If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
شهدت العصور الوسطى تفاوتا شاسعاً في السلطة السياسية، وأضاف عصر آل فوجر الجديد تباينا اقتصاديا لم تعرفه أوروبا منذ عهد أصحاب الملايين والعبيد في إمبراطورية روما، فبعض التجار الرأسماليين في آوغسبورغ أو نورنبرغ كان عند كل منهم ثروة تعادل 5.000.000 فرنك (25.000.000 دولار؟) واشترى الكثيرون مكانة بين الأرستقراطيين صاحبة الأرض وارتدوا دروعا عليها شعارهم وعوضوا احتقار الأشراف "بإسراف مبالغ فيه"، فقد كان أمبروسيوس هوخشتتر وفرانز باومگارتنر ينفقان 5.000 فلورين (125.000 دولار؟) على مأدبة واحدة أو يقامران في لعبة واحدة بمبلغ 10.000 فلورين، وقد أثارت بيوت رجال الأعمال الأغنياء الفاخرة الأثاث والزخارف الفنية استياء طبقة النبلاء ورجال الدين والدهماء على سواء، وانضم الوعاظ والكتاب والثوريون في ثورة عارمة ضد المحتكرين، وطالب يوهان گايلر فون كايزرسبرگ بأن "يطاردوا كالذئاب ما داموا لا يخشون الله ولا الناس وينشرون المجاعة والعطش والفقر". وميز اولريخ فون هوتن أربعة طوائف من اللصوص: لتجار وفقهاء القانون والقسس والفرسان، ورأى أن التجار إنما أخطر هؤلاء اللصوص جميعا. "وطالب مجلس الريخستاج في كولون كل السلطات المدنية بأن تتخذ الإجراءات" بحزم وشدة (ضد كل الشركات الرأسمالية التي تتوسل بالاحتكار والربا). وتكرر صدور مثل هذه القوانين من مجالس نيابية أخرى ولكن بلا جدوى؛ فقد كان بعض المشرعين أنفسهم يستثمرون أموالهم في المحلات التجارية الكبرى، وهدأت سورة غضب حماة القانون بمنحهم اسمها، كما أن كثيراً من المدن ازدهرت بنمو التجارة الحرة.
كانت ستراسبورج وكولمار وميتز وآوغسبورغ ونورنبرغ واولم وفيينا وراتيسبون (رجنزبورغ) وماينز وسبييار وفورمز وكولون وترير وبريمن ودورتموند وهامبورغ وماجدبورج ولوبيك وبرسلاو مراكز نشاط اقتصادي مزدهرة بالصناعة والتجارة والآداب والفنون. وكانت هي وسبعة وسبعون مدينة أخرى "مدناً حرة" أي مدناً تسن قوانينها الخاصة وترسل ممثلين لها للمجالس النيابية الإقليمية والإمبراطورية ولا تخضع سياسياً إلا للإمبراطور، وكان بدوره مديناً لها بالعون المالي أو العسكري إلى حد لا يستطيع معه أن يقيد حرياتها. وعلى الرغم من أن هذه المدن كانت تحكمها طوائف حرفية يسيطر عليها رجال الأعمال فإن كل واحدة منها تقريبا كانت حكومة تستهدف الصالح العام. وطبقا للطريقة التي تراعي مصلحة الجماعة وذلك إلى الحد الذي كانت فيه تنظم الإنتاج والتوزيع والأجور والأسعار وصفة السلعة بقصد حماية الضعيف من القوي وتوفير احتياجات المعيشة للجميع. ونحن نطلق عليها الآن بلاداً لا مدناً طالما أن عدد السكان لم يتجاوز في أي منها 52.000 نسمة ومع ذلك فقد كانت آهلة بالسكان كما كان الحال عليه قبل منتصف القرن التاسع عشر وأكثر ازدهاراً من أي عهد قبل غوته، وإينياس سيلفيوس وهو إيطالي مزهو بنفسه كتب عنها عام 1458 يقول:
لم تكن ألمانيا أغنى ولا أشد تألقا منها قبل اليوم. ويمكن أن يقال دون مبالغة أنه ليس في أوروبا بلد تبزها أو تفوقها في جمال مدنها فهي تبدو طلية جديدة كأنها شيدت بالأمس ولن تجد حرية زائدة مثل هذه في أية مدن أخرى..
ولا يمكن أن نجد مدينة في أوروبا أكثر فخامة من كولون بكنائسها العجيبة ومبنى البلدية فيها وأبراجها وقصورها ومواطنها المبجلين من أوساط الناس وجداولها العظيمة. كما أنه ليس ثمة مدينة في العالم تبز آوغسبورغ في الثروة. وفي فينا قصور وكنائس تحسدها حتى إيطاليا".
ولم تكن آوغسبورغ مركزا للمال في ألمانيا فحسب بل كانت أيضاً الحلقة التجارية الرئيسية التي تربط بنيها وبين إيطاليا المزدهرة آنذاك. وتجار آوغسبورغ هم الذين كان لهم الفضل في بناء وإدارة الفوندا كوتيديسكو في البندقية التي زين جدرانها جيورجيوني وتيتيان بصورهما الجصية، وكانت آوغسبورغ وثيقة الاتصال بإيطاليا حتى أنها رددت صدى النهضة الإيطالية، وآزر تجارها الأدباء والفنانين وأصبح بعض الرأسماليين بها مثالاً يحتذى في السلوك والثقافة إن لم يكن في الأخلاق. ومن ثم نجد أن كونراد پويتنگر Konrad Peutinger، وهو مأمور أو عمدة في سنة 1493، كان دبلوماسياً وتاجرا وأدبياً وفقيهاً وعالماً باللغتين اللاتينية واليونانية وأثرياً ورجل أعمال.
كانت نورنبرغ مركزا للفنون والحرف اليدوية أكثر منها للصناعة أو المال على نطاق واسع، وكانت طرقاتها لا تزال ملتوية حسب ما كان متبعا في القرون الوسطى تظللها طبقات بارزة أو شرفات، وأسقفها المغطاة بالقرميد الأحمر وجملوناتها العالية القمة ومشربياتها تكون صورة غير متناسقة في مهادها الريفي وجدول بجنيتز الضخم. ولم يكن الناس بها في بحبوحة من العيش كما هم في آوغسبورغ ولكنهم مبتهجون دمثو الخلق ويحبون اللهو والتبذل في مهرجانات مثل الكرنفال الذي يشتركون فيه كل عام ويرتدون فيه الأقنعة وأزياء التنكر ويرقصون. وهناك أخذ هانز ساكس وكبار المغنيين ينشدون ألحانهم المرحة، وارتقى ألبرخت دورر بالتصوير والحفر الألمانيين إلى ذروتهما، وهناك قام صاغة الذهب والفضة شمال الألب بصنع زهريات غالية الثمن وأوعية للكنيسة وتماثيل صغيرة، وهناك قام العاملون بالأشغال المدنية بتشكيل ألف تكوين للنبات والحيوان والإنسان من البرنز أو شكلوا الحديد في سياجات أو ستائر جميلة، وهناك كان قاطعو الخشب من الكثرة إلى حد يجعلنا نعجب كيف تيسرت لهم سبل العيش. وأصبحت كنائس المدن مخازن ومتاحف للفن لأن كل طائفة حرفية أو نقابة أو أسرة ثرية كانت ترسل عملا فنياً جميلاً إلى مزار قديس يحمي الزمار. واختار رجيومونتانوس مدينة نورنبرغ موطناً له وقال :"لأني أجد هناك دون صعوبة كل الأدوات الخاصة بعلم الفلك وإنه لأيسر لي هناك أن أظل على صلة بالمتعلمين في كل البلاد لأن نورنبرغ، بفضل رحلات تجارها المستمرة يمكن أن تعد مركزاً لأوربا. ومن مميزات نورنبرغ أن أشهر تجارها ڤيليبالد پيركهايمر كان أيضاً عالماً بالإنسانيات متحمساً وراعياً للفنون وصديقاً حميماً لدورر، وقد أطلق إرازموس على پيركهايمر :"فخر ألمانيا العظيم".