If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
لعل الإقبال المتزايد على أسطورة أورفيوس والحركة الأورفية هو ما دفع الدارسين إلى البحث عن مصادر هذه الأسطورة، وعن الأسباب التي جعلتها تستمر بهذه القوة. ويكاد الباحثون الغربيون، ولاسيما أندرو لاين في كتابه: الأسطورة والطقوس والدين، والباحث دبليو سي ثري في كتابه: تاريخ الفلسفة اليونانية، يجمعون على أن الأسطورة تعود في أصولها الأولى إلى حضارة السوريين والمصريين القدماء، لأنها تمزج بين طبيعة البشر والآلهة، على النقيض من الكتابات الهومرية التي كانت تماثل بين الإنسان والآلهة. أمَّا الأسباب التي جعلت هذه الأسطورة محلَّ عناية الفنانين والأدباء والشعراء في مختلف العصور والحضارات فقد تعود، كما يقول غَثْري، إلى تأكيدها الهموم الفردية على حساب هموم المجتمع أو الدولة. ويعزو إمت روبنز هذه الظاهرة إلى الروح الإبداعية التي رافقت أسطورة أورفيوس؛ فالأسطورة تدفع، من جهة، إلى التفكير بالمحب الذي اقتحم عالم الموت ليسترجع حبيبته، ومن جهة أخرى، تشد إلى صورة المغني الجوال الذي يسحر الطبيعة بموسيقاه العذبة، وتثير في الأذهان صورة القديس المتنسك. ويبدو للمرء أنّ موضوع هذه الأسطورة الخاص برؤية المصير الإنساني جعل منها بنية قابلة لأن توظف وفق الوضعية الخاصة بالشاعر أو الأديب أو الفنان الذي يوظفها. فأسطورة أورفيوس، والأورفية أيضاً، لم تقتصرا في تأثيرهما في الرومانسيين الحالمين، والمتصوفين الهاربين، بل كان لهما تأثير كبير في عددٍ من الكتاب الواقعيين.
لعل أقدم النصوص في أخبار أورفيوس ما كتبه عنه فرجيل (70 ق.م.-19 ق.م.) في كتاب: (حياة فلاح).القسم الرابع من عمله، وُصِف فرجيل بأنه أول من أضفى على أسطورة أورفيوس طابعها المأسوي، بأن جعل يوريديس، زوجة أورفيوس، تختفي عندما كان يوشك أن يخرج بها من عالم الموت إلى عالم الحياة.
أمَّا الشاعر الروماني أوفيد (أوفيديوس) (43 ق.م - 17م) ـ فقد أطنب في سرد أخبار أورفيوس وزوجته يوريديس في كتابه التحولات. عبّرت الأسطورة له عن قسوة قدر الإنسان الذي وجب عليه أن يعاني البحث الأبدي في عالمي الحياة والموت بلا أمل بالخلاص. وظلت أسطورة أورفيوس تستأثر باهتمام الفنانين والأدباء الأوربيين على مر العصور الحضارية المختلفة. ولعل أشهر من وظف الأسطورة في العصر الحديث الشاعر الألماني راينر ماريا ريلكه (1875- 1926) الذي عمد إلى تطعيم الأسطورة برؤية الحس الشعري المعاصر، في أثريه الشعريين مراثي دوينو، وقصيدة لأورفيوس. واستفاد الكاتب المسرحي الأمريكي المعاصر تينيسي وليامز (1911- 1983) من أسطورة أورفيوس كثيراً. ولاسيما في مسرحيته المعروفة هبوط اورفيوس.
كذلك حظيت أسطورة أورفيوس باهتمام عدد كبير من الشعراء العرب المشهورين في العصر الحديث. ولعل أسبقهم إلى توظيف هذه الأسطورة كان عباس محمود العقاد في قصيدة بعنوان حديقة حيوانات آدمية وأحمد زكي أبو شادي في قصيدة أورفيوس ويوردسي. والملاحظ أنهما تعاملا مع مضامين هذه الأسطورة الفنية على نحو مبسط للغاية. ولعل التوظيف الأعمق لمضامين أسطورة أورفيوس ودلالاتها الفكرية والفنية جاء على أيدي الشعراء العرب المعاصرين ابتداءً من السياب[ر] الذي عبّرعن مضامين أورفية في أشعاره المبكرة، وظل يتكئ على صورها وإيحاءاتها حتى مرحلة متأخرة من تجربته الشعرية. كما برزت أسطورة أورفيوس في قسم كبير من شعر أدونيس. إذ لا يمكن تجاهل ملامح أسطورة أورفيوس في قصائده التالية: اورفيوس، أدونيس وأغاني مهيار الدمشقي، ومرآة أورفيوس، والرأس والنهر أدونيس. ولم يشذ البياتي عن غيره من الشعراء العرب المعاصرين في تعامله مع أسطورة أورفيوس. ولعل قصيدته هبوط أورفيوس خير دليل على اهتمامه بهذه الأسطورة.