِ وَأَنتُم لِلغُزاةِ كَارِهُون؟ أَنَا مُتَوَجِّهٌ فَمَن اخْتَارَ الجِهَادَ يَصْحَبُنِي وَمَن لَم يِخْتَر ذَلِكَ يَرْجِع إِلَى بَيْتِهِ فَإِنَّ الله مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ وَخَطِيئةُ حَرِيْمُِ المُسْلِمِينِ فِي رِكَابِ المُتَأَخِرِين!» وهكذا التقى المغول بِجيش المماليك من مصر والشَّام يوم 25 رمضان 658 هـ المُوافق فيه 3 أيلول (سپتمبر) 1260م في عين جالوت الحاسمة التي أوقفت زحف المغول في الشرق الأوسط، وكانت البداية نحو تحريره من الهيمنة المغوليَّة.