خدمات الدعم
قلّت النظم البيئية الطبيعية المنظّمة ذاتياً، والتي تعتمد على الطاقة الشمسية الطبيعية فقط، وذلك بسبب اعتماد العديد من النظم الزراعية بشكل متزايد على الأسمدة والمبيدات الحشرية، إلى جانب حاجتها إلى كميات كبيرة من الطاقة المستمدّة من الوقود الأحفوري، ولذلك تحتاج بعض النظم البيئية إلى خدمات داعمة لبعض الوظائف الأساسية فيها، مثل: تشكّل التربة، ودورة المغذّيات، والمحافظة على دورة حياة أنواع الكائنات الحية من خلال توفير خدمات معينة، كمزارع تربية الأسماك، ووسائل نثر بذور النباتات، وذلك إلى جانب الحفاظ على التنوّع البيولوجي، ولهذا توفّر مناطق المحميات الطبيعية هذه الخدمات للأنظمة البيئية المحيطة، سواء من خلال التوسّع المباشر لنطاق التربة، والمغذّيات، والطاقة الشمسية، أو عن طريق استخدام المناطق المحمية كأساس لمعرفة المعلومات والمواد الخام اللّازمة لإصلاح ما تبقى من المناظر الطبيعية، ومعالجة بعض القضايا البيئية كالتصحّر.
خدمات الإمداد والتموين
تقدّم المحميات الطبيعية خدمات الإمداد والتموين للعديد من الموارد المادية المتعدّدة ذات الأهمية الكبيرة للإنسان، وذلك إمّا من خلال الدعم أو الإمداد المباشر، وفيما يأتي بعض من هذه الموارد:
- الغذاء: تساهم النظم البيئية الطبيعية المحمية في تحقيق الأمن الغذائي، وخاصّة للمجتمعات الفقيرة التي تعتمد في غذائها على منتجات المناطق المحمية، فعلى سبيل المثال توفّر المياه العذبة، ومياه البحار، وبعض المناطق الساحلية المحمية بيئات مناسبة لتكاثر الأسماك، ممّا يشكّل مصدراً غذائياً للسكان، إذ تتيح العديد من هذه المناطق الصيد المستدام للمجتمعات المحلية، وبالإضافة إلى ذلك فإنّ المناطق الأرضية المحمية تلعب دوراً رئيسياً في تعزيز الأمن الغذائي من خلال اتّخاذ بعض الإجراءات والتدابير اللازمة عند الحاجة، مثل: توفير مصادر للأعلاف ومناطق للرعي، إلى جانب إمكانية استخراج الأنواع الغذائية من داخل حدود المحمية، وخاصّة في حالات الطوارئ خلال أوقات الجفاف، إذ تسمح المناطق المحمية بذلك طالما تمّ بطريقة مستدامة ودون إفراط.
- المياه: تساهم بعض النظم البيئية في زيادة كمية المياه المتاحة، وخاصّة مستجمعات المياه في الغابات الضبابية المحمية، إذ تتكاثف قطرات المياه من الضباب على أوراق الشجر التي تساهم في توجيه هذه المياه إلى الأغصان والجذوع لتتجمّع فيها، وتحتوي مستجمعات المياه في الغابات على كمية أكبر من مياه الأمطار مقارنة بالأراضي الخالية من الأشجار، إذ تنخفض نسبة فقدان المياه فيها، ويزيد في المقابل معدّل التخزين في مستودعات المياه الجوفية، وذلك نظراً لطبيعة أرض هذه الغابات.
- المواد الخام: أُنشِئت العديد من المحميات للحفاظ على الموارد الطبيعية، مثل بعض النباتات والأشجار التي تُعدّ مصدراً للمطاط والأخشاب، إذ تستخدم المجتمعات المحلية هذه الأخشاب في البناء، وحطب المدافئ، وإعداد القوارب، وغير ذلك، ويُسمَح باستخراج بعض المواد الخام من النظم البيئية الطبيعية من خلال الحصاد المستدام، وبذلك يتمّ حماية هذه المناطق مع الاستفادة منها في نفس الوقت.
- الموارد الطبية: تحافظ المحميات الطبيعية على التنوّع البيولوجي الذي يوفّر مواد خام تعمل كمصادر للجينات لإنتاج الأدوية، كما تساعد المحميات في دعم الصحة العامة من خلال توفير موارد مستدامة للأعشاب الطبية.
- الموارد الجينية: يساهم التنوّع البيولوجي في المحميات الطبيعية في توفير المحاصيل البرية التي تُعدّ مصدراً للجينات المستخدمة في النباتات المدجّنة لزيادة قدرتها على تحمّل الجفاف أو مقاومة الأمراض، وخاصّة مع تزايد الحاجة لهذه المحاصيل في ظلّ التغيّر السريع للظروف البيئية والمناخ.
خدمات التنظيم
تشير الخدمات التنظيمية إلى العمليات التي تؤثّر بشكل مباشر على الإنسان، إذ تلعب دوراً رئيسياً في مساعدة النظم البيئية الطبيعية على التحكّم في المناخ، والظروف الجوية، ودورة المياه، والأنظمة الطبيعية الرئيسية التي تؤثّر على الزراعة كالتلقيح، وفيما يأتي بعض من أهمّ هذه الخدمات التنظيمية:
- تخزين وعزل الكربون: تلعب النظم البيئية الطبيعية المحمية دوراً مهماً في تخزين وعزل الكربون، وبالتالي التقليل من معدل تغيّر المناخ، إذ يتمّ ذلك في النباتات، مثل: الغابات، والأراضي العشبية، والأراضي الرطبة، والنباتات البحرية، بالإضافة إلى تخزين الكربون الذي يحدث تحت سطح التربة الغنية بالسماد، ولذلك يؤدّي تدمير هذه الأنظمة البيئية السليمة التي تعمل كمخازن طبيعية لاحتجاز وعزل الكربون إلى إطلاق الكربون للغلاف الجوي، ممّا يسبّب تغيّر المناخ، وتخزّن المحميات الطبيعية حوالي 15% من الكربون المخزّن في العالم.
- الحدّ من المخاطر الطبيعية: تساهم النظم البيئية الطبيعية في المناطق المحمية بشكل فعّال في التخفيف من الظواهر الجوية الشديدة، والآثار الناتجة عن الحركات الأرضية، والتي ازدادت بسبب تغيّر المناخ، ويبيّن ما يأتي كيف تحدّ هذه النظم من المخاطر الطبيعية المختلفة:
- تساعد النباتات الطبيعية كالغابات في الحدّ من تعرية التربة على المنحدرات، والانهيارات الأرضية التي تحدث بفعل تساقط الثلوج، وغيرها.
- تعمل أشجار الأيكة الساحلية، والشعاب المرجانية، والكثبان الرملية كحواجز ضدّ العواصف، والأعاصير، وارتفاع مستوى مياه البحر، واندفاع مياه المحيط بعد حدوث تسونامي.
- تلعب الغابات المطلّة على ضفاف الأنهار، والسهول الفيضية الطبيعية المحمية دوراً في امتصاص مياه الفيضانات.
- تساعد النباتات الطبيعية في الأراضي الجافّة والمناطق القاحلة في منع التصحّر، كما تحدّ من العواصف الرملية، وحركة الكثبان الرملية.
- تتميّز العديد من نظم الغابات البيئية السليمة والمحمية خاصّة تلك الموجودة في المناطق الاستوائية بأنّها أكثر مقاومة للحريق من النظم البيئية المتضرّرة.
- تنقية وإزالة السموم من الماء، والهواء، والتربة: يمكن للأنظمة البيئية الطبيعية أن تساعد في الحدّ من التلوث بمختلف أشكاله، إذ تلعب بعض النباتات في الغابات دوراً نشطاً في إنتاج الماء النقي، كما تساهم نباتات أخرى في إزالة السموم والملوّثات التي قد تدخل الأراضي الرطبة بفعل مياه الصرف الصحي، وذلك قبل دخول هذه المياه إلى خزّانات المياه الجوفية، كما يمكن لبعض النباتات امتصاص كمية معيّنة من ملوّثات الهواء، وإلى جانب ذلك تساهم الأراضي الرطبة المحمية في تخزين المياه، إلّا أنّ مستويات التلوّث المرتفعة تشكّل خطراً كبيراً على بعض المناطق المحمية، وخاصّة المحيطات التي ترتفع حموضتها بفعل تلوّث الهواء الذي يسبّب ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي.
- التلقيح: يلعب تلقيح الحشرات للنباتات دوراً أساسياً في المحافظة على التنوّع البيئي، إلى جانب منافع متعدّدة للبشر، فهو جزء أساسي في عملية نموّ النباتات، وإنتاج الغذاء والعسل، إلّا أنّ أعداد الحشرات تأثّرت بشكل كبير نظراً للتلوّث الصناعي، وفقدان المواطن الطبيعية، والاستخدام المفرط للمبيدات، ولذلك فإنّ المناطق المحمية تُعدّ وسيلة للمحافظة على نجاح عملية التلقيح، إذ تسمح العديد منها لمربّي النحل بوضع خلايا النحل داخل هذه المناطق، كما يستفيد المزارعون من التلقيح الذي يحدث داخل المناطق المحمية كأساس لتوسّعهم وانتشارهم في الأراضي الزراعية والبساتين.
- ضبط انتشار الآفات والأمراض: يساهم تغيّر المناخ في انتشار الآفات والأمراض في النظم البيئية، ونظراً لإدراك الخطر الذي تشكّله الأنواع الغازية الغريبة، فإنّ أهمية مكافحة الآفات والأمراض تتزايد، ولذلك تساعد المناطق المحمية في الحدّ من هذه المشكلة من خلال منع دخول الأنواع غير المرغوب فيها إليها.
خدمات ثقافية
تقدّم المناطق المحمية العديد من الخدمات الثقافية للإنسان نظراً لوجودها في مناطق طبيعية مميّزة، إذ يرتبط الإنسان مع الأنظمة البيئية الطبيعية بروابط ثقافية، ونفسية، وروحانية، وفيما يأتي بعض من هذه الخدمات الثقافية:
- الترفيه والسياحة: يستخدم الإنسان الطبيعة أحياناً كثيرة لأهداف ترفيهية، مثل: الاسترخاء، وممارسة الرياضة، ممّا ساهم في إنشاء المناطق المحمية التي يزورها الناس بهدف المشي، والنزهات العائلية، ومشاهدة الطبيعة، وركوب الخيل، أو التجديف، ولذلك يتزايد الإقبال على السياحة البيئية في هذه المناطق.
- الصحة البدنية والعقلية: يساعد التواجد في الطبيعة والتمتّع بمشاهدة مناظرها الأشخاص الذين يعانون من مشاكل جسدية أو عقلية، إذ توفّر المحميات الطبيعية بيئة ممتعة ومشجّعة للعلاج النفسي والجسدي، ويمكن استخدامها كأماكن آمنة لممارسة الرياضة للتخلّص من مشكلة السمنة على سبيل المثال، بالإضافة إلى توفيرها أماكن استجمام واسترخاء للأشخاص الذين يعانون من مشاكل في الصحة العقلية.
- الإلهام للفنون والعلوم والتكنولوجيا: كانت الطبيعة ملهمة للفنانين والكتّاب على مختلف الأجيال، وتوفّر المناطق المحمية مصادر غنية من الأفكار والطاقة للشعراء والفنانين، وتُعدّ القيمة الجمالية لطبيعة المناطق المحمية سبباً في إحساس بعض الأشخاص بالمكان.
- التعليم والبحث: توفّر المناطق المحمية موقعاً مناسباً لإجراء البحوث البيئية، ويمكن دراسة العمليات والتفاعلات البيئية في أفضل ظروف ممكنة داخل هذه المناطق، كما توفّر بعض المناطق المحمية برامج تعليمية يتمّ تطويرها بالاشتراك مع المدارس والكليات، ممّا يسمح للطلاب بالتفاعل المباشر مع الطبيعة.
- الهوية والإرث الثقافي: تتمتّع بعض المناطق المحمية بقيم ثقافية وتاريخية مهمّة، وخاصّة المناطق التي تحتوي معالم ومناظر طبيعية خاصة، أو أنواع برية مميزة.
- السلام والاستقرار: كان للعديد من المناطق المحمية العابرة للحدود دوراً كبيراً في المساعدة على حلّ المشاكل المتعلّقة بالحدود بين البلدان.
Source: mawdoo3.com