If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
إنّ العفو والصفح علاجان لمُختلَف الخلافات والمشكلات التي قد تحصل في المُجتمَع، من غير الحاجة إلى طَرف وسيط للمساعدة في حلِّ مِثل هذه المشكلات، والتي قد يحتدم فيها النقاش، حيث يتشدَّد كلا الطرفين في الخلاف، وحينها تتَّسِع الفجوة، ويذهب كلُّ طرف في اتّجاه مُعيَّن؛ لذلك كان العفو، والصفح هما العلاج الأمثل لمثل هذه المواقف؛ ليُعِيد ترابُط الأطراف، ويملأ قلوبهم مودَّة ورحمة، ومَحبَّة لبعضهم البعض، فينسى كلٌّ منهما ما حدث، ويتنازل كلٌّ منهما عن حقِّه، كَرَماً وليس ضَعْفاً، أو عَجْزاً، أو خَوْفاً، وفيما يأتي بيانٌ لمعنى كلٍّ من العفو، والصَّفح، وإيضاحٌ للفرق بينهما، وذِكرٌ للفائدة التي تعود منهما على الفرد، والمُجتمَع.
العَفْوُ لغة: هو مصدر عَفَا يَعْفُو عَفْواً، فهو عافٍ، وعَفُوٌّ، والعفو: هو التجاوُز عن الذَّنْب، وعدم العقاب على فِعله، ومن خلاله يتمُّ مَحوُ الذَّنْب، وطَمْسه، والعفو عند المقدرة: هو تَرْك عقاب المُذنِب عند التمكُّن منه والقدرة عليه، والعفو العامّ: هو إسقاط العقوبة عن المذنبين جميعاً، وعندما يقول أحد ما: عفوتُ عن الحقّ: أي أنّه أسقطه عن الذي عليه الحقّ، والعَفُوُّ: هو كثير العَفو، وهو اسم من أسماء الله الحسنى؛ فهو الذي يُزِيل ويمحو آثار الذنوب جميعها.
ويدخل العفو ضِمن المُصطلَحات السياسيّة أيضاً، ويُقصَد به: الإجراء الذي تعفو الدولة من خلال تطبيقه على الجناة السياسيِّين، وغيرهم، ويكون هذا العفو جَماعيّاً، كما أنّ إجراء العفو يتمّ اتّخاذه كمبادرة هادفة إلى تحقيق الوِفاق السياسيّ، وعادة ما يُطبَّق مباشرة بعد تغيير حكومة، أو نظام ما، والعفو اصطلاحاً كما ورد عن الراغب الأصفهاني: هو التجافي عن الذَّنْب، أو التجاوز عنه، وله تعريف آخر: وهو التجاوُز عن الذَّنْب، وتَرْك الانتقام، والعفو صفة من صفات الله -عزّ وجلّ-، كما أنّه أمْر نبويّ.
وَصَف الله -سبحانه وتعالى- ذاته بالعَفُوّ؛ لأنّه يتجاوز عن ذنوب العباد، وخطاياهم، مع قُدْرته على عقابهم، ويظهر ذلك في قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ)، كما بيّن الرسول الكريم -عليه الصلاة والسلام-، مدى محبّة الله لخُلُق العفو، إذ كان يدعو صباحاً ومساءً، فيقول: (اللهمَّ إنِّي أسألُك العافيةَ في الدُّنيا والآخرةِ اللهمَّ إنِّي أسألُك العفوَ والعافيةَ في ديني ودنيايَ وأَهلي ومالي ...).
الصَّفح: هو مصدر الفعل صَفَحَ، فيُقال: صَفَحَ عنه يَصْفَح صَفْحًا: أي أنّه أعرض عن ذنبه، والصَّفوح: هو الكريم؛ فهو يصفح عمن أساء إليه، وقد ورد عن بعض أهل العِلم أنّ الصَّفح اشتُّق من صَفْحة العُنق؛ حيث إنّ الذي يصفح كأنّه يُولي بصفحة العنق، ويُعرِض عن إساءة الغير، ويُقال: استَصفَحَ زيدٌ فلاناً؛ بمعنى طلب منه الصَّفح عنه، واستصفحه ذنْبَه: أي طلب منه مَغفِرته له، أو استغفره إياه، والصفح اصطِلاحاً: هو تَرْك التأنيب، وإزالة أثر الذَّنْب من النفس بشكل كامل.
وقد أمر الله سبحانه وتعالى بالصَّفح الجميل، كما قال في كتابه العزيز: (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ)، والصفح الجميل: هو الذي لا يَشتمِل على التسبُّب بالأذى، بل هو مقابلة الإساءة بالإحسان، ومقابلة الذنب بالغُفران، وهو الصفح الذي لا يرافقه أذىً قوليّ، أو فعليّ، أمّا الصفح الذي ليس بجميل: فهو الذي يكون في غير محَلِّه، مثل الصفح عن الظالمين الذين يستحقّون العقاب.