If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
بقيت كتابات لعدد قليل من المناقشات الصريحة للمنهجيات العلمية من الحضارات القديمة. أقصى ما يمكن استنتاجه عن المنهجيات التي سادت العلم في تلك الفترة ينبع من أوصاف الجدالات القديمة حول الطبيعة في تلك الكتابات الباقية. اشتمل النص الطبي المصري القديم الذي اكتشفه إدوين سميث، ويرجع إلى حوالي سنة 1600 ق.م، على العناصر التالية: الفحص، والتشخيص، والمعالجة، واستنباط سبب المرض، من أجل الاستشفاء من المرض، التي تدلّل بقوة على توازي الفكر حينئذ مع المنهج التجريبي الأساسي للعلم، الذي لعب دورًا بارزًا في تلك المنهجية وفقًا لرأي مؤرخ الطب القديم جيوفري لويد. كما اشتملت بردية إبيرس (حوالي سنة 1550 ق.م) أيضًا على دلائل حول التجريبية التقليدية.
في منتصف الألفية الأولى قبل الميلاد في بلاد الرافدين، تطور علم الفلك البابلي ليكون أقدم صور علم الفلك العلمي، حيث كان أول محاولة ناجحة للغاية تعطي وصف رياضي مُعدّل للظواهر الفلكية. ويزعم المؤرخ أسجار آوبي أن «كل علوم الفلك اللاحقة سواء علم الفلك اليوناني القديم أو علم الفلك الهندي أو علم الفلك الإسلامي أو الغربي - إن لم يكن بالفعل كل مسعى لاحق في العلوم الدقيقة - تعتمد على علم الفلك البابلي بطرق حاسمة وأساسية.»
أسس البابليون والمصريون القدماء الكثير من المعارف التقنية والحرف والرياضيات التي استخدمت في العرافة، وكذلك أسسوا المعارف الطبية، ووضعوا قوائم للأنواع كلها. إلا أن البابليين على وجه التحديد اضطلعوا في تطوير أقدم صور علم الرياضيات التجريبي، أثناء محاولاتهم القديمة للوصف الرياضي للظواهر الطبيعية، ولكنهم افتقدوا عمومًا النظريات العقلانية التي تفسر ماهية الطبيعة. كان الإغريق هم أول من اضطلع فعليًا في وضع أقدم التصورات حول النظريات العلمية العقلانية، حيث بدأت محاولاتهم نحو فهم أكثر عقلانية للطبيعة في الفترة بين سنتي 650-480 ق.م على يد مدرسة ما قبل سقراط الفلسفية. كان طاليس أول من استخدم التفسيرات الطبيعية، عندما أعلن أن كل حدث له سبب طبيعي، وعلى الرغم من أنه عُرف بقوله «كل شيء تملؤه الآلهة»، بل وضحّى بثور عندما اكتشف نظريته. أما ليوكيبوس، فقد طوّر نظريته الذرية القائلة بأن كل شيء يتكون بالكامل من عناصر خالدة مختلفة لا تتجزأ تسمى الذرات، وهي النظرية التي وضع ديموقريطوس تفاصيلها بعد ذلك.
افترض الفلاسفة الهنود القدامى أفكارًا مشابهة حول النظرية الذرية في مدارس نيايا وفايشيشيكا والمدارس البوذية الفلسفية. كما انتهجت مدرسة شارفاكا الفلسفية المنهجية المادية للوصول إلى المعرفة، كما تشككت في أن التصور غير المشروط هو الأساس الوحيد للمعرفة الحقيقية، وحذّرت من أنه إذا كان بإمكان الفرد الاستدلال على الحقيقة، فلا بد له أيضًا أن يتشكك في تلك الحقيقة؛ فالحقيقة المستدل عليها لا يمكن أن تكون غير قابلة للنقاش.
في منتصف القرن الخامس الميلادي، تأسست بقوة بعض عناصر النهج العلمي، حتى قبل أفلاطون، الذي كان من المساهمين الهامين في هذا النهج الناشيء، بفضل تطوير بفضل الفكر الاستنتاجي الذي طرحه تلميذه أرسطو. في محاورة بروتاغوراس، ذكر أفلاطون وجود تعليم للحساب والفلك والهندسة في المدارس. كما كانت الأفكار الفلسفية في ذاك الوقت معظمها متحررة من قيود الظواهر اليومية والفطرة السليمة. بلغ هذا الإنكار للواقع مداه عند بارمينيدس الذي جادل بأن العالم واحد، وهذا التغيير والتقسيم لا وجود له. وفي القرنين الثالث والرابع قبل الميلاد، استخدم الطبيبان الإغريقيان هيروفيلوس وإيراسيستراتوس التجربة لتوسيع أبحاثهم الطبية؛ حيث وزن إيراسيستراتوس ذات مرة طائرًا في قفص عدة مرات، وأشار إلى أنه يفقد جزءًا من وزنه في الفترات بين أوقات إطعامه.
استخدم أرسطو في طريقته الاستقرائية الاستنتاجية الاستنتاج مما يشاهده من ملاحظات للاستدلال على المبادئ العامة، والاستقراء من تلك المبادئ للتحقق من الملاحظات الأخرى، وتكرار تلك الدورة من الاستقراء والاستنتاج للوصول إلى المعرفة.
كانت «الأورغانون» ستة كتب وضعها أرسطو في المنطق. اسم هذه المجموعة الذي يعني «الآلة»، كان من وضع تلاميذ أرسطو من أتباع المدرسة المشائية. وتولى ترتيب هذه المجموعة أندرونيقوس الرودسي حوالي سنة 40 ق.م. اشتملت الأورغانون على ستة أعمال، وهي:
وضع أرسطو ما يمكن تسميته بالمنهج العلمي، وذلك في كتابه البرهان، حيث وضع بندًا آخر في المنهجية العلمية، ألا وهو التجريبية. بالنسبة لأرسطو، فالحقائق الكونية يمكن معرفتها من أشياء معينة عن طريق الاستقراء. ثم وفّق أرسطو إلى حد ما بين الفكر المجرد والملاحظة، ولكن سيكون من الخطأ إن اعتبرنا أن العلم الأرسطي قد سلك المنهج التجريبي. ففي الواقع، لم يتقبّل أرسطو أن المعرفة المكتسبة عن طريق الاستقراء يمكن احتسابها معرفةً علمية. ومع ذلك، كان الاستقراء بالنسبة له من الأولويات الضرورية للعمل في البحث العلمي، فهو يوفر المادة الأولية اللازمة للتوضيح العلمي. وقد تجاهل أرسطو إلى حد كبير الاستدلال الاستقرائي في نظريته حول البحث العلمي، فقال في كتابه «البرهان»: «نحن نفترض أننا لا نمتلك المعرفة العلمية حول شيء ما، وبدلاً من التعرف عليه عَرَضِيًّا كما يفعل السفسطائيون، نعتقد أننا نعرف السبب الذي تستند إليه الحقيقة، حيث الحقيقة وحدها ولا شيء غيرها، لأن الحقيقة لا يمكن أن تكون غير ما هي عليه». لذا، فإن دور الفيلسوف إثبات الحقائق الكونية واكتشاف أسبابها. ورغم أن الاستقراء ناجح في اكتشاف المسلمات العامة، إلا أنها لا ينجح في تحديد الأسباب. لهذا السبب، استخدم أرسطو الاستنباط في صورة القياس. وباستخدام القياس المنطقي، يمكن للعلماء استنتاج الحقائق الكونية الجديدة من تلك التي عُرفت من قبل.
كانت آراء أرسطو تلك مدعاةً للشك فيما يتعلق بطبيعة ومدى تجريبية أرسطو. خاصةً، وأنه يبدو أن أرسطو يرى بأن الإدراك الحسي فقط وسيلة للمعرفة من خلال الحدس. فقيّد أبحاثه في التاريخ الطبيعي على أوضاعها الطبيعية. ولم يقم أرسطو بتجارب وفق المفهوم الحديث للتجاربية. ووفق منهجه العلمي، أسس أرسطو وثاوفرسطس معًا علم الأحياء الجديد، بالاستقراء وفق كل حالة، قبل أن يعمل أرسطو مُؤدبًا للإسكندر الأكبر بسنتين.
في كتابه «القانون»، وضع إبيقور أول قواعده في البحث العلمي في الفيزياء، وهو أن «المفاهيم الأولى مُدركة»، وأنها «لا تحتاج للتوضيح». أما قاعدته الثانية، التي تسبق البدء في البحث أن «يجب أن تكون لدينا مفاهيم بديهية»، وبالتالي فمن الممكن أن نستدل على ما هو متوقع، وما هو غير ظاهر.
طبّق أبيقور طريقته في الاستدلال (باستخدام الملاحظات كإشارات للوصول إلى ما هو غير ملحوظ) على النظرية الذرية لديموقريطوس. ورغم توظيف أرسطو استخدام الإشارات في كتابه «القياس»، إلا أن أبيقور قدّم كتابه القانون كبديل ينافس منطق أرسطو. وقد كتب لوكريتيوس في كتابه «حول أصل الأشياء» قصيدة توضيحية تشرح فلسفة وفيزياء أبيقور.