If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
بعد فشله في الاستيلاء على ستالينغراد عهد هتلر بمهمة التخطيط والإعداد للحملات العسكرية للقيادة العليا للجيوش الألمانية كما قام بإعادة غوديريان (القائد السابق للجيش الثاني بانزر والذي قام هتلر نفسه بتنحيته عن منصبه وإحالته لقوات الاحتياط بعد فشله في الاستيلاء على ستالينغراد) إلى القيادة في الجيش الألماني ولكن هذه المرة في منصب المراقب العام لعموم القوات المدفعية، وعلى الرغم من تذمر القادة العسكريين الألمان أمر هتلر بعدم التنازل عن النتوء الذي شكلته القوات الألمانية قبالة كورسك بأي شكل من الأشكال والاستمرار في الضغط على القوات السوفيتية حتى سقوط المدينة، كما كان هتلر على دراية بالتحصينات السوفيتية في كورسك حيث تم تسليح المدينة بالأسلحة الثقيلة المضادة بالدبابات، حيث نشرت القوات السوفيتية المدافع المضادة للدبابات ومصائد الدبابات والألغام الأرضية والأسلاك الشائكة، كما قامت بحفر الخنادق وتشييد المعاقل وحشد قوات المدفعية ونصب مدافع الهاون، ومع ذلك تمسك بآماله في نجاح القوات الألمانية في هجوم خاطف أخير يغير من الحظوظ الألمانية في الحرب بحيث يخفف من حدة القتال مع القوات السوفيتية مما يتيح له الفرصة لنقل أكبر عدد ممكن من القوات للجبهة الغربية والتي باتت على وشك السقوط بأكملها في يد قوات الحلفاء، وتقرر بدء الهجوم من نتوء أوريول شمال كورسك متزامنا مع تحرك آخر من بيلغورود في الجنوب على أن تلتقي القوتان في المنطقة الواقعة شرق كورسك في تحرك يهدف لاسترجاع الخطوط الهجومية التي استولت عليها مجموعة الجيوش الجنوبية خلال حملة شتاء 1941-1942.
وعلى الرغم من تأكد الألمان من ضعف حالة قوات الاحتياط للجيش الأحمر وخاصة من ناحية القوة البشرية إلا أن الاتحاد السوفيتي استمر في إعادة بناء تلك القوات عن طريق سحب جنودة من المناطق التي استردها من القوات الألمانية وجعل هؤلاء الجنود نواة لقوات الاحتياط السوفيتية في إطار خطة إعادة الهيكلة التي انتهجها الاتحاد السوفيتي خلال فترات الهدوء التي انتابت القوات الألمانية التي عملت هي الأخرى على إعادة بناء قواتها المنهكة من الحرب في روسيا خاصة وقد فقدت العديد من الأفراد والعتاد خلال المعارك السابقة وخاصة معركة ستالينغراد.
كان هتلر قد وافق على مهاجمة كورسك بعد ضغط كبير من قادته العسكريين غير أنه استكشف بعد وقت قصير الشرك الخداعي الذي وقع فيه الجناح الاستخباراتي للقوات المسلحة الألمانية والمعروفة باسم الشؤون الخارجية للديوان الدفاعي للقيادة العليا للقوات المسلحة - أبفيهر (بالألمانية: Abwehr) والتي تحصلت على معلومات خاطئة عن مواقع القوات السوفيتية في كورسك من خلال جهود متضافرة بين الستافكا التي قامت بتسريب معلومات مغلوطة وحملة مكافحة التجسس التي شنتها حلقة لوسي التجسسية في سويسرا، جاء الهجوم الألماني بعد وقت طويل من السكون على صعيد العمليات العسكرية انتظرت خلاله القوات الألمانية المعدات والدبابات الجديدة مما أتاح الفرصة للقوات السوفيتية لتسليح نتوء كورسك بكميات هائلة من الأسلحة والذخيرة المضادة للدبابات لم يشهدها مكان واحد من قبل أو بعد يوم المعركة على مدار التاريخ وحتى يومنا هذا.
كان الجيش التاسع الألماني بأكمله قد أعاد تمركزه من نتوء ريجيف الذي تخلى عنه في وقت سابق إلى نتوء الأوريول المواجه لكورسك على أن يبدأ تقدمه من مالوارخانجيلسك باتجاه كورسك، إلا أن القوات الألمانية لم تنجح في التقدم بعد أولخوفاتكا الواقعة في فورونيج على بعد 8 كم (5 أميال) من خط البداية في أعقاب توغّل طليعة القوات الألمانية داخل حقول الألغام السوفيتية ظنا منها أن الطبيعة التضاريسية للمنطقة هي الحائل الوحيد بينها وبين السهول المؤدية لكورسك دون الوضع في الاعتبار احتمالية زراعة المنطقة بالألغام الأمر الذي أدى لتحول مسار الهجوم باتجاه بونيري غرب أولخوفاتكا، إلا أن القوات الألمانية لم تنجح في اختراق الخطوط السوفيتية هناك مما اضطرها لاتخاذ مواقع دفاعية بعدما قامت القوات السوفيتية بهجوم مضاد ضد المواقع الحصينة للجيش الثاني بانزر حول أوريول في 12 يوليو، حيث قامت قوات الجيش الأحمر بمهاجمة الخط الفاصل بين الفرقتين 221 و293 عند نهر جيزدرا والتقدم من خلفهم حتى كاراتشيف والالتفاف حول أوريول.
على الجانب الآخر اختلف الوضع بعض الشئ بالنسبة للألمان في الجنوب، حيث تمكن الجيش الرابع بانزر بقيادة الكولونيل العام هرمان هوث مدعومًا بثلاث فيالق دبابات والتي شكّلت طليعة القوات الألمانية خلال الهجوم من التقدم خلال ممر ضيق على جانبي نهر سيفيرسكي دونتس حيث اخترق فيلق الوحدة الوقائية الثاني بانزر مصحوبا بقوات عالية الكفائة والتسليح من فرقة بانزرغرينادير غروسدويتشلاند (بالألمانية: Division Großdeutschland) حقول الألغام السوفيتية متخطية منطقة المرتفعات حتى وصلت إلى أوبيان إلا أن المقاومة الشديدة أدّت إلى تحول الجبهة من الشرق إلى الغرب، وبالرغم من ذلك كله تمكنت الدبابات الألمانية من قطع مسافة 25 كم (16 ميل) قبل اصطدامها بالقوات الاحتياطية لجيش الحرس الخامس دبابات على مشارف مدينة بروخوروفكا، ومع بزوغ شمس 12 يوليو انضمت أكثر من ألف دبابة من الجانبين إلى أرض المعركة مما جعلها أكبر معارك الدبابات على مر التاريخ على حد وصف المؤرخين السوفيت كما مثّلت المعركة انتصارا دفاعيا للعسكرية السوفيتية وإن جاء باهظ التكاليف حيث اشتبك جيش الحرس الخامس دبابات بقوة قُدرت بحوالي 800 دبابة خفيفة ومتوسطة مع عناصر من فيلق الوحدة الوقائية الثاني بانزر ودبابته الثقيلة ونجح في إيقاف تقدم القوات الألمانية على الرغم من فشله في استرجاع الأراضي التي كُلّف بها، وحتى الآن لا يزال حجم خسائر الجانبين في تلك المعركة محل خلاف بين المؤرخين.
وبنهاية اليوم وصل القتال بين الفريقين إلى طريق مسدود استحال معه تحقيق أي فريق تقدمًا ملحوظًا على أرض المعركة، وعلى الرغم من ذلك قرر مانشتاين استكمال الهجوم شمالا بمساعدة الجيش الرابع بانزر، ولكن تمكن السوفيت من امتصاص الهجوم الألماني مما أوقف التقدم الألماني ولم يسمح باستكمال العمليات الهجومية المضادة التي شرع فيها بعد تعرض مواقعه لقصف المدفعية السوفيتية، على الجانب الآخر وفي ظل النجاحات المتوالية التي حققتها عمليات الهجوم المضاد التي نفذتها القوات السوفيتية قام الجيش الأحمر في الجنوب بشن عملية هجومية موسعة على القطاع الشمالي لنتوء أوريول واستطاع اختراق نجاح الجيش التاسع الألماني في الوقت الذي تمكن فيه باقي قوات الحلفاء من تحقيق تقدم ملحوظ خلال عملية غزو صقلية والذي بدأ في 10 يوليو مما أثار مخاوف هتلر حول مقدرات الحرب الأمر الذي دفعه لاتخاذ قرار بتخفيض عدد القوات الألمانية على الجبهة الشرقية إلى النصف على الرغم من تقدم الجيش الألماني شمالا وانتزاعه لمساحات من الأراضي التي استرجعها منه الجيش الأحمر في وقت سابق، وعليه انتهى الهجوم الإستراتيجي الألماني على الاتحاد السوفيتي بارتداد القوات الألمانية إلى مواقع دفاعية بعد تعرضها لهجوم مضاد موسع من جانب القوات السوفيتية والهجوم الذي استمر طوال شهر أغسطس، لمزيد من التحليلات حول هذه الحملة يرجى الاطلاع على مقالة معركة كورسك.
خلاصة القول إن معركة كورسك أعتُبرت العملية الهجومية الأخيرة التي قامت بها الفيرماخت على نفس مستوى العمليات الهجومية التي شنتها في السنوات الأولى للحرب على الجبهة الشرقية خلال سنتي 1940 و1941 في حين لم تكن العمليات التالية سوى شبحًا غير مخيف للقوة العسكرية الألمانية التي بدأت فعليا في الزوال، كما أدت الهزيمة في معركة كورسك إلى تزعزع ثقة هتلر في قادته العسكريين إذ لم يعد يكترث لآرائهم كما كان الحال من قبل الأمر الذي أدى لانهيار كفائة القرارات العسكرية الإستراتيجية للقوات الألمانية بعدما كلفت معركة كورسك تلك القوات ما يقرب من 200,000 جندي و1,000 دبابة واضعة نهاية فعلية لقدرة الألمان على تحقيق أي انتصار على الجبهة الشرقية أو حتى الوصول بالمعركة إلى طريق مسدود يحافظ على التوازن بين القوتين وآمالهم في النصر حتى إشعار آخر.
استمر التقدم الجاد للقوات السوفيتية في أعقاب معركة كورسك وتدفقها على نتوء أوريول التي تسيطر عليه القوات الألمانية والتي حاولت إيقاف التقدم السوفيتي عن طريق تحريك فرقة بانزرغرينادير جروسدويتشلاند من بيلغورود إلى كاراتشيف ولكن دون جدوى مما دفع القيادة الألمانية لاتخاذ قرار التنازل عن نتوء أوريول (والذي استردته القوات السوفيتية في 5 أغسطس 1943) والارتداد إلى خط هاغن أمام مدينة بريانسك، كما اندفعت القوات السوفيتية في الجنوب مهاجمة مواقع مجموعة الجيوش الجنوبية في بيلغورود في طريقها نحو كاراتشيف مرة أخرى وخلال هذه الفترة الممتدة بين نهاية يوليو ونهاية أغسطس 1943 شهدت التحركات العسكرية العديد من التغييرات؛ حيث تمكنت دبابات تايغر من الإطاحة بالدبابات السوفيتية على أحد محاور المعركة قبل أن تتمكن القوات السوفيتية من الإطاحة بالبقية الباقية من أسطول الدبابات الألمانية على المحور الغربي في أعقاب تقدم القوات السوفيتية جنوبًا باتجاه بيسيل، كما تم إخلاء خاركوف للمرة الأخيرة في 22 أغسطس.
على الجانب الآخر كانت القوات الألمانية المتمركزة عند نهر ميوس والمكونة من الجيش الأول بانزر والجيش السادس الألماني أضعف ما يكون للرد على الهجوم السوفيتي على جبهتهم الخاصة مما دفعهم للانسحاب من منطقة الدونباس الصناعية وحتى الدنيبر بعد تعرضهم للهجوم السوفيتي فاقدين بذلك الموارد الصناعية التي ظلوا في الاعتماد عليها طوال فترة الحرب وكذلك نصف مساحة الأراضي الزراعية التي احتلتها ألمانيا في العامين الأولين للعمليات العسكرية، في تلك الأثناء أصدر هتلر أوامره لجميع القوات الألمانية بالانسحاب الشامل حتى خط الدنيبر في محاولة منه لبناء الجدار الشرقي (بالألمانية: Ostwall) وهو خط دفاعي مماثل للتحصينات المتواجدة على الحدود الغربية الألمانية المواجهة للجبهة الغربية والمعروفة باسم الجدار الغربي (بالألمانية: Westwall) وإن واجهت الألمان مشكلة أخرى تمثلت في عدم اكتمال بناء تلك التحصينات الدفاعية، فمع بداية مجموعة الجيوش الجنوبية إخلاء شرق أوكرانيا والانسحاب لعبور الدنيبر خلال شهر سبتمبر كانت القوات السوفيتية في أعقابهم حتى تمكنت وحدات صغيرة من عبور النهر والبالغ اتساعه قرابة 3 كم (1.9 ميل) وإنشاء رأس جسر على الضفة الأخرى من النهر، من جانبهم حاول السوفيت استعادة تلك الأراضي التي لا يزال يسيطر عليها الألمان ولكن هذه المرة عن طريق المظليين الذين تم إسقاطهم فوق كانيف في 24 سبتمبر في ثاني عملية إبرار جوي يفشل فيها الاتحاد السوفيتي مثلما كان الحال في دوروغوبوج قبل ثماني عشر شهر من هذا التاريخ حيث استطاع الألمان إفشال العملية وإجبار المظليين على الانسحاب حتى استطاعت فصائل من القوات السوفيتية تأمين غطاء دفاعي لعبور إلى الضفة المقابلة لنهر الدنيبر في مواجهة الألمان والتوغل في الأراضي الواقعة تحت السيطرة الألمانية، ومع نهاية سبتمبر وبداية أكتوبر وجد الألمان استحالة الإبقاء على خط الدنيبر مع تنامي قوة الجيش الأحمر على ضفتي الدنيبر وإقامة العديد من رؤوس الجسور الحصينة وسقوط مدن الدنيبر الرئيسية في أيدي القوات السوفيتية الواحدة تلو الأخرى بداية من بزاب