If you do not find what you're looking for, you can use more accurate words.
خلف أقاق باباي ومن ثم سيلاس على سدة البطريركية، غير أنه وبوفاة الأخير نشبت خلافات حول خلفه ونصب ابن أخيه أليشع بدعم من أسقف مرو بينما سيم نرسيس في خوزستان كمعارض له. وعلى الرغم من وفاة نرسيس المبكرة إلى أن الخلاف ضمن كنيسة المشرق استمر 15 سنة حتى سينودس 539 الذي قرر ببطلان بطركية كل من أليشع ونرسيس، وتم ترشيح بولس الخوزستاني بطريركًا، غير أن بولس توفي بعد شهرين من انتخابه فانتخب آبا خليفة له.
يعتبر آبا الملقب بالعظيم أحد أهم شخصيات كنيسة المشرق في القرن السادس، حيث سبق له أن ارتحل إلى الإمبراطورية البيزنطية كما درس اللاهوت والفلسفة في مدرستي الرها ونصيبين وقام بترجمة عدة كتب من اليونانية إلى السريانية، كما قام بعد انتخابه بتأسيس مدرسة لاهوتية في قطيسفون. ولعل أهم اعماله كانت تأسيس علي اختيار البطاركة الجدد خلال سينودس سنة 544. تدخل الإمبراطور الساساني خسرو الأول فعزل آبا ونصب طبيبه يوسف بطريركا بين 552-567، فعقد سينودس جديد نص على أن يتم اختيار البطريرك من بين المطارنة لحد التدخل الساساني، فعزل يوسف وعين حزقيال، أحد تلامذة آبا مكانه.أدت سيطرة الساسانين على اليمن خلال فترة بطريركية حزقيال إلى تأسيس أبرشيات لكنيسة المشرق في صنعاء وسوقطرة ما سرع في انتشار المسيحية بين العرب. خلال فترة بطركية يشوعيهب الأول الأرزوني (582-596) عقد سينودس سنة 585 مؤكدًا على التقليد الرسولي للكنيسة بكون بطريرك قطيسفون خليفة للرسولين بولس وبطرس، كما أكد سينودس يشوعيهب الأول على كون قطيسفون البطريركية الخامسة في المسيحية بجانب كل من الإسكندرية وأنطاكية والقسطنطينية وروما في المسيحية الغربية. واجهة الكنيسة خلافا داخليا بعد أن نشر حنانا الحديابي، أحد أبرز معلمي مدرسة نصيبين، عدة أعمال لاهوتية اعتمدت على تعاليم يوحنا فم الذهب بدلاً من ثيودور الموصي كما كان متعارفًا عليه في كنيسة المشرق. حازت كتابات حنانا على شعبية واسعة وخاصة بين أوساط تلاميذ مدرسة نصيبين. قام يشوعيهب بانتقاد حنانا غير أن الأخير استمر في منصبه بدعم من أسقف نصيبين.
شهد عهد الشاه هرمزد الرابع تسامحًا دينيًا واضحًا، فتم سنة 562 أقرار الحرية الدينية للمسيحيين بشرط أن لا يقوموا بالتبشير ضمن الإمبراطورية، وبالرغم من قيام السلطات بإعدام بعض المتحولين عن الزرادشتية إلا أن المسيحية استمرت بالنمو بشكل ملحوظ. نشب خلاف على حكم الدولة الساسانية بعد وفاة هرمزد انتهى باستيلاء خسرو الثاني على العرش، واتسمت علاقة خسرو بيشوعيهب بالتوتر فالتجأ الأخير إلى ملك المناذرة النعمان بن المنذر حيث توفي لديه. استغل خسرو فرصة شغور البطريركية فعين سبريشوع الذي حضى بدعم الملكة شيرين الآرامية والتي كانت على مذهب كنيسة المشرق في ذلك الحين. وبالرغم من قصر بطريركية سبريشوع إلى أن عهده شهد انتعاشًا للحركة الرهبانية التي منعت في السنوات السابقة؛ فقام إبراهيم الكشكري بإعادة هيكلة الرهبنة السريانية الشرقية، كما شهدت هذه الفترة إنشاء عدة أديرة على سفوح جبل إيزلا في طور عابدين.
استمر الخلاف اللاهوتي مع حنانا حتى سينودس سنة 605 الذي أدان كل من يرفض تعاليم ثيودور الموصي بخصوص طبيعة المسيح. وبالرغم من التسامح مع المسيحية في أواخر عهد الساسانيين غير أن فترة الحرب البيزنطية الساسانية التي دامت بين 602-628 شهدت اضطهادًا للمسيحيين كونهم على دين البيزنطيين. فبعد وفاة سبريشوع سنة 604 خلفه جيورجيس الأول، ويبدو أن تعيين جيورجيس جاء من دون رضى خسرو حيث حرم المسيحيين من تعيين خليفة له بمجرد وفاة البطريرك سنة 608، فظلت كنيسة المشرق بدون بطريرك طيلة فترة حكمه. خلال هذه الفترة أدار أمور الكنيسة كلا من آبا رئيس شمامسة قطيسفون وباباي الكبير، أحد أبرز لاهوتيي القرن السادس.
استمر الخلاف اللاهوتي مع حنانا بالرغم من قرار سينودس سنة 605 بإدانة كل من يرفض تعاليم ثيودور الموصي بخصوص طبيعة المسيح. وظهرت معارضة لحنانا في معقل رأسه بنصيبين عندما قام شماس ولاهوتي يسعى إيليا بإنشاء مدرسة تحت اسم بيث ساهدي في المدينة. ولم يتحسن موقف حنانا بالرغم من دعم شيرين له لاحقًا، حيث فقد معظم تلاميذه الذين ترحب أغلبهم في جبل إيزلا. لعل أهم خطر واجهته كنيسة المشرق في هذه الفترة كان الانتشار السريع للكنيسة السريانية الأرثوذكسية في معقلها بشمال ما بين النهرين. حيث يعود تاريخ الكنيسة السريانية الأرثوذكسية في الدولة الساسانية إلى سنة 558 عندما قام يعقوب البرادعي بتعيين أحوداما أسقفا على مدينة تكريت التي أصبحت منذ ذلك الحين أحد أهم مراكز هذه الكنيسة. أدى اضطهاد الخلقيدونيين للأرثوذكس المشارقة إلى لجوئهم إلى الدولة الساسانية، كما أدى غزو خسرو الثاني للمدن البيزنطية الشرقية إلى سقوط مطارنتها من الروم الأرثوذكس وتعيين سريان أرثوذكس محلهم ما عزز موقف هذه الكنيسة. ويتضح مدى نجاح الأرثوذكسية المشرقية من خلال قدرتها على جذب شخصيات هامة مثل شيرين ومطران سنجار. كما اتفق الطرفان على عقد مناظرة بين الديوفيزيين والميافيزيين سنة 612، قام خلالها كل طرف بتوضيح عقيدته ومن خلاله حفظ شرح باباي اللاهوتي لعقيدة كنيسة المشرق بخصوص طبيعة المسيح.
شهدت أواخر الحرب البيزنطية الساسانية هزائم متتالية للفرس، كما اغتيل خسرو سنة 628 ما أتاح الفرصة لتنصيب بطريرك جديد على رأس كنيسة المشرق، فوقع الاختيار بداية على باباي غير أنه اعتذر عن تسلم المنصب وتوفي بنفس العام. انتخب بعد ذلك أسقف بلد يشوعيهب الثاني (622-645) وخلال عهده فتحت العديد من المدارس اللاهوتية في محاولة لمواجهة توسع الميافيزيين. وبالمقابل، تمكن السريان الأرثوذكس بقيادة ماروثا التكريتي الذي عاصر يشوعيهب الثاني من ترسيخ وجودهم، وحاز ماروثا نتيجة لنشاطاته على لقب مفريان أنطاكيا. أرسلت الملكة بوراندخت يشوعيهب لرئاسة بعتها دبلوماسية لعقد الصلح مع الإمبراطور البيزنطي هرقل. كما شهدت هذه الفترة توسع الكنيسة بشكل ملحوظ ويشهد على ذلك المسلة النسطورية التي أرخت تاريخ دخول المسيحية للصين. كما قام يشوعيهب بنصب أساقفة على حلوان وهرات وسمرقند وشيان ولويانغ والهند. بدأت الإمبراطورية الساسانية بالانهيار بضغط الغزوات الإسلامية، وسرعان ما سقطت العاصمة قطيسفون أبان الفتح الإسلامي لفارس، فحول يشوعيهب كرسيه إلى كرخا دبيث سلوخ سنة 637.