If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
وُلدَ عاصِي في 4 أيّار (مايُو) لِلعام 1923 فِي قَرية أَنطلياس (10 كلم شمالاً مِن بيرُوت ،لُبنان)، لأبوين هُما : حنّا الياس الرّحبانِيّ وسعدى صَعب. وكان لِلبيئة الَّتِي نشأَ فِيها دورٌ أساسيٌّ فِي التَّأثِير على نوعِيَّة عطَائِه الفنِّيّ مِن حيث الأفكار والمواضِيع والسِّياقات، حيث كان عاصِي يكبُرُ فِي طُفُولته بيّن البساتِين والمُزارِعِين وما يُمثِّلُونه مِن تناغمٍ إِنسانِيٌّ مع الطَّبِيعة وقِيم العيشِ بِبساطةٍ ورِضى، وبيِّن المدرَسة والكنِيسة وما فِيهُما آنذاك مِن تركِيزٍ لِلقِيم الرُّوحيَّة والثَّقافِيَّة النَّبِيلة. وأَمضَى عاصِي قِسطاً هاماً مِن طُفُولتِه فِي مَقهى الفوارِ ثُمَّ المنيِبيِع فِي (الجَبل) الَّذِي كان يملِكه والِدُه، سمع فِيه قصص وأَخبار المراجِل والقبضايَاتِ الَّتِي كَانت تدور فِي أَروقته، وحَفِظ عاصِي عن جِدَّته غيتّا الَّتِي عاشت مَعهُم قصصاً وأشعاراً مِن المورُوث اللُّبنانِيّ الشّعبَيّ القدِيمِ. وإِلى منطقة الشوير الَّتِي تنحدِر مِنها أَصُوِّل العائِلة، والَّتِي تعلُو فِي اِرتِفاعها الجُغرافِيّ عَن أنطلياس، حيثُ الزُّهور الَّتِي تبتكِرُ حيِّزها الخاصِ بيِّن الصُّخُور والمُنحدِرات الوعِرة والقَاسِية، تصل بينها الينابِيع وجداوِل المِياه، وتتردَّدُ فِي أَرجائِها أَصداء "الذِّئاب"، كبِر عاصِي وفِي بالِه سحرٌ ودهِشةٌ مِن هذا الزَّخم الجِمالِيَّ العفوِيَّ الَّذِي عاشهُ فِي طُفُولتِه وكان جُزءٍ مِن حيَّاتِه اليومِيَّة، فاِنعكس على فنِّه صوتاً وصُورة، ووطناً عرفهُ عاصِي طِفلاً ويافِعاً، ولم يبتكِرهُ مِن الفراغ أَو الوهم كما يعتقِد كثِيرُون مِمَّن عرفُوا لُبنَان مُمزَّقا بِالحواجِز وخُطُوط التَّماس خِلال سنوات الحرب.
لَم يتمكَّن عاصِي فِي مُراهقتِه مِن الانضمام لِجوقة الكنِيسة الَّتِي كان قد أَسَّسها الأَب بُولس الأَشقر الأَنطُونيّ، ولكن شغفهُ وموهِبتهُ دفعانه لِكي يُتابِع دُرُوس المُوسِيقيّ خِلسةً مِن النَّافِذة، إِلَى أَن جَاءت اللَّحظة الَّتِي سيُظهر عاصِي فِيها أَحقِّيَّتُه فِي تعلُّم المُوسِيقيّ، عندما أَجاب على سُؤَّالٍ كان قد وجَّهه الأَب الأَنطُونيّ لِلطَلبة فلم يستطِع أَيٌّ مِنهُم الإِجابة عليه، فتدخل عاصِي من بعيد:"أَنا بِعُرْفِ"، وعندما قدم إِجابته أَثار إِعجاب الأَب الأَنطُونيّ، الَّذِي باشر بِتعلِيمه مُنذ تِلك اللَّحظة ووجد فِيه الموهِبة والتَّفوُّق فِي الدُّرُوسِ على الآخرين، تتلمِذ عاصِي على يد الأَب بُولس لِمُدَّة سِتّ سنوات تعلُّم خِلالها مبادِئ النَّظرَيات المُوسِيقِيَّة والأَلحان الشَّرقِيَّة والكنسِيَّة، ثُمَّ تابع تعلُّم التَّألِيف المُوسِيقِيّ الغربيّ وعُلُومه على يد الأُستاذ بِرتران روبيار.
آلته الموسيقية الأولى كانت الكمان (الكمنجة كمان)، ومن ثم البيانو ، تلاههما البزق الذي ألبسه عاصي أثوابًا جديدة وكرّمه بعزف ألحانٍ رئيسيةٍ لمرّاتٍ عديدة، والأهمّ من ذلك، أن البزق هو المحطّة الأولى لألحان عاصي، التي تنتقل فيما بعد من أوتار البزق وأنامل عاصي، إلى أوتار صوت فيروز وروحها المتّحدة والمتماهية مع كل لحظات ومراحل الخلق الجمالي الخاصّة، والرّوحية.
كانت بداياته الفنية وباكورة أعماله ضمن النطاق المحلّي لقريته، أنطلياس، تارة على شكل منشورات أو مجلّة الحرشاية التي كانت تحتوي شعرًا وأخبارًا وقصصًا يكتبها عاصي وحده ثم يوقّعها بمجموعة من الأسماء الوهمية!، وتارة على شكل تمثيليات غير تقليدية وجريئة في مجتمع لا يزال بأطوار الوعي البسيط والناعم، ومن هذه التمثيليات (عذارى الغدير، عرس في ضوء القمر، تاجر حرب)، بدأت العروض في القرية، ثم لاحقاً في مسرح الوست هول، الجامعة الأمريكية في بيروت، وفي الجونيور كولدج آنذاك (التي أصبحت كليّة بيروت الجامعيّة وثُم الجامعة اللبنانيّة الأميركيّة اليوم) قُدِّمَتْ مسرحية غابة الضّوء.إلا أنه في المراحل الفنية اللاحقة والتي كانت فيروز جزءً أساسيًا فيها لم يتم تقديم هذه الأعمال ربّما لأنها لم تستوفِ الشروط ومقتضيات النضوج الفني الذي سعى إليه عاصي وحرص عليه تحت اسم الأخوين رحباني.